كلية البابا شنودة الثالث الإكليريكية بشبرا الخيمة

الكتب المقررة على الكلية الإكليريكية

تاريخ كنسى

الصف الثانى

 

مذكرات في

تاريخ الكنيسة

 اعداد القمص :

ميخائيل جريس ميخائيل

 ماجستير في التاريخ الكنسى

مقدمة

 

كنيسة الرسل هي الأم لكل كنائس العالم والنبع الأصيل للمسيحية في صفاتها وعقائدها ومبادئها وطقوسها ودراسة التاريخ عموماً هي دراسة مهمة لكل دارس ليعرف الكثير والكثير عن الكنيسة المسيحية وكنيسة الإسكندرية التي وضع السيد المسيح أساسها بهروبة إلى أرض مصر وبمارمرقس الذي روت دمائه هذه الأرض بالإيمان ومدرسة الإسكندرية التي كانت قائدة في الدفاع عن الإيمان بقادتها العظام وبطاركها الأقوياء وبرهابانها الذي كانوا مثالاً لكل العالم في الفضائل المسيحية ولشهدائها الذين عرفوا وذاقوا حلاوة رب المجد وحملوا صليب الألم وتسابقوا على نوال الاستشهاد بفرح وبهجة ومسرة فالكنيسة تعرف بكثرة قديسها من نسا: ورعاة وشعب قدمت ولا تزال تقدم إلى يومنا هذا تؤمن اولاً بالجاه والشركة العملية مع الله القدوس قبل إشباع الفكر بدراساتعقلانية جافة أخيراً أرجو من الرب أن يعيننى في تقديم خطوط عريضة لتاريخ الكنيسة لكي يستفيد كل دارس محب للدراسة إستفادة روحية لكي ينمو في كل شئ .

                                         القمص

ميخائيل جريس ميخائيل

 

 

 

 

لماذا ندرس تاريخ الكنيسة ...!؟

1 – دراسة ملكوت الله على الرض وأتساعه من أجل مجد الله وخلاص البشر ويبين تطور هذا الملكوت وهو تفسير مستمر لمثلي :

حبة الخردل : - يظهر مدى انتشار المسيحين في العالم

مثل الخميرة : - يظهر فاعلية المسيحيين في تقديس الحياة الداخلية ( مت 13 : 31 – 33 )

2 – الله أقوى من كل قوى الشر التي تظهر وظهورها إنما وقتي . والنور والحق هو الأسد الخارج من سبط يهوذا " السيد المسيح " هو المنتظر دائماً وذلك يقوي إيماننا ويجعلنا أن ننمو في حياتنا على الأرض .

3 – خطة فداء الإنسان ، ودائماً يحرص الله على خلاص الإنسان " يريد أن الجميع يخلصون ... "

4 – دراسة كل قوانين ومبادئ المسيحية والطبيعة البشرية تحت سلطانها

5 – إشادرات محفورة للتشجيع والتعزية والنصح " سحابة من الشهود القديسين .. " نتعزى بهم ونتشجع بهم وندرس أفكارهم وأعمالهم ونسير حسب خطاهم لننضم إلى صفوفهم .

وبدائتنا للتاريخ ندرس أيضاً العصر الرسولي الذي لذا أهمية خاصة ، وبناء الكنيسة الأول والأشخاص الذين عايشوا رب المجد والتصقوا به كقول القديس يوحنا " الذي كان منذ البدء الذي سمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة " ( 1يو1 : 1 – 4 )

 

 

 

العصر الرسولى

هو الفترة الزمنية التي عاشها رسل رب المجد وكرازتهم بالإيمان المسيحي وهي حوالي سنة 70من عيد الخمسين على نياحة القديس يوحنا الإنجيلي .

. أهمية دراسة العصر الرسولي : -

1 – كما كانت حياة رب المجد النبع للديانة المسيحية هكذا العصر الرسولي هو المصدر للكنيسة المسيحية ككنيسة منظمة منفصلة عن المجتمع اليهودي فهو عصر الروح القدس والإلهام والتشريع لكل العصور .

بعذ الأمثلى :

+ " قد رأى الروح القدس ونحن ان لا نضع عليكم ثقلاً أكثر " ( أع15 : 28 )

+ " فلما أتوا ... حاولوا أن يذهبوا على بيثينية فلك يدعهم الروح " ( اع16 : 7 )

+ " وظهرت رؤية لبولس .... أعبر إلى مقدونية وأعنا " ( أع16 : 9 )

2 – المسيحية عمل لإلهي فائق للطبيعة

كانت تنمو على الشوك بلا سند أرضي وأنما سند إلهى بالوعد ان أبواب الجحيم لن تقوى عليها وبذلك تثبت أمام اليهود والوثنيين والرومان .

ليس لنا ذهب ولا فضة .... دين كامل لكل الشعوب فرض نفسه .

3 – صورة المسيحية ونقاوتها وفاعليتها :

جددت الخليقة الساقطة من يهود ووثنيين بطريقة تدريجية وتفاعل كبير

4 – النافذة التي نطل منها على المسيحية في مبادئها القوية وإيمانها الأكبر

5 – قدم لنا التقليد .

+ أحاديث السيد المسيح التي لم تكتب .

+ آيات آخر كثيرة صنعها يسوم قدام تلاميذه لم تكتب في هذا الكتاب ( يو20 : 30 )

+ كان يظهر في مدة الأربعين يوماً يكملهم عن الأمور المختصة بملكوت السموات ( أع1 : 3 )

+ التعليم قدم للناس شفوياً

6 – العصر الرسولي قدم لنا شخصيات عملاقة في ميدان الخدمة .

·       المصادر التاريخية للعصر الرسولي :

1 – أسفار العهد الجديد خاصة شفر أعمال الرسل .

2 – كتابات القوانين المنسوبة للرسل مثل الدسقولية

3 – كتابات الأباء الرسولين تلاميذ الرسل مثل :

                            كليمنضش الروماني – هرماس – اغناطيوس – بوليكربوس

4 – المصادر اليهودية : فيلو الفيلسوف اليهودي – يوسيفوس المؤرخ اليهودي

5 – كتابات أباء الجيل الثاني قبل يوسيفوس الشهيد وايريانوس

6 – كتابات يوسابيوس القيصري المؤرخ الكنسي

7 – المخلفات الأثرية ( أمثال مخطوطات البحر الميت )

 

 

 

 

 

القرن الأول

العصر الذي  ولد فيه السيد المسيح

أولاً : الحكام

1 – أغسطس قيصر

هو أول من انشأ النظام الإمبراطوري في روما ، وكان أول إمبراطور للدولة الرومانية ، وقد اشتهار بعذ ذلك باسم اغسطس ، ثم اصبح اسمه أغسطس قيصر . وكان أغسطس في الثامنة عشرة من عمره حين ورث سلطان قيصر ، وكان نحيف الجسم ، سقيم البنية ، غير منسق التقاطيع ، يشكو من أمراض عديدة ، ويتعثر في مشيته بسبب داء في ساقيه . ومع ذلك كان يطلق العنان لشهواته ، يومعن في التهتك والمجون ، ويرتكب ابشع الأعمال وأفظع الجرائم في فضاضة بشعة وغلظة لا رحمة فيها ولا وخز ضمير ، فكان مثالاً صادقاً وصارخاً للحاكم الروماني ، وقد اتصف بكل ما اشتهر به الطغاة الجبابرة في كل عصور التاريخ ، فأمكنه بذلك أن يقبض على زمام إمبراطوريته المترامية الأطراف بيد من حديد ، وظل زهاء نصف قرن من الزمان هو الحاكم بأمره في العالم كله وقد عاد أغطسس إلى روما عقب انتصاره على انطونيوس في معركة أكتيوم عام 31 قبل الميلاد ، واستيلائه على مصر ، فاستقبله الرومان استقبالا منقطع النظر ، وقد برهم بانتصارته العظيمة وغنائمه الضخمة التي جاء بها من مصر ، وأغدقها على العامة والجنود فلك يسع مجلس الشيوخ إلا الرضوخ له والتخلى عن كل سلطاته إليه ، فأصبحت في يديه السلطات التشريعية والتنفيذيه والقضائية والعسكرية مجتمعة . وفي عام 27ق. م أسبغ عليه مجلس الشيوخ لقبا كان قاصرا من قبل على الآله وهو لقب " أغسطس " وإذ كان اسم قيصر قد أصبح لقبا للأباطرة ، أضيف إلى لقبه الأول فأصبح يسمني ( أغسطس قيصر ) . وبالرغم من أنه انه كان يسمي نفسه ( زعيماً ) فحسب ، فقد اصبح ملكاً بالفعل وإن لم يسبغ على نفسه هذه الصفة ، بل أصبح ملك الملوك ، بوصفه إمبراطور الدولة الرومانية . ثم لم يلبث مجلس الشيوخ أن أعتبره إلهاً وأضاف اسمه إلى أسماء الالهة الرسميين لروما ، وأصبح يوم ميلاده يوماً مقدساً تقام فيه الطقوس لعبادته والتوجه إليه بالصلوت والترانيم . وقد بلغ من إيمان بعض الرومان به أنهم وهبوا حياتهم له فقطعوا على أنفسهم عهداً بأن يقتلوا أنفسهم حين يموت . ويقول سونونوس " إن الناس جميعاً علي اختلاف طوائفهم وطبقاتهم كانوا يقدمون له الهدايا و القرابين في عيد رأس السنة " . ثم سرعان ما امتدت عبادة أغسطس من روما إلى غيرها من الولايات الرومانية وقد اتخذت بعض ولايات آسيا عبادته ديانة رسمية لها وعينت لخدمة مذبحة طائفة جديدة من الكهنة اسمهم الأغسطيون . بل لقد زعم البعض أنه هو المسيح ابن الله النتظر . وهكذا أصبح ذلك الفاسق الزاني ، والآثم الظالم ، عند الرومان وأتباع الرومان ، إلهاً ابن إله ، وأصبح في زعمهم هو الذي ينتظره العالم كي يخلص البشر . وقد ظلت الدولة الرومانية في عهد اغسطس دولة رأسمالية يسيطر عليها كبار الأغنياء من أعضاء مجلس الشيوخ والفرسان وكان الإمبراطور هو الرأسمالي الأول في الدولة فكان أغنى أغنيائها وقد أعتبر اموال الدولة كلها أمواله ، فاختلطت خزانة الدولة بخزانته الخاصة ، واصبح يتصرف في موارد الدولة بنفس الطريقة التي يتصرف بها في موارده الشخصية ، وقد ترك هذه وتلك في أيدي عبيده الخصوصيين بغير حسيب أو رقيب ، ومن ثم سيطر عبيده علي كل شئون الدولة ، وأصبح بأيديهم الأمر والنهي في طول البلاد وعرضها . وكان أغنى الناس في روما بعد الإمبراطور هم أقاربه ، وأصدقائه الذين تربطه بهم أواثق الصلات ، إذ كان الإمبراطور هو الوسيلة السحرية إلى الثروة التى لا حدود لها . أما سخطه فكان وسيلة الخراب والهلاك .

وقد تزايد الأثرياء في روما على عهد اغسطس فتزايد الفساد وأشتد انحطاط أخلاق الرجال وانحلال النساء ، واضمحلال الروابط بين الزوج وزوجته والوالد وولده ، فأنطلق كل منهم في سبيل ، واطلق كل منهم العنان لشهواته لا يردعه رادع ولا يدفعه دافع من عقل او من ضمير . وقد زهد أغلب الرجال والنساء على السواء في رباط الزوجية فأصبحت العلاقات غير الشرعية هي السائدة ، واصبح الزنا هو القاعدة ، كما زهد الجميع في إنجاب الأبناء ، فأصبحوا يمنعون الحمل أو يجهضون الحوامل أو يقتلون الأطفال بعد ولاتهم . وقد تفاقم هذا كله حتى أصبح يهدد الرومان بالاندثار وأصبح يهدد الدولة الرومانية بالانهيار ، ومن ثم سارع أغسطس قيصر إلى إصدار سلسة من التشريعات محاولاً أن يوقف هذا الطوفان قبل فوات الأوان ، فنع الزنى بقانون ، وأعطى الحق للأب في أن يقتل أبنته الزانية مع شريكها ، كما اعطي الحق للزوج في أن يقتل زوجته الزانية مع شريكها كذلك ، وأوجب علي زوج الزانية أن يبلغ عنها وإلا تعرض للعقاب . أما زوجة الزاني فلا يحق لها أن تبلغ عنه لأن القانون يبيح له الاتصال بالعاهرات . وقد أصبح الزواج مفروضاً بحكم القانون على كل الصالحين له من الرجال والنساء ، وإلا تعرضوا لعقوبات صارمة ، منها الحرمان من الميراث ، والحرمان من مشاهدة الحفلات والأعياد العامة ، بيد أن هذه القوانين قد أغضبت الرومان جميعاً بغير استثناء ، ولا سيما أنهم كانوا يعلمون أن الذي أقترحها هو ( مانساس ) الذي كان مضرب الأمثال في الفجور والفحشاء ، وكانت زوجته عشيقة أغسطس نفسه من أكثر الرومان عهراً وعاراً ، وكانت الفضائح التي تحدث في بيته تزكم انوف القريبين والبعدين في كل أنحاء الإمبراطورية ، وكانت له أبنه وحيده تدعى جوليا ملأت روما بأخبار زناها وخيانتها لأزواجها المتعاقبين وانتقالها من عشيق لعشيق وعربدتها التى كانت تملأ السوق العمة صخباً وضجيجاً طول الليل . ولذلك سخر الرومان من أغسطس قائلين : كيف يريد بقوانينه أن يصلح أخلاق الدولة كلها ، بينما هو عاجز عن إصلاح الأخلاق في بيته . ومن ثم أضطر أغسطس أن يبعد أبنته جوليا عن روما . ولكن جوليا كان لها ابنه لم تلبث أن بدأت تسلك مسلك أمها وتثير الفضائح كذلك فأضطر كذلك أغسطس أن يبعدها عن روما هي الأخرى . وهكذا فشلت قوانين أغسطس وقد فشل في إصلاح أخلاق بيته وأخلاق دولته ، لأنه هو نفسه – ككل الرومان – كان فاسد الأخلاق ، وكانت الفضيلة والرذيلة عنده سواء .

وحين انتصر اغسطس على انطونيوس وكليوباترا في موقعة أكتيوم عام 31 قبل الميلاد ، أصبح الطريق مفتوحاً أمامه للاستيلاء علي مصر والقضاء على البطالمة ، الذين كان قد زعزع كيانهم وضعضع قوتهم تطاحنهم فيما بينهم وثورة الشعب المصري عليهم ، فضلاً عن انحرافهم وانصرافهم إلى حياة التهتك والخلاعة والمجون ، ولا سيما كيلوياترا التي جعلت عرشهم عش غرام لها ، وجعلت من انوثتها وسيلة لتحقيق مطامعها ، فسقطت في هوة عارها ، وسقطت مصر معها بين براثن الرومان ، فأستولي أغسطس عليها دون مقاومة في أول أغسطس عام 30 قبل الميلاد ، وأصبحت ولاية رومانية منذ ذلك التاريخ ، ولكنها ولاية ذاته مركز خاص نظراً لأهميتها التاريخية والسياسية والاقتصادية ، وموقعها الممتاز وصلابة اهلها الذين لم يستسلموا أبدأ للغاصبين أو يستكينوا للغزاة وأنما كانوا علي الدوام – رغم وداعتهم – حرباً علي الغاصبين وكانت بلادهم مقبرة للغزاة . ولذلك جعلها أغسطس تحت إشرافه المباشر ، بل أعتبرها ملكاً خاصاً له ، فأبعد عنها كل نفوذ لجلس الشيوخ ، بل لقد منع أعضاء ذلك المجلس من زيارتها إلا بعد استئذانه . وقد ظل المبدأ مراعياً حتى بعد موت أغسطس ، فقد حدث أن أرسل الإمبراطور طيباريوسولي عهده جرمانيكوس إلى الشرق لتنظيم بعض ولاياته فلما سمع أنه أنتهز الفرصة وزار مصر عنفه تعنيفاً شديداً لأنه فعل ذلك دون استئذانه . وبذلك ضمن الإمبراطور سيطرته الكاملة على مصر ، وحال دون تطلع أي حاكم روماني إلى الاستقلال بحكمها كما سبق أن أستقل بطليموس بحكمها عن عرش مقدونيا . وقد عين أغسطس نائباً عنه في مصر من مصر ووارث عرش الفراعنة . وقد امر برسم صورته علي الآثار مقرونة بالألقاب الإلهية التي كانت مألوفة في الولايات الرومانية كلها ، وعقد لواء قيادتها لحاكم مصر الذي كان مسئولاً أمامه عن كل الشئون العسكرية والإدارية والمالية والقضائية في البلاد ، وكان أول حاكم عينه أغسطس لمصرهو كورنيليوس جاللوس .

ولم يكتف أغسطس بالقوة وحدها للسيطرة علي سكان مصر ، وأنما لجأ كذلك إلى السياسة والدهاء ، فطبق المبدأ الخبيث الذي طالما طبقة الغزاة والمستعمرون في كل العصور ، وهو مبدأ ( فرق تسد ) وإذ كان سكان مصر يتآلفون من المصريين ومن عدد كبير من اليونان واليهود . ولما كان أغسطس قد اصبح معدوداً ضمن الآلهة في روما وأصبحخ يتعين علي الرومان وسكان الولايات عبادته مع آلهتهم فقد أقام تماثيلية في مصر ليعبدها المصريون . وهكذا ظل أولئك البائسون عبيداً لكل حاكم يحكمهم وعابدين لكل زاعم أنه إله . وفي عهد أغسطس ولد يسوع المسيح في بيت لحم ، وهي إحدى مدن اليهودية بفلسطين ، وإذ كانت أمه مريم العذراء من مدينة الناصرة إحدى مدن الجليل ، وقد ذهبت مع خطيبها يوسف للاكتتاب فجاءها المخاض وولدت أبنها هناك . وقد جاء في الكتاب المقدس أنه ( في تلك الأيام صدر امر أغسطس قيصر بأن يكتتب كل المسكونة . وهذا الاكتتاب الأول جري إذ كان كيرينيوس والي سورية ، فذهب الجميع ليكتتبوا كل واحد في مدينته ، فصعد يوسف أيضاً من الجليل من مدينة الناصرة إلى اليهودية إلى مدينة داود التي تدعي بيت لحم لكونه من بيت داود وعشريته ليكتتب مع مريم امرأته المخطوبة وهي حبلى ، وبينما هما هناك تمت أيامها لتلد فولدت أبنها البكر ) " لوقا 2 : 1 – 7 " . وحين علم هيرودس ملك اليهودية بميلاد يسوع من بعض المجوس الذين قالوا له إن هذا الطفل سيكون ملكاً لليهود ، تملكه الذعر ، وأمر بقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم وفي كل تخومها من سنتين فما دون عسى أن يقتل يسوع من بينهم . وحينئذ اخذ يوسف الطفل وأمه وهرب إلي مصر عن طريق صحراء سيناء .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2 – هيرودس :

( قسوة هيرودس نحو أطفال بيت لحم وكيفية موته )

 

+ لما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية . وفقاً للنبوات ، وفي الوقت السابق توضيحه أشتد انزعاج هيرودس بسبب سؤال المجوس الذين أتوا من المشرق سائلين أين هو المولود ملك اليهود . لأنهم رأوا نجمة . وكان هذا هو الدافع لهم للقيام برحلة طويلة كهذه ، إذ كانوا متحمسين للسجود للطفل كإله ، توهم هيرودس أن مملكته ستتعرض للخطر ، لذلك سأل علماء الناموس في الأمة اليهودية اين توقعوا أن يولد المسيح ؟ . وعندما علم أن نبوة ( ميخا & مت2 ) أعلنت بأن بيت لحم كان يجب أن تكون محل ميلاده أصدر مرسوماً بقتل جميع أطفال بيت لحم وما حولها الذكور من أبن سنتين فما دون بحسب الزمان الذي تحققه من المجوس ، ظناً منه بأن يسوع – كان محتملاً فعلاً – سوف يشترك مع سائر الأطفال الذين في سنه في نفس المصير .

+ ولكن الطفل نجا من الفخ إذ حمله أبواه إلى مصر بعد أن أعلمهما بما كان مزمعاً أن يحدث ، ملاك ظهر لهما ، وهذه الأمور سجلها الكتاب المقدس في الإنجيل .

+ ومما هو جدير بالذكر فضلاً عن هذا أن نلاحظ الجزاء الذي لقيه هيرودس بسبب جريمته التي تجاسر على ارتكابها ضد المسيح وسائر الأطفال من نفس السن . لأن الانتقام الألهي حل به مباشرة ومن دون أقل إبطاء ، بينما كان لا يزال حياً ، وجعله يتذوق مقدماً ما كان مزمعاً أن يلقاه بعد الموت  .

+ ويمكن أن نروي هنا انه قام بقتل زوجته وأطفاله ، وغيرهم من أقرب أقربائه وأعز أصدقائه .

+ علي أن مرض هيرودس ازداد شناعة لأن الله اوقع عليه القصاص بسبب جرائمه . لأن ناراً بطيئة اشتعلت في داخله لم تظهر لمن كان يلمسه بل زادت أحزانة الداخلية . غذ كانت له رغبة ملحة للطعام لم يكن ممكناً له مقومتها . وأصيب أيضاً بقروح في الأمعاء واصيب بصفة خاصة بآلام في القولون  كما أصيب بأورام مائية في قدميه .

+ وكان يشكو أيضاً من تعب مماثل قي بطنه ، وكان أيضاً يجد صعوبة شديدة في التنفس ، بل كان نفسه كريهاً بسبب الرائحة الكريهة وسرعة التنفس . واصيب أيضاً بتقلص في كل أطرافه . الأمر الذي أدى إلى عدم تمالك قواه .

+ وقد قال فعلاً أولئك الذين أعطيت لهم قوة العرافة والحكمة لتفسير مثل هذه الحوادث أن الله أوقع عليه هذا القصاص علي الملك بسبب شره المستطير وعدم تقواه .

+ ورغم صراعة ضد آلام كهذه فأنه تشبث بالحياة ، وكان يرجو السلامة ودبر خططاً للشفاء

+ وهنا ظن أطباؤة أنهم يستطيعون تدفئة كل جسمة بالزيت الدافئ ولكنهم عندما وضعوه في برميل مماوء بالزيت ضعفت عيناه وارتفعتا إلى فوق كعيني شخص ميت . وعندما رفع خدامه أصواتهم صارخين أفاق بسبب الصوت . وإذ يئس أخيراً من الشفاء أمر بتوزيع خمسين درهماً علي الجند وإعطاء مبالغ كبيرة لقواده وأصدقائه .

+ وبعد ذلك إذ رجع أتى إلى أريحا حيث تملكته حالة نفسية سوداوية ، فدبر ارتكاب عمل فاحش كأنه أراد تحدي الموت نفسه . لأنه جمع من كل مدينة أبرز رجال كل اليهودية ، وأمر بأن يغلق عليهم في المكان المسمى بسباق الخيل . ثم أستدعى سالومه أخته والإسكندرية زوجها وقال : أنا اعلم أن اليهود سيفرحون بموتي . ولكن قد تنحب على الآخرون ويقام لي جناز رائع أن كنتما مستعدين لأتمام أوامري . عندما أموت فأمرا بأن يحوط الجند بأسرع ما يمكن هؤلاء الرجال المحفوظين الآن تحت الحراسة واقتلاهم لكي تبكي علي كل اليهودية وكل بيت حتى رغم أرادتهم ويقال أن سالومه أطلقتهم بعد موته . ثم أنه كان معذباً بسبب طلبه المستمر للطعام ، ومن سعال تشنجي ، لدرجة أنه إذ يئس من آلامه فكر في العجيل علي مصيره المحتم ، وإذ أخذ تفاحة طلب أيضاً سكيناً ، لأنه كان متعوداً تقطيع التفاح وأكله . ثم تلفت حوله ليتأكد من عدم وجود شخص يمنعه ، ورفع يمينه كأنه يريد أن يطعن نفسه . وعلاوة علي هذه الأمور فقد قتل أبناً أسمه انتيباتر من أبنائه قبل موته . وقتل الثالث بناء على أمره ، وبعد ذلك مباشرة لفظ أنفاسه الأخيرة بالآم مبرحة . هكذا كانت نهاية هيرودس الذي نال قصاقاً عادلاً بسبب قتله أطفال بيت لحم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حالة اليهود عند ميلاد الكنيسة :

+ حالتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية :

تطلع اليهود إلي منقذ سياسي بعيد مملكة داود علي مستوي مجد عالمي . وكانت حالتهم سيئه للغاية والأمثلة التي ساقها الرب يسوع – وأن كان قد قصد بها معاني روحية – لكنها تصور لنا هذه الحالة خير تمثيل ... فمثل صديق نصف الليل ( لو11 : 5 – 7 ) والدرهم المفقود ( لو8 : 15 ، 9) ووصفه للفقراء في مثل العشاء والمدعوين ( لو14 : 21 و 23 ) والعمال البطالين في السوق طوال اليوم في مثل الفعلة وصاحب الكرم ( مت20 : 1 –7 ) أنما تعكس لنا صورة حية نابضة عن حالة الطبقة الكادحة في المجتمع اليهودي أبان قيام الكنيسة المسيحية .... يقابل هذه الطبقة المعدمة ، فئة من كبار الملاك الأثرياء الذين لم يكن لهم هم سوى زيادة ثرواتهم ، غير مبالين بالفقراء . وقد صور الرب هذا التناقض الصارخ بين الفريقين في مثل الغني ولعازر المسكين ( لو16 : 19 – 31 ) . وكذلك في مثل الغني الذي أخصبت كورته ولم يفكر إلا في ذاته وفي كتر ثروته ( لو12 : 6 : 21 ) .

أضف إلي هذا ، الذرائب التي أثقللت كاهل الشعب ... فمن ضرائب كانت تجبي لحساب روما يجمعها الشعرون بقسوة وإذلال وظلم ، إلي ضرائب دينية متنوعة . كان عليهم تقدمها إلى الهيكل وإلا اتهموا بالخروج علي الناموس ... من أجل ذلك كله ساءت أحوال اليهود الاقتصادية وانتشرت البطالة ، وأضطر البعض إلى احتراف السرقة والأجرام . وكانوا يتخذون من طرق فلسطين الجبلية المفقرة مسرحاًُ لجرائمهم ... ولعل المثل الذي قدمه المسيح عن الأنسان الذي كان مسافراً من أورشليم إلى أريحا ووقع بين اللصوص فعروه وجرحوه وتركوه بين حي وميت ( لو10 : 30 ) أنما يصور هذه الحالة أيضاً .

+ حالتهم الدينية والأدبية :

كان اليهود من الناحية الأدبية يفضلون الأميين الوثنيين بكثير ... لكنهم تحت مظهر الطاعة الشديدة لناموسهم ، كانوا يخفون فساداً مريعاً . وقد دعوا في العهد الجديد " أولاد الأفاعي " ( مت3 : 7 ) " أولاد إبليس " ( يو8 : 44 ) " قساة الرقاب وغير المختونين باقلوب والآذان " ( أع7 : 51 ) ويوسيفوس مؤرخهم الذي كان يهمه أن يظهر مواطنية لليونان والرومان في صورة مشرقة ، يصفهم في القرن الأول بأنهم شعب فاسد شرير ، استحقوا بعدل العقاب المخيف في خراب أورشليم . أما من الناحية الدينية ، فقد تمسكوا بحرفية الناموس وبتقاليدهم دون ان يفهموا روح الشريعة أو يعرفوا قوتها .... كانوا يتحفظون تحفظ الخوف من الوثنيين . لذا فقد نالوا احتقارهم كأعداء للجنس البشري ... ومع ذلك فقد استطاعوا بكفاحهم وحصافتهم ، أن يجمعوا ثروات طائلة ، وأن تكون لهم مكانة في بعض المدن الكبيرة في الإمبراطورية الرومانية وعلي الرغم من تمسكهم بالناموس الذي يمنعم من الاتصال بالأمم الأخرى فأنهم تحت ضغط الظروف السياسية التى مروا بها انتشروا في العالم أجمع حتى أنه في خلال العصر الرسولي ، كان لا يخلو أقليم في اإمبراطورية الرومانية كلها من وجود جاليات يهودية .

وتبعاً لهاذ الاختلاط بالأمم ، أصبحت لغة فلسطين – التى توالي عليها حكم الأجانب خاصة بعد الاسكندر الأكبر – يجهلها كثير من اليهود وصارت اليونانية مألوفة ومتدااولة كاللغة الآرامية في مدن اليهودية .

وخرج اليهود عن مألوفهم ، وتحولت اليهودية من ديانة متحوصلة إلى ديانة كارزة ، لها إرساليات تعمل ، الأمر الذي أشار إليه السيد المسيح بقوله للكتبة والفريسيين " تطوفون البحر والبر لتكسبوا دخيلاً واحداً " ( مت23 : 15 ) وعلي الرغم من هذه الجهود ، فقد كان عدد المتهودين ضئيلاً . وفضل الوثنيون – ممن أعجبوا بأدبيات اليهود – أن يظلوا على الهامش ( كخائفي الله ) لأنهم لم كونوا مستعدين للخضوع لقيود الناموس الطقسي الشديدة ... وكان هؤلاء يحضرون المجامع اليهودية كموعوظين ... ولعل مما ساعد علي حركة الانضمام ، هذه الترجمة السبعينية للعهد القديم من العبرية على اليونانية التي تمت في عهد وبرغبة بطليموس الثاني ملك مصر ( 285 – 246ق . م ) لمنفعة شعبه من اليهود الذين كانوا يجهلون العبرية .

 

أيام الانتظار ومولد الكنيسة

+ بين القيامة والصعود :

أهم ما يميز مدة الأربعين يوماً بين قيامة السيد المسيح وصعوده ، وظهورته لتلاميذه .... ولقد كان لتلك الظهورات آثار هامة :

لقد أكدت لهم حقيقة قيامته من بين الموات بما لا يدع مجال لأي شك ( أع1 : 3 ) ورفعت من معنويات الرسل ، وملأت قلوبهم فرحاً وعزاء ( يو20 : 20 ) .... كما أن تلك الفترة كانت بمثابة فترة تمهيدية لأعمال الخدمة والكرازة في المستقبل القريب ، لقن فيها السيد المسيح تلاميذه كثيراً من المعلومات التي ما كلنوا يحتملوها قبل ذلك ( يو16 : 25 ، أع1 : 3 ) .... ويؤكد ذلك أن تلك الققاءات لم تكن مجرد ظهورات خاطفة ، بل امتدت واستطالت . ومن أمثلتها الرحلة التي صحب الرب فيها تلميذي عمواس بعد ظهر يوم أحد القيامة ، وقطع المسافة من أورشليم على عمواس ؟ ، وهى ستون غلوه أي نحو سبعة أميال ، وتستغرق اكثر من ساعتين مشياً علي الأقدام . وخلال هذه الرحلة " أبتدأ من موسى ، ومن جميع الأنبياء ، يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب " ( لو24 : 13 – 27 ) .... وأيضاً الظهور الثالث الذي أظهر فيه ذاته لتلاميذه عند بحر طبرية ، ومكث فيه معهم من الصباح حتى ما بعد الغداء ( يو21 : 4 – 15 )

+ بين الصعود ويوم الخمسين :

بعد أن أرتفع السيد المسيح عن تلاميذه عند جبل الزيتون ، وصعد إلى السماء ، ورجعوا إلى أورشليم بفرح عظيم ( لو24 : 52 ) .. وكان فرحهم لأنه صعد إلى الآب ( يو14 : 28 ) ولأنه سيأتى ثانية ( أع1 : 11 ) وفي اورشليم اجتمعوا في العلية التي كانت في بيت أم مارمرقس الكاروز .. هناك كانوا يواظبون بنفس واحدة علي الصلاة والطلبة مع نساء مؤمنات ، في مقدمتهن مريم العذراء لقد أوصاهم الرب أن يذهبوا إلي العالم أجمع ويكرزوا باإنجيل للخليقة كلها ، لكنه في نفس الوقت أمرهم بالبقاء في أورشليم ، انتظارا لموعد الاب ( الروح القدس ) ... بل لقد حذرهم من مبارحتهم قبل أن يلبسوا قوة من الأعالى ( لو24 : 49 ، أع1 : 4 ) ... وفي هذه الفترة ، كان لابد أن يختاروا تلميذاً خلفاً ليهوذا الخائن .... واشترطوا أن يكون أحد الذين اجتمعوا معهم كل الزمان منذ معمودية يوحنا إلى ذلك الوقت ، حتى يشهد معهم بقيامة الرب المجيدة ، التي ستصبح حجر الأساس في العمل الكرازي الجديد فصلوا وطلبوا إلي الرب أن يظهر اختياره لأحد أثنين : يسطس أم متياس .. ثم ألقوا فوقعت على متياس ( أع1 : 15 – 26 ) فصار واحدا من الأثنى عشر وهي المرة الوحيدة التي ذكر فيها استخدام القرعة .

+ يوم الخمسين :

في اليوم الخمسين لقيامة السيد المسيح ، وفي الساعة الثالثة بالتوقيت العبري ( التاسعة صباحاً بتوقيتنا ) أثناء احتفالات اليهود في أورشليم بأحد أعيادهم الكبرى – وهو عيد الخمسين – حل الروح القدس علي الرسل والتلاميذ ( جميع الموجودين بالعلية ) بينما كانوا مجتمعين بها بنفس واحدة ، وإذا صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة ، وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين ... وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت علي كل واحد منهم ، وامتلأ الجميع من الروح القدس ( أع2 : 1 – 4 ) . لقد أختار الرب هذه المناسبة عند اليهود موعداً لمولد كنيسته ، حيث تتم رموز وأشارات ... لذا يحسن ائن نقف قليلاً لنعرف شيئاً عن هذا العيد عند اليهود ... كان لهذا العيد اليهودي ثلاث تسميات : عيد الحصاد ( خر23 : 16 ) ، وعيد أوائل الثمار ( عد28 : 26 ) . وعيد الأسابيع ( تث16 : 9 ، 10 ، لا 23 : 15 ) وأطلق عليه عيد الخمسين لأنه يقع في اليوم الخمسين بعد الفصح اليهودي ... كان هذا العيد من حيث تسميته بعيد الأسابيع ، يبدأ مباشرة بعد عيد الفصح ، بتقديم أول حزمة من حصاد الشعير ، وينتهى في عيد الخمسين بتقديم أول رغفين من حصاد القمح . وكان يحتفل بعيد الخمسين يوماً واحداً وهو من أعياد اليهود الثلاثة الكبرى السنوية الفطير والحصاد والمظال التي كان علي جميع ذكور بني إسرائيل أن يظهروا فيها أمام الرب إلههم ( تث16 ) كان هذا العيد عند اليهود عيد فرح وبهجة . وكان يقع في ألفطف فصول السنة . ولذا كان يجذب اعداد ضخمة من اليهود الزائرين من البلاد والأقاليم الأخرى إلى أورشليم ويصف يوسفيوس اليهودي هذا العيد ويتكلم عن عشرات الآلاف الذين كانوا يجتمعون حول الهيكل في هذه المناسبة وكان عدد كبير من اليهود الوافدين من بلاد بعيدة إلى أورشليم لحضور عيد الفصح يبقون فيها حتى يحضروا هذا العيد أيضاً . كان عيد الخمسين إذن – بحسب ما جاء في الكتب المقدسة – هو عيد الحصاد أو عيد أوائل الثمار أو عيد الأسابيع .... لكنه كان أيضاً – طبقاً لتقليد الربيين في التلمود – هو عيد الاحتفال السنوي بتذكار تسلم الشريعة في سيناء ... فقد قيل أن موسى استلم الشريعة فوق جبل سيناء ، وفى اليوم الخمسين لخروج بني إسرائيل من مصر . ومن هنا جاءت تسميته بالعبرية ( عيد البهجة بالناموس ) كانت هناك عادة يهودية قديمة حرص اليهود عليها في العصر الرسولي ... كانوا يقضون الليلة السابقة لعيد الخمسين في تقديم الشكر لله من أجل عطية الناموس .

+ العيد التأسيسي للكنيسة :

لا شك أن الله الذي يتمم كل أموره بحكمة ، أختار مناسبة هذا العيد اليهودي ليجعل منه عيداً لمولد الكنيسة ، فأرسل روحه القدوس بقوة علي رسله وتلاميذه وأسس كنيستى علي الأرض .... كانت فرصة هذا العيد اليهودي أكثر ملاءمة لتأسيس الكنيسة المسيحية من عدة وجود ، بالنظر للمدلولات اليهودية للعيد ... لقد كانوا تحتفلون به كعيد لحصاد المزروعات ، فاضحى عيداً لحصاد الزرع الجيد الذي هو بنو الملكوت ( مت13 : 38 ) ... وكانوا يحتفلون به كعيد لأوائل الثمار الزراعية ، فغدا في المسيحية عيداً لأوائل الثمار الخلاصية ، حين أنضم إلي الكنيسة في ذلك اليوم ثلاثة آلاف نفس ... هذا بالإضافة إلي ثمار الروح القدس التي تكلم عنها الرسول ( غل5 : 22 ) ... ثم أنهم كانوا يحتفلون به كتذكار لإعكائهم الشريعة المكتوبة علي لوحين من حجر فأصبح عيداً للروح القدس روح الحياة الذي كتبت به وصايا الله لا هي ألواح حجرية ، كما حدث في القديم بل في ألواح قلب لحمية ( 2كو3 : 3 ) . وثمة نظرية أخرى ... فالعدد خمسين يشير إلى العفو والصفح ... ففى العهد القديم كانت تقدس السنة الخمسون ، ويعفى المديونون من ديونهم ويحرر العبيد " وتقدسون السنة الخمسين ، وتنادون بالعتق في الرض لجميع سكانها وتكون لكم يوبيلاً وترجعون كل إلى ملكه ، وتعودون كل إلى عشيريته " ( لا 25 : 10 ) كانت هذه السنة تبدأ بيوم الكفارة حين يضربون بالبوق إيذانا سنة اليوبيل ... فالعدد 50 إذا كان ينظر إليه كرمز للعفو عن الديون ... ثم أن عيد الخمسين اليهودي ، كان اكثر ملاءمة لتاسيس الكنيسة من جهة الجماهير التي كانت تحضره . فقائمة الشعوب التى اوردها القديس لوقا في ( أع2 : 8 – 11 ) كانت على وجه التقريب تشمل أنحاء الإمبراطورية الرومانية التى كانت بدورها تضم معظم العالم القديم المعروف وقتذاك ... والغرباء الذين ذكرهم لوقا كشهود كرازة الرسل .. ومما لا شك فيه أن أولئك الذين آمنوا في يوم الخمسين حملوا إيمانهم الجديد إلى أخوهم قبل أن يصل إليهم الرسل في كرازتهم . وهذا يوضح لنا وجود مسيحيين في دمشق قبل إيمان بولس ( أع9 : 2 ) ، ووجود عدد كبير من المؤمنين في روما ، قبل أن يكتب لها بولس رسالته بوقت كبير ( رو1 : 8 ) . كان إعطاء الشريعة في سيناء مصحوباً برعود وبروق وسحاب ثقيل على الجبل وصوت بوق شديد جداً ، ارتعد منه كل الشعب الذى كان في المحلة ... لذا لا تعجب أن جاءت كنيسة العهد الجديد إلى الوجود أيضاً بعلامات عجيبة ملأت المشاهدين دهشة وحيرة ( أع2 : 6 ، 7 ) . لقد صاحب حلول الروح القدس على الرسل والتلاميذ مظاهر ثلاثة : - صوت كما من هبوب ريح عاصفة ، وظهور ألسنة منقسمة كأنها من نار استقرت على كل واحد منهم ، والتكلم بألسنة أخرى .... والريح في كتاب العهد القديم نراها رمزاً للقوة الروحية الخلاقة ، ورمزاً للعمل غير المنظور ( يو3 : 8 ) والحرية السامية التي للروح القدس " حيث روح الرب هناك حرية " ( 2كو3 : 17 ) ... والنار كانت معروفة لدى بنى إسرائيل . فقد حل الله علي جبل سيناء بالنار ( خر19 : 18 ) ، وهى تكنف مجد الله ( حز1 : 4 ) . وهى تشير الي عمل التظهير الذى للروح القدس ( أش6 : 6 ،7 ) .... والتكلم بألسنة هو تصويب لما حدث قديماً عند برج بابل حينما بلبل الرب لسان هؤلاء الأشرار ومهما يكن من أمر فأن حلول االروح القدس علي التلاميذ في ذلك اليوم ، وصيروتهم هياكل لله ومساكن لروحه لهو اكبر معجزة في حياة البشر الداخيلة ، لأنهم به نالوا طبيعة جديدة عوضاً عن الطبيعة القديمة التي أفسدتها الخطية .

+ عظة بطـــــرس :

وعظة بطرس التي ألقاها في يوم الخمسين ( أع2 : 14 – 36 ) . هي عظة بسيطة لكن روح الله الذى كان يصحب كلماتها ، نخس قلوب السامعين ... فلما سألوا الرسل عما ينبغى أن يعملوه ، أجابوهم " توبوا وليعتمد كل واحد منكم علي أسم يسوع المسيح لغفران الخطايا ، فتقبلوا عطية الروح القدس " وهكذا انضم إلي الكنيسة في ذلك اليوم ثلاثة آلاف نفس ... أما عن موضوع العظة ، فباستثناء الربط الذي ربط به القديس بطرس أحداث تلك الساعة بنبوءة يؤئيل النبي ، نجد أن هدف العظة الكبير هو إثبات أن يسوع الناصري الذى قتله اليهود ظلماً وقام من الأموات ، هو عينة المسيا الذي تنبأ عنه داود وجاء من نسله حسب الجسد . لكن التركيز الأكبر في العظة كان على قيامة الرب يسوع من بين الأموات ( أع2 : 24 ، 27 ، 31 ، 32 ) .

+ أثر يوم الخمسين :

" وامتلأ الجميع من الروح القدس " ( أع2 : 4 ) ... هذه هي الأعجوبة الحقيقية الداخلية ، ومحور ما حدث في يوم الخمسين ... ونلاحظ أن الروح القدس لم يحل على الرسل وحدهم ، بل علي كل التلاميذ ( كل المؤمنين ) المجتمعين في العلية منتظرين موعد الآب ، وكان عددهم مائة وعشرين ( أع1 : 15 ) .. كان ما حدث في سوم الخمسين هو الوحي العظيم الذي أعانهم فيما بعد ليصبحوا معلمين ملهمين ذوى سلطان للإنجيل ، سواء باللسان أو القلم ... وما كان غامضاً صار الأن واضحاً مفهوما لهم ... لقد كشف لهم الروح القدس عن حقيقة الفادي وعمله علي ضوء قيامته المجيدة ، وملك عليهم ( عقولهم وقلوبهم )

 

 

 

 

كنيسة أورشليم

ولدت الكنيسة يوم الخمسين باورشليم ، ولذا عدت كنيسة أورشليم هي الكنيسة الأم لليهود المنتصرين ، بل للعالم المسيحي كله فيما بعد .... ونستطيع أن نتصور الحياة التي كانت تحياها تلك الجماعة المسيحية الناشئة ... كانوا قلة في عددهم ، خصوصا بعد أن عاد شهود يوم الخمسين الذين آمنوا إلى أوطانهم .... كانت الحياة وكل شئ داخل هذه الجماعة الجديدة ، يجرى في بساطة ، حتى إن القديس لوقا حينما يصور تلك الفترة المبكرة يقول عن المؤمنين أنهم كانوا " يكسرون الخبز في البيوت ويتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب " ( أع2 : 46 ) . لكن . ومع ذلك ، كانت هذه الكنيسة الناشئة تنمو داخيلا وخارجيا علي أيدي الرسل وهنا نذكر القديس بطرس الذي كان له بحكم سنه وخبرته وحماسه الفطري – دور قيادى في تلك الفترة المبكرة من حياة الكنيسة ساعد الرسل عدد من الكهنة القسوس وسبعة شمامسة للعناية بالفقراء والمرضى .... وكان روح الله يعمل – لا في الرسل وحدهم بل في جميع التلاميذ أي المؤمنين ، فقفز عدد المؤمنين من ثلاثة آلاف إلى خمسة  آلاف ( أع4 : 4 ) أما عوامل النمو فكانت الكرازة بالانجيل وعمل المعجزات باسم الرب يسوع وحياة المؤمنين العجيبة في إيمانها وحبها وكل فضيلة . كان المؤمنين بقيادة الرسل يصعدون إلي الهيكل للعبادة كما كان يفعل معلمهم .. اما اجتماعات العبادة الخاصة فعقدوها في البيوت ( أع2 : 46 / 5 : 42 ) كما واضبوا علي تناول عشاء الرب وفي كل ذلك كان يجمعهم احساس بأنهم جماعة واحدة واعضاء جسد واحد رأسه المسيح ... وقد لازموا الهيكل وعبادته ، وتمموا الناموس القديم ، بقدر ما سمحت لهم حياتهم الجديدة ، وإيمانهم الجديد ... وعظات القديس بطرس للشعب امتزت بالبساطة والاقناع . أما خطبة امام السنهدرين فلم تكن دفاعية بقدر ما كانت تبشيرية ومفعمة حماساً وغيرة وقوة واقناعاً وحكمة ولا شك أن ذلك كله كان من عمل روح الله الذي جعل من التلميذ الرعديد ، شاهداً صنديداً يشهد امام مجلس اليهود الأعلى ويقول " أن كان حقاً أمام الله أن نسمع لكم أكثر من الله فاحكما لاننا نحن أن لا نتكلم بما رأينا وسمعنا ... ينبغى ان يطاع الله أكثر من الناس " ( أع4 : 19 /، 20 ، 5 : 29 ) هكذا كانت يد الله القوية واضحة في الخدمة فكان " مؤمنون ينضكون للرب أكثر جماهير من رجال ونساء " ( أع5 : 14 ) وكانت " كلممة الله تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جداً في أورشليم وجمهور كثير من الكهنة يطيعون افيمان " ( أع6 : 7 ) كان الرب هو العامل فيهم وبهم ، وهكذا ... " كان الرب كل يوم يضم على الكنيسة الذين يخلصون " ( أع2 : 47 ) أما نتيجة هذا التوفيق والنجاح في الخدمة فكانت سلسلة طويلة ومريرة من المؤامرات والاضطهادات مرت بها الكنيسة والمؤمنون .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الكنيسة خارج أورشليم

بعد تأسيس الكنيسة المسيحية في يوم الخمسين ، اتجهت جهود الرسل الكرازية – كما ذكرنا – إلى تبشير اليهود أولاً ، وعلى الأخص في أورشليم ... فقد كان لزاما عليهم أن يشهدوا الرب أولاً أمام أخوتهم وفي معقل اليهودية ذاتها ويعملوا فيها علانية .... وبعد تأسيس كنيسة أورشليم تأسست كنائس في اليهودية والجليل والسامرة وعلي شاطئ البحر المتوسط . قد يظن البعض أن الرسل عقب تأسيس الكنيسة مباشرة وما بين عشية وضحاها انطلقوا إلى أقاصي المسكونة ليبشروها .. لكن الواقع غير ذلك فقد ظلت جهود الرسل والتلاميذ محصورة في نطاق بلاد اليهودية لمدة اثني عشرة سنة تقريباً وكان ذلك إتمام لوصية الرب لهم قبيل صعوده " تكونون لي شهود في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض " ( أع1 : 8 ) ... وحكمة الرب واضحة في ذلك ... فهو يريدهم أن يسيروا وفق سنن الطبيعة فيبدأون بالخدمة في الحقول الصغيرة كمقدمة لحقل العالم الواسع ويتدرجون من السهل إلي الأصعب والأعقد . وهكذا ، فأنه بفضل هذه الخطة الإلهية الحيكمة استطاعت المسيحية أن تنشر أنتشاراً ملحوظاً في خلال الخمسة عشر عام الأولي .... لكن ينبغي أل نكون مبالغين في تقديرنا لاتساع دائرة الإيمان سواء من ناحية الأماكن التي وصلت إليها الكرازة أو ناحية أتباع الديانة الجديدة والواقع أن المسيحية شقت طريقها بصعوبة إلي العالم اليهودي خارج اورشليم . ولا شك أن يوسابيوس المؤرخ كان مبالغاً جداً حينما قال أنه خلال حكم الإمبراطور طيباريوس – أى قبل سنة 37م ( أنا تعليم المخلص كل العالم بسرعة كأشعة الشمس . وللحال خرج صوت الإنجيليين والرسل الملهمين إلى كل الأرض ، والى أقصى المسكونة كلماتهم صوت الإنجيليين والرسل الملهمين على كل الرضي ، وإلى أقصى المسكونة كلماتهم . وسرعان ما تأسست الكنائس في كل مدينة وقرية ، وامتلأت بجماهير الشعب كبيدر مليء بالحنطة والآن نستعرض مركزين هامين من مراكز المسيحية خارج اورشليم : دمشق وإنطاكية ...

دمشق : هي أول مركز نلتقي به خارج أورشليم . ويمدنا سفر الأعمال بمعلومات عنها في موضعين . أولهما ما يتعلق بقصة اهتداء بولس حوالي سنة 37 على مقربة منها ، عقب الرؤيا التي رآها ( أع9 : 1 – 9 ) أما الموضع الثاني فهو ( أع11 : 19 ) حين يربط كاتب سفر الأعمال بين " الذي تشتتوا من جراء الضيق الذي حصل بسبب ( مقتل ) اسطفانوس " وبين التبشير في فينقية – التى كانت دمشق تعتبر جزءا منها . وإذا كان حادث إيمان شاول الطرسوسى قد وقع حوالى سنة 37م ، فمعنى ذلك أنه كانت قد تأسست في دمشق جماعة مسيحية قبل ذلك التاريخ . لأن الرؤيا التى ظهرت لشاول قرب دمشق ، كانت وهو طريقه للانتقام من هذه الجماعة المسيحية ... وهؤلاء المسيحيون لابد وأنهم كانوا يهود قبل إيمانهم وإلا لما وقعوا في دائرة اختصاص رئيس كهنة اليهود في اورشليم ، الذى زود شاول برسائل من أجلهم ... وايضاً لأن بشرى الخلاص – حتى ذلك الوقت كانت لا تعرض إلا لليهود فقط ( أع11 : 19 ) .... كان السيحيون وقتئذ يدعون " رجال الطريق " ( أع9 : 2 ) . وهو اصطلاح يهودي خالص ، للتعبير عن شيعة جديدة ... كما أن حنانيا الذى أعلن له الرب عن اهتداء شاول ، وهو الذى عمده كان اسقفا على دمشق ، ويذكره سفر الأعمال بأنه رجل تقي حسب الناموس ومشهود له من جميع اليهود السكان فيها ( أع22 : 12 ) .

إنطاكية :

كانت مدينة انطاكيه الوقعة على شاطى نهر الأورنتس orontes في سهل خصيب ، هى المقر القديم لملوك سوريا . وغدت عبر التاريخ احد معاقل الحضارة الوثنية ، ومركزا هاما للثقافة الإغريقية بل كانت احدى المركز الكبيرة التى التقى فيها الشرق بالغرب ، واختلطت فيها ثقافتهما ... كانت مدينة دولية سكانها الأساسيون من السريان ، لكن كان فيها كثرة من اليونانيين واليهود ... وهكذا اصبحت انطاكية – بمبانيها الجميلة ، وعدد سكانها الكبير ، وتجارتها الواسعة ، وتفوقها الفنى ، وثرائها العريض – تعتبر ثالث مدن الأمبراطورية بعد روما والإسكندرية كان تأسيس كنيسة مسيحية في انطاكية حدثا هاما ذا نتائج ضخمة بالنسبة للكنيسة الأولى .. وكان تدبيرا الهيا هاما ، بفضل وضع المدينة ومركزها الجغرافى الممتاز .. وهكذا أصبحت الكنيسة الانطاكية مركز الانطلاق لنشر الأيمان الجديد .. فقد اصبح ممكنا أن ينتقل هذا الأيمان – بعد فصله مما علق به من العادات اليهودية المعقدة – إلى انحاء الأمبرطورية الأخرى ... يضاف إلى ذلك ، أن قصر المسافة بينها وبين أورشليم ، جعلها قادرة على الاتصال الدائم بالكنيسة الأم فيها يرجع تبشير انطاكية إلى الذين تشتتوا من أورشليم من جراء الضيق الذى حصل بسبب مقتل اسطفانوس ، كان بين هؤلاء تلاميذ من قبرص ومن القيروان بشروا اليونانيين أي الوثنيين ، فأمن عدد كبير منهم ( أع11 : 19 – 21 ) وهكذا تبدو انطاكية كالمركز الأول الهام لجماعة وثنية منتصرة ... كان لليهود في انطاكية جالية لا بأس بها ، لكن الإرسالية المسيحية لم تحصر ذاتها داخل حدود المجمع اليهودي ... كان هؤلاء التلاميذ القبرصيون والقيروانيون يمثلون اكثر اعضاء كنيسة أورشليم تحررا في المفاهيم الايمانية بالنسبة لليهودية ويرجح أنهم كانوا علي صلة بأسطفانوس ومن ثم فقد قصدوا تبشير الوثنيين ... لقد قبل كثير منهم الإيمان الجديد .. وهكذا تأسست أول كنيسة مسيحية خارج اليهودية والسامرة . وهكذا فتحت أبوبا العالم للأرساليات المسيحية – تلك الأبواب التي أحتفظت بها اليهودية مغلقة . ومنذ ذلك الوقت ، أخذ الدين الجديد وضعه السليم .. كانوا يدعون اليونانيين كما يدعوا اليهود ، وفي كل مكان في العالم وأرتفعت الكنيسة – ولأول مرة – لفهم كلمات رب المجد " الحقل هو العالم " ( مت 13 : 38 ) ، وفي بداية تكوين الجماعة المسيحية في  أنطاكية أرسل الرسل من أورشليم برنابا إليها . وكانت خدمة برنابا في أنطاكيا مثمرة جداً " فانضم إلي الرب جمع غفير " ( أع11 : 22 ) . وإذ وجد برنابا أن الحصاد كثير ، سافر إلي طرسوس وأحضر معه شاول ( بولس ) إلي إنطاكية وظلا يخدمان بها سنة كاملة ( أع11 : 26 ) وصارا القائدين الفعليين للخدمة هناك .

أمتازت كنيسة إنطاكية في هذه الفترة المبكرة بكثرة مواهبها الفائقة . فوجد فيها أنبياء كثيرون ( أع 13 : 38 ) .... كما امتازت بتحلل المسيحية فيها من قيودها اليهودية وانطلاقها في كامل حريتها وجمالها . ففيها عرفت المسيحية – ولأول مرة باسمها الحقيقي " ودعي التلاميذ ( المؤنون ) مسيحيين في إنطاكية أولاً " ( أع11 : 26 ) لقد خلعت المسيحية علي أتباعها اسمها اليوناني الخاص . وكان مسيحيو فلسطين يسمون ( ناصريين ) ( أع24 : 5 ) وهذه التسمية أما أن الشعب هو الذى أطلقها بعد أن أبصروا تطور المسيحية وتقدمها وأما أنه أسم دمغهم به خصومهم من الأمم .. ومهما يكن من أمر فأن هذه التسمية ( مسيحيين ) في حد ذاتها برهان علي أن الجماعة الجديدة في أنطاكية وقفت في شجاعة متميزة عن اليهودية ، وأن الكنيسة لم تعد مجرد شيعة يهودية .. يضاف إلي هذا أن في إنطاكية – وربما للمرة الأولى – عاش الأمم واليهود المنتصرون جنباً إلي جنب متجاورين في الوقت الذي ظل اليهود اوفياء لعهادتهم اليهودية وناموسهم الذي كان يمنعهم من الأكل مع غير اليهود ، كما مع الوثنيين المنتصرين ... كانت هذه هي المشكلة التي واجهت بطرس الرسول في إنطاكية ، وبسببها قاومة بولس الرسول واتهمه بالرياء ( غلا2 : 11 – 14 ) .

 

 

 

 

 

+ إيمان شاول الطرسوسى :

ولعل اعظم البركات التى نتجت عن اضطهاد الكنيسة الأولى ، هى إيمان شاول الطرسوسى حوالى سنة 37م ... ذلك الرجل الذى كانت الغيرة تعمل في داخله بدوافع ومفاهيم فريسية خاطئة . ومن ثم جند ذاته لاستئصال شأفة المسيحية ، فكان يضطهد كنيسة الله بإفراط ويتلفها ( غل1 : 13 ) كان يحبس كثيرين من القديسين في السجون بأمر رؤساء الكهنة ، وكان يعاقبهم ويضطرهم إلى التجديف ... ولفرط حنقه ، كان يطاردهم إلى المدن خارج أورشليم ( أع26 : 10 ، 11 ) ... وفي إحدى حملاته الانتقامية التى جردها ضد المؤمنين في دمشق ، التقي بقائد هؤلاء المسحيين ورئيس خلاصهم عند مشارف دمشق ... وكانت معركة ، لكنها غير دموية وغير متكافئة سقط فيها شاول مستسلماً ، وغدا أسيرا .... أسرة الرب يسوع بلطفة وحنوه وحبه حين ابرق حوله نور سماوي ، وسمع صوتا يقول له " شاول شاول لماذا تضطهدني " ... وحين أعلن له الرب ذاته ، قال في استسلام عجيب " يارب ماذا تريد ان افعل " ... وهنا قال له الرب يسوع عما يريده ان يفعل ( اع9 : 1 – 6 ) لم ينس بولس هذه المعركة ... لم ينس ان الرب يسوع آسره يوما ... ذلك الضعف الذى طالما تغنى به على انه القوة عينها ... ذلك الآسر العجيب الذى عتقه وحرره ، الذى كان يحلو له فيما بعد ان يعلنه " بولس ... أسير يسوع المسيح " بعد هذا اللقاء الخلاصي ، ظل شاول فاقد البصر ثلاثة ، طواها صائما في دمشق . بواسطة رؤيا اعلنت لتلميذ يقال له حنانيا ، واخرى اعلنت لشاول نفسه ، قصثد بعدها حنانيا الى حيث كان شاول نازلاً ، ووضع يديه عليه فللوقت سقط من عينيه شئ كأنه قشور ، فأبصر في الحال ، وقام واعتمد وامتلأ من الروح القدس ( اع9 : 10 – 18 ) ... وامضى في دمشق ايامه مع المؤمنين اما " حنانيا " الذى عمد بولس ، فنحن لا تعرف الكثير عنه ... يذكره القديس لوقا على أنه " تلميذ اى مؤمن مسيحي ( اع 9 : 10 ) ، وبصفة القديس بولس بانه رحل تقى حسب الناموس ومشهود له من جميع اليهود ( اع22 : 12 ) .. ويذكره التقليد الكنسي على انه احد السبعين رسولاً واسقف دمشق .

+ مجمع اورشليم :

عقد هذا المجمع سنة 50 أو 51 م .... كان اول مجمع كنسى يعقد ويعتبر نواة للمجامع الكنسية التى عقدت بعهده ، وان اختلفت عنها كثيرا ... كانت مهمة المجمع مزودجة : أولاص – تقرير العلاقة الشخصية بين رسل الختان والأمم ، وتقسيم حقول الكرازة بينهم ، وثانياً : - حسم موضوع الختان ، وتقرر العلاقة بين المنتصرين من اليهود والمم ... وقد احرز المجمع بالنسبة للنقطة الأولى ، تقدما كاملاً ونهائيا . أما بالنسبة للنقطة الثانية فقد احرز استقرارا جزئيا ووقتيا ... وان كان سفر اعمال الرسل لم يسجل لنا كلل ما دار من مناقشات فيما يختص بهذا المجمع ، لكننا نعتقد ان مناقشات فردية بين الرسل سبقت وصاحبت انعقاد المجمع الرسمى ، الذى اشتركت فيه فئات مختلفة من أعضاء الكنيسة ... في هذ المناقشات الفردية ، حل موضوع قانونية رسولية بولس " وعرضت عليهم الآنجيل الذى اكرز به بين الأمم ولكن بالانفراد على المعتبرين لئلا اكون اسعى أو قد سعيت بطلاً ( غل2 : 2 ) : لم يشيروا عليه بأية تعديلات في منهج خدمته ، ولا اعطوه ىية توجيهات او توصيات ، بل اذ رأوا التوفيق العجيب الذى احرزه بولس وبرنابا في حقل الكرازة بين المم أعطوهم يمين الشركة ليكونا للأمم ، وأما هم فللختان الذى احرزه بولس وبرنابا في حقل الكرازة بين الأمم أعطوهم يمين الشركة ليكونا للأمم ، وأما هم فللختان ( غل2 : 8 ، 9 ) ... كل ما هناللك ، أنهم طلبوا من بولس ان يظهر حبة الأخوي ، ويقوى العلاقات بان يعاون فقراء اليهودية عامة ، و أورشليم بوجه خاص ، الذين كثيرا ما كانت تحل بهم الاضطهادات والمجاعات . وكان نولس قد عنى قبل ذلك بخدمة المحبة هذه ، وقام بها فعلا بفرح وعن ايمان ، بالجمع من كنائس الأمم ، وكان يحمل العطاء بنفسه الى أورشليم ( غل2 : 7 – 10 ) ( 43 ) ... هكذا ظهرت روح الآباء الرسل طيبة نحو بولس وبرنابا ، كما ظهر تقديرهم لهما في قرار المجمع النهائى ... " حبيبنا برنابا وبولس ، رجلين قد بذلا انفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح " ( اع15 : 25 ، 26 ) أما عن الموضوع الرئيسى ، الذى انعقد المجمع لأجله وهو موضوع " تهود الأمم " أو الزام الآمم الداخلين الي الأيمان لحفظ ناموس موسى فبعد مباحثات كثيرة تكلم بطرس وبعده برنابا وبولس ، واخيرا يعقوب اخو الرب اسقف اورشليم و رئيس المجمع ... وانتهى المجمع على القرار الأتى : " لا يوضع على المؤمنين ثقل اكثر غير هذه الاشياء الواجبة ، الأمتناع عما ذبح للأصنام ، وعن الدم المخنوق والزنا " ( اع15 : 28 ، 29 )

ملاحظات على المجمع وقراراته :

( 1 ) راس هذا المجمع القديس يعقوب اخو الرب اسقف أورشليم ، وليس القديس بطرس كما يدعى البعض . ولم يكن بطرس هو اول المتكلمين في المجمع أو بعبارة أخرى لم يكن هو الذى افتتح المجمع . فكلمة بطرس جاءت " بعدما حصلت مباحثة كثيرة " ( اع15 : 7 ) ... وكان كلامه عن خبرته السابقة في موضوع إيمان كرنيليوس الأممى .... أما يعقوب فكان اخر المتكلمين وأكثرهم أهمية ، وكان لكلامه وزن كبير أنهى مناقشات المجمع .

( 2 ) كانت المناقشات والمباحثات كثيرة ( اع15 : 7 ) ... لكن الروح القدس كان ايضاً حاضراً معهم ، وقاد هذه المناقشات ، ومن صدر قرارا المجمع اخيرا باسمه متحدا مع الكنيسة " لأنه قد رأى الروح القدس ونحن .... ( اع15 : 28 ) – وليس باسم بطرس .... أنها صورة مشرقة لروحانية الكنيسة الأولى ، ولما يجب أن تكون عليه المجامع الكنسية .

( 3 ) أحضر القديس بولس معه تيطس اليوناني الآممى .... ويبدو أنه أحضره ليقدم لكنيسة أورشليم عينه حية لما يمكن ان يفعله روح الله في الإنسان بدون الختان ( غل2 : 1 ) ويبدو أن فريق الفريسيين السابقين طالبوا بختانه لكن بولس صمد وقاوم بشدة " الذين لم نذعن لهم بالخضوع ولا ساعة ليبقى عندكم حق الإنجيل " ( غل2 : 5 )

( 4 ) بخصوص قرار المجمع فإنه لم يلزم الأمم بالتهود ، لكنه أوصي أن يمتنع " عما ذبح للأصنام ، وعن الدم ، والمخنوق ، والزنا " ( أع15 : 29 ) ...

وهذه النواهي هي ضمن ما كان يطالب به الأممي الذي يطلب التصريح له بحضور المجمع اليهودي ، وما قرره موسى بالنسبة للآمميين إذ أرادوا أن يجعلوا مقامهم في ارض اليهود ... فالطعام المقدم للأصنام ، سواء ما يؤكل في الهيكل الوثني او خارجه ، كان يعتبر شركة مع الشياطين ( تث32 : 17 ، 1كو10 : 20 ) .... والدم هو عنصر الحياة ، ولذا فهو مقدس لله ( تث12 : 23 ) ، والأشياء المخنوقة مازالت تحتفظ بدمها ، فلا يجب ان تؤكل تبعا لذلك ... ومن هنا ، فان هذه النواهى الثلاثة ، تتمشى مع تلك التى وضعت على الغريب الذى يقيم بين بنى إسرائيل ( لآ17 : 10 – 18 : 18 ) هذه النواهى الثلاثة السابقة تبدو معقولة ، اما النهىعن الزنا فيبدو غريبا . فالزنا امر غير مشروع لدى المسيحيين والأممين على السواء ، من اجل هذا راى كثيرون ان الزنا المشار اليه في قرار مجمع أورشليم ، إنما يقصد به الزيجات المحرمة كالحالة التى أشار إليها بولس في ( 1كو5 : 1 ) .

 

 

 

 

 

خراب أورشليم وهيكلها

اورشليم وهيكلها :

قبل ان نتناول موضوع خراب أورشليم وهيكلها . نرى من المفيد أن نقف قليلاً نظرة سريعة عليهما .

على الرغم من الثراء العريض الذي حققه كثير من اليهود خارج اليهودية في الأقطار الأخرى فقد . كانوا يتطلعون دائماً بشوق إلي أورشليم ، وما يحيط بها ... كانوا يعتبرون أورشليم وكل سكانها من اليهود – أنها المكان اغلوحيد في العالم ، حيث يشعرون – إلي حد ما – أنهم سادة في بيتهم ، وأن منها ستظهر ( حسب فهمهم المداي الخاطئ ) المملكة اليهودية الكبيرة الموعد بها ، وفيها أيضاً سيظهر المسيا المنتظر ... وهكذا كانت أورشليم مركز اليهودية في العلم كله ، وقلبها النابض وفي عهد الرسل كانت أورشليم علي جانب كبير من الثراء المادي وبلغ عدد سكانها نحو مائتى ألف نسمة . لكنها لم تعد – كما كانت في زمان داود وسليمان – تستمد عظمتها وثروتها من قوتها العسكرية ، أو تجارتها مع شعوب فلسطين . بل من هيكل يهوه وحده ... كان علي كل ذكر يهودي تجاوز عمره الستين ، اينما يعيش ، غنياً كان أم فقيراً أن يسهم في الحفاظ علي الهيكل ، بأن يدفع درهمين ( 2/1 شاقل ) سنوياً ضريبة للهيكل ترسل إلى أورشليم . وقد أوفى الرب يسوع هذه الضريبة ( مت17 : 24 ) وإلى جانب ذلك كانت تصل إلي أورشليم تقدمات كثيرة لا تحصى كما كان لزاماً علي كل يهودي غيور أن يحج إلي أورشليم – مرة واحدة علي الأقل في حياته حيث مسكن إلهه يهوه ... ففيه وحده يقبل الله التقدمات هكذا ترنم داود وقال عن هذا المسكن أن الله يسكن ففيه وحده يقبل الله التقدمات هكذا ترنم داود وقال عن هذا المسكن أن الله يسكن فيه إلي البد ( مز68 : 16 ) ... أما المجامع اليهودية المنتشرة في المدن المختلفة خارج أورشليم فكانت أماكن اجتماعات وعبادة ومدارس ... لكنها لم تكن بحال ما هياكل تقدم فيها الذبائح .

لابد إذن وأن تكون ضرائب الهيكل ، والحج ، قد أمدها بأموال طائلة وأنعشت الحالة الاقتصادية ، وأتاحت فرصاً للعمل والكسب لكثير من اليهود ، وهكذا فأن عبادة يهوه في أورشليم – بصورة مباشرة وغير مباشرة – قد أفادت ليس فقط كهنة الهيكل والكتبة وحدهم بل أيضاً أصحاب المتاجر والحرف والصيارف والفلاحين والرعاة وصيادي اليهودية والجليل الذين وجدوا في أورشليم سوقاً رائجاً لمنتجاتهم ... وغذ كان السيد المسيح قد وجد في الهيكل باعة ومشترين وصيارف فقد كان هذا يتمشى ووضع الهيكل بالنسبة لحياة أورشليم وشعبها . كانت حياة اليهود وآمالهم متعلقة بأورشليم " أن نسيتك يا اورشليم فلتنس يمينى ، ليلتصق لساني بحنكى إن لم أذكرك أن لم أفضل أورشليم علي أعظم فرحي " ( مز137 : 5 ، 6 ) .... من أجل هذا قامت بعض محاولات لبناء أماكن يحج إليها اليهود خارج أورشليم لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل ... من امثلة ذلك المحولة التىقام بها شخص يدعي أنياس onias وهو ابن لرئس كهنة يهودي – هذا بني هيكلاً ليهوه في مصر في عهد بطليموس فيلوباتير ( 173 – 146 ق . م ) بمعاونة هذا الملك الذي كان يأمل أن يصبح رعاياه من اليهود أكثر ولاء له ، حينما يكون لهم هيكل في بلده ، لكن هذا الهيكل فشل في فكرته وغرضه ... وهكذا ظلت أورشليم وهيكلها قبلة اليهود من كل أنحاء العالم يولون وجوههم شطرها في الصلاة وإليها يرسلون تقدماتهم ويحجون إليها للتبرك وتقديم الذبائه ... ويحفظون لها كل ولائهم ...

 

 

 

+ بشائر مشئومة :

سبق خراب أورشليم وهيكلها بشائر مشئومة في أورشليم ذاتها وفي خارجها .... ونستعرض أهمها فيما يلى :

1 – يذكر المؤرخون أن الست سنوات الواقعة بين اضطهاد نيرون وخراب أورشليم ( 64 – 70 م ) كانت أكثر فترات التاريخ القديم غمتلاء بالرذيلة والفساد والكوارث .. لقد بدأ الوصف البنوي الذي قدمه لنا ربنا يسوع عن خراب أورشليم وهيكلها يتحقق . وبدا للمسيحيين ، وكأن يوم الدينونة علي الأبواب ... ولم يكن هذا الإحساس قاصراً علي المسيحيين وحدهم بل شاركهم فيه كثير من الوثنيين أيضاً .

حتى أن المؤرخ الوثني تاكيتوس tacitus  حينما أخذ يسجل تاريخ روما بعد موت نيرون بدأه بقوله ( أنني مقبل علي عمل غني بالكوارث ، ملئ بالمعارك الفظيعة والمنازعات والثورات ... حتى في زمان السلم لقد قتل أربعة أمراء بالسيف وفي وقت واحد نشبت ثلاثة حروب أهلية وعديد من الحروب الخارجية العنيفة ... ايطاليا مثقلة بكوارث جديدة أو قديمة متكررة . مدناً تبتلع أو تدفن تحت الحطام لقد اتلفت الحرائق روما . احترقت معابدها القديمة . حتى الكابيتول أضرم المواطنون النيران فيه . انتهكت المقدسات ، وتفشى الزنا ايضاً حتى في الأماكن السامية وامتلات البحار باماكن النفي وتخضبت الجزر الصخرية بدماء القتلى ، وما زال الهياج المرعب يسود المدينة .

2 – أما فلسطين فكانت أكثر بلاد العالم شقاء في تلك الفترة . أن مأساة خراب أورشليم إنما تمثل مقدما وبصورة مصغرة الدينونة الأخيرة كما أنبأ عنها السيد المسيح في حديثه عن نهاية العالم ، أخيراً وصل احتمال الله لشعب اليهود إلى الذروة ، بعد أن فاقوا في عنادهم كل تصور ، فصلبوا مخلصهم !! وما لبثوا أن رجموا يعقوب البار الذي كان أنسب يصالح اليهود مع المسيحية . لقد ظهرت وحدثت ظواهر وأحداث عجيبة قبيل خراب أورشليم في السماء وعلى الرض سجلها لنا يوسيفوس المؤرخ اليهودي المعاصر … ظهر فوق أورشليم ولمدة سنة كاملة ، نجم مذنب يشبه السيف . وحدث ان بقرة وضعت حملاً وسط الهيكل بينما كان رئيس الكهنة كان سيقدمها ذبيحة . والباب الشرقي الداخلي الضخم المصنوع من النحاس الذي كان يحكم إغلاقه ويقوم على غلقة عشرون رجلاً بصعوبة شوهد ينفتح من تلقاء ذاته أثناء الليل . كما شوهدت مركبات وفرق من الجند مدججين بالسلاح بين السحب فوق المدينة المقدسة …. ويذكر لنا يوسيفوس حادثاً عجيباً أخر ففي سنة 63 – قبل خراب المدينة بسبع سنوات – ظهر فلاح اسمه يوشيا في مدينة اورشليم في عيد المظال وأخذ يصيح بلهجة نبوية نهاراً وليلاً في الشوارع وبين الناس قائلاً ( صوت من الشرق صوت من الغرب صوت من الرياح الأربعة صوت ضد اورشليم والبيت المقدس صوت ضد العرائس والعرسان صوت ضد هذا الشعب جميعه ويل ويل لأورشليم ) وإذ أزعج هذا المتنبئ الحكام بولايته قبضوا عليه وجلدوه لأنه تنبأ بالشر عليهم وعلي مدينتهم … أما هو فلم يبد أية مقاومة ، بل أستمر يردد ويلاته . ولما قدم لألبينوس Albinus الوالي امر بجلده حتى ظهرت عظامه ومع كل ذلك ما كان ينظق بكلمة دفاعاً عن نفسه ولا لعن اعداءه وكل ما كلن يفعله كان يصدر صوتاً حزيناً مع كل جلده ( ويل ويل لأورشليم ) لم يجب بشئ على أسئلة الحاكم من هو ؟ ومن أين ؟ ... واخيراً أطلقوا سراحه كرجل مجنون لكنه أستمر على هذه الحالة حتى نشبت الحرب لا سيما في الأعياد الثلاثة الكبرى معلنا اقتراب سقوط اورشليم وحدث أثناء حصار المدينة أنه كان يردد مرثاته فوق سور المدينة من قوله هذا حتى أستقر حجر على راسه ألقاه الرومان فمات .

 

 

+ ثورة اليهود :

في مدة حكم الولاة الرومان فيلكس وفستوس والبينوس وفلوروس Florus  ازداد الفساد الأخلاقى والانحلال الاجتماعي بين يهود فلسطين مع ازدياد ثقل نير الحكم الروماني علي الشعب سنة بعد أخرى . وكان من مظهر هذا الانحلال ظهور جماعة من السفاحين في عهد ولاية فيلكس عرفوا بأسم ( حملة الخناجر ) Sicarians من الكلمة sica أى خنجر . كانوا مسلحين بالخناجر وعلى استعداد لاتكاب أي جريمة مقابل أي شئ .. أنتشر هؤلاء في ربوع فلسطين وهددوا الأمن في المدن والريف .

وإلى جانب ذلك ، وصلت روح التحزب بين اليهود أنفسهم وكراهيتهم لمستعمريهم الوثنيين وتعصبهم السياسي والديني حداً بالغاً . وقد شجع على هذه الروح وزادها اشتعالاً ظهور الأنبياء والمسحاء الكذبة . وقد استطاع احدهم – بحسب رواية يوسيفوس – أن يجذب وراءه ثلاثين ألف رجل .. وهكذا بدأت تتم كلمات ربنا يسوع النبوية عن ظهور مسحاء كذبة وأنبياء كذبة يضلون كثيرين . وفي شهر مايو سنة 66م – تحتحكم الوالي الروماني فلوروس وكان طاغة شريراً – قاسياً اندلعت ثورة يهودية منظمة ضد الرومان . وفي نفس الوقت قامت حرب أهلية بين جماعات الثوار المختلفة . لا سيما بين جماعة الغيورين zealots المتطرفين وفريق المعتدلين ، أو بين المتطرفين والمحافظين من اليهود .. كان أعضاء جماعة الغيورين مملوءين شراسة وتعصباً للدين والوطن والقومية اليهودية وكان لهم النفوذ والسيطرة في المجال الحربي . ومن ثم فقد سيطروا بعنفهم علي المدينة المقدسة أورشليم وهيكلها . وأشاعوا الذعر بين الأهالي ، وعبأوا أفكار الناس ومشساعرهم انتظار لظهور المسيا . كما رحبوا بكل خطوة نحو الدمار والخراب ، كخطوة التحرر وفسروا ظهور المذنبات والشهب والإنذارات المخيفة والأعاجيب التي صاحبت تلك الفترة علي أنها علامات لمجئ المسيات وملكه علي الأمم لقد كان تحدي اليهود للدولة الرومانية في ذلك الوقت يعني تحديهم لأكبر قوة مسلحة في العالم وقتذاك . ومع ذلك فقد أعماهم تعصبهم الديني الذي استوحوه من ذكريات بطولات ثورات المكابيين عن الفشل المحقق .

الغزو الروماني :

عندما بلغ نيرون خبر ثورة اليهود أرسل قائده الذائع الصيت فسبسيان علي رأس قوة كبيرة إلى فلسطين ... بدأت الحملة سنة 67 من ميناء بتولمايس ( عكا ) وواجهت مقاومة مستميتة في الجليل قوامها ستون الف مقاتل ... لكن ما لبثت الأحداث في روما أن حالت بين فسبسيان واستكمال النصر ، واضطرته إلي العودة إليها . بعد أن أنتحر نيرون وتعاقب علي العرش الإمبراطوري ثلاثة أباطرة في فترة وجيزة . انتهى الأمر بأن أعلن فسبسيان إمبراطوراً سنة 69 ، فعمل علي إعادة الأمن والنظام في ربوع وأقام بعد هذه الأحداث بعشر سنوات ... كان جيش تيطس قوامه نحو ثمانين ألف مقاتل مدرب ؟، واقام معسكره علي جبل سكوبس وجبل الزيتون . وهى مواقع تمكنه من رؤية المدينة أورشليم والهيكل رؤية واضحة . وكان وادي قدرون يفصل بين الرومان واليهود المحاصرين . بدأ الحصار في أبريل سنة 70م عقب عيد الفصح مباشرة . وكانت أوشرليم غاصة بالغرباء الذين وفدوا إليها لحضور ذلك العيد العظيم ، حاول تيطس في بادئ المر التفاهم مع اليهود بالحسنى ، لكن جماعة الغيورين رفضوا بكل تحد مقترخات تيطس ومحاولاته المتكررة . وتوسلات يوسيفوس ( المؤرخ ) الذي صحبه كمترجم ووسيط .. وكانوا في ثورتهم الجنوبية يقتلون كل من يتحدث عن الاستسلام . قام اليهود ببعض الهجمات اسفل وادي قدرون وفوق الجبل ، كبدوا فيها الرومان خسائر كبيرة ... كان هذا النجاح المبدئي سببا في ازدياد حماس الغيورين علي الرغم مما حل بهم من مصائب ومتاعب .. كان تيطس يصلب يوميا من اليهود العصاة نحو خمسمائه يهودي ... وما  لبثت حتي ظهرت المجاعة في أورشليم ، نتيجة أحكام الحصار عليها . كانت المجاعة تحصد في كل يوم آلاف اليهود ، الأمر الذي أضطر امرأة يهودية ان تشوي طفلها لتأكله .. وعلي الرغم من كل ذلك فان هذا البؤس كله لم يزحزح جماعة الغورين المسيطرين عن الموقف الجنوبي ، والواقع أن التاريخ لم يسجل لنا صورا للبؤس ابشع مما شاهدته اورشليم مدة حصارها علي يد تيطس كما أنه لا يسجل لنا مقاومة عنيدة ، وشجاعة يائسة واستخفافاً بالموت علي نحو ما أظهره اليهود في تلك الحرب .

دمار المدينة والهيكل :

أخيراً – في يولية سنة 70م – باغت الرومان حصن انطونيا ليلاً استولوا عليه . وبسقوط هذا الحصن أصبح الطريق ممهداً لوضع أيديهم علي الهيكل ، فتوقفت الذبائح اليومية في اليوم السابع عشر من يوليه لأن اليهود كانوا في حاجة إلي كل الأيدي للدفاع في الحرب ... ولعل آخر ذبيحة وأغزرها دماء قدمت علي مذبح المحرقة كانت آلاف اليهود الذين ذبحهم تجمهروا حول هيكلهم للدفاع عنه الرومان وقد كان تيطس بحسب رواية يوسيفوس ينوي في بادئ الأمر أن يبقي علي الهيكل كعمل معماري رائع يحفظ ذكرى انتصره . وعندما هددت ألسنة النيران قدس الأقداس ، شق طريقه بصعوبة بين اللهيب والدخان ، فوق جثث القتلى ، وتلك التي كانت بين الحياة والموت حتى ما يحصر النيران . لكن جنوده . كانوا في حالة هياج هستيرى نتيجة المقاومة العنيدة التي أبداها اليهود والطمع في كنوز الهيكل الذهبية فلك يكن في الإمكان أيقافهم عن أعمال التخريب ، كانت الأروقة المحيطة بالهيكل هي أول ما احترق منه . ثم ما لبث أن طرحت كتلة نارية عبر البوابة الذهبية . وعندما تصاعدت ألسنة اللهب أطلق اليهود صرخات هستيرية مفزعة ، وحاولوا إخماد النار بينما وجد آخرون عزاءهم وهو يتعلقون بأخر أمل في خلاص المسيا في أن يعلنوا نبوة نبي كاذب مؤداها ان الله وسط حريق الهيكل وسيعطي علامة الخلاص لشعبه ، تنافس الجنود الرومان في تغذية السنة النيران ، وسرعان ما تحول كل البناء الضخم إلى شعلة نارية أضاءن السماء .. هكذا أحرق الهيكل في العاشر من أغسطس سنة 70م وهو حسب التقليد نفس اليوم الذي خرب فيه الهيكل قديما علي يد نبوخذ نصر ملك بابل يقول يوسيفوس وهو شاهد عيان في وصفة لخراب  الهيكل ( لا يمكن أن يتصور أحد أصوات أعلى وأكثر فزعا مما حدث من كل ناحية أثناء احتراق الهيكل . صيحات الانتصار والفرح الصادرة من الجنود الرومان ، تختلط بصيحات عويل الشعب المحاصر بالنار والسيف فوق الجبل وداخل المدينة . وكان الصدى الواصل من كل الجبال المحيطة يزيد هذا الزئير الذي يصم الآذان . ومع ذلك فالبؤس نفسه كان افظع من هذا الاضطراب . كان التل المقام عليه الهيكل يغلى من السخونة ، وبدا وكأنه ملفوف حتى سفحة بطبقة واحدة من اللهب . كانت الدماء في كميتها اكثر من النار ، والمذبحون اكثر عددا ممن ذبحوهم . ولم تعد الأرض ترى في أي موضع ، إذ كانت مغطاة بأكوام من جثث القتلى ، سار فوقها الجند وهو يتعقبون الهاربين وما لبث الرومان ان ثبتوا شعاراتهم ( السنور الرومانية (ى فوق الأنقاض في الجهة المقابلة لبوابة اورشليم الشرقية ، وقدموا لها القرابين ، وهتفوا لقائدهم المظفر تيطس بأعظم تهاليل الفرح هكذا تمت النبوءة الخاصة برجسة الخراب القائمة في الموضع المقدس .

قصاص الله العادل :

لقد هدمت اورشليم تماما ، ولم يترك بها سوى ثلاث أبراج من قصر هيرودس مع جزء من الحائط الغربي . وقد أبقي عليها كأثار لقوة المدينة المقهورة ، التى كانت يوما معقلا لدولة اليهود الدينية ، ومهد الكنيسة المسيحية ولقد أحس الجميع واعترفوا بأن كارثة اليهود إنما هي قصاص إلهى . فقد نسب إلى تيطس قوله أن الله بمعون خاصة ساعد الرومان ومنع اليهود من الإفلات من قبضة يدهم القوية أما يوسيفوس الذي تابع الحرب بنفسه من أولها إلى آخرها . فقد استطاع أن يتبين في تلك المأساة عدل الله ، واعترف بذلك وقال " أنني لا أتردد في أن أبوح بما يؤلمني ، أني أؤمن انه لو أجل الرومان عقابهم لهؤلاء الشرار لا بتلعت الأرض المدينة ( أورشليم ) ، أو أغرقها طوفان ، أو احرقت بنار من السماء كما حدث لسدوم ، لأن جيلهم بادت كان اكثر شرا من اولئك الذين حلت عليهم النقمات في سالف الأزمان . فبسبب جنونهم بادت الآمة كلها . هكذا كان لابد لواحد من افضل الأباطرة الرومان أن ينفذ قضاء الله ، ولخر من أكثر اليهود ثقافة في زمانه أن يصفه ... وهكذا أيضاً ، دون أن يعرفا أو يريدا – شهدا لصدق النبوة وأولوهية يسوع المسيح ربنا ، الذى إذ رفضه هؤلاء اليهود الجاحدون ، عانوا البؤس والشقاء في ملئ بشاعتهما .

مصير اليهود بعد هزيمتهم : بعد حصار دام خمسة اشهر وقعت المدينة كلها في أيدي الرومان الظافرين . وقد بلغ عدد من لقي حتفه من اليهود مدة الحصار – بحسب رواية يوسفوس – مليونا ومائه ألف . منهم أحد عشر ألفا هلكوا جوعا . أسر منهم سبعة وتسعون ألفا . بعضهم بيعوا عبيدا ، والبعض أرسلوا للعمل في المناجم ، بينما قرب البعض كضحايا في حلبات المصارعة في قيصرية وبيروت وإنطاكية وبلاد اخرى . واحتفظ بأكثرهم قوة بدنية ووجاهة ليسيروا في مواكب النصر في روما ، وبينما اكبر قادة الثورة اليهودية وزعماؤهم : سمعان بارجيورا ويوحنا الذي من جيشالا . احتفل فسبسيان وتيطس بالنصر معا احتفالاً عظيماً في روما سنة 71م . فركب كل منهما مركبة خاصة متوجا بأكاليل النصر ، ولا بسا ثيابا أرجوانية بينما امتطى دومتيان صهوة جواد ممتاز ، سار الاموكب في تؤدة إلى معبد جوبيتر كابيتولينوس وسط هتافات الجماهير . وكان يتقدم الموكب جنود في ثياب احتفالية ، وسبعمائه اسير يهودي ... وقد حملت في هذا الموكب بعض صور الآلهة التى يعبدها الرومان ، وبعض قطع من أثاث الهيكل اليهودي اودعت معبد السلام الذي كان قد بنى منذ وقت قصير ... أما كتب الناموس والستائر الأرجوانية الخاصة بالهكيل ، فقد احتفظ بها فسبسيان لقصره .. كان يوسيفوس احد شهود هذا الاحتفال الخاص بإذلال أمته ، ووصفه لنا دون أن يبدى أي مشاعر لتأثره . لقد نتج عن فتح فلسطين على يد الرومان ، دمار مصالح اليهود وتدهور اقتادهم ... احتفظ الإمبراطور فسبسيان بالأرض كملك خاص له يوزعها على إحصائه . ( ولقد وصل الشعب اليهودي بعد حروب دامت خمس سنوات إلى حالة من الفقر المدقع صاروا بلا حاكم منهم ، بلا وطن وبلا هيكل

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اشهر الكنائس الرسولية

+ كنيسة أورشليم :

كان أمرا طبيعيا أن تحتل كنيسة أورشليم شهرة خاصة في عصر الرسل فأورشليم لها تاريخها الديني الطويل منذ أن كانت مركز الديانة اليهودية في العالم كله وقلبها النابض ، وقلبه أنظار اليهود المشتتين في أنحاء العالم وقد آل إلى كنيسة أورشليم المسيحية الكثير من الشهرة السابقة ، بعد إن غدت الوريثة الشرعية الأولى للديانة اليهودية ...

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فان مدينة أورشليم هي أول مدينة رددت صدى صوت الرب يسوع وذاقت حلاوته قبل العالم كله وتقدس ثراها بدم الفادى الزكى الذي أهرق فيها .... وفي اورشليم ولدت الكتيسة المسيحية ، ومنها ذاعت بشرى الخلاص في العالم كله ، وحظيت بكرازة الرسل والعجائب التي أجراها الرب علي أيديهم وتباركت بدم باكورة شهداء الحمل اسطفانوس رئيس الشمامسة ، والرسولين يعقوب بن زبدى ويعقوب آخى الرب وغيرهم ممن لم يحفظ لنا التاريخ أسماؤهم . كانت أول مركز ديني مسيحي أنشئ وفيها عقد أول مجمع كنسى ، وكانت تعتبر بحق الكنيسة الأم في تلك الفترة المبكرة من تاريخ ، التي يتطلع إليها المؤمنون ... وقد ورد في ليتورجية القديس يعقوب تلقيب كنيسة أورشليم " بالأم " كما أجمع آباء الكنيسة علي ذلك ولما تلوث ريح الاضطهاد على الكنيسة الناشئة في اورشليم ، واستشهد اسطفانوس " تشتت الجميع في كور اليهودية والسامرة ، ما عدا الرسل " ( أع8 : 1 ) .... وبقاء الرسل في أورشليم مع تزايد الاضطهاد الدامي ، يرينا أنهم كانوا يعتبرون تلك المدينة ولا شك مركزاً ورأسا للكنيسة الناشئة ومصدرا للإشعاع المسيحي ، وألا لكانوا تفرقوا هم أيضاً مع بقية المؤمنين ، يكرزون بالكلمة حيثما حلوا ومن أورشليم كانت الكنيسة تشرف على النشاط الكرازى الذي يقوم به الكارزون ... " ولما سمع الرسل الذين في اورشليم إن السامرة قد قلبت كلمة الله ، أرسلوا إليهم بطرس ويوحنا اللذين لما نزلا صليا لاجلهم لكي يقبلوا الروح القدس " ( أع8 : 1 ، 15 ) وكذلك أيضاً بالنسبة إلى انطاكية ( أع11 : 22 ) . وثمة ظاهرة واضحة ترينا مكانة كنيسة اورشليم بين كنائس عصر الرسل واحساس المسيحيين خارج أورشليم بحقها عليهم وواجبهم نحوها ... تلك هي : إرسال التقدمات لفقراء أورشليم من الكنائس المختلفة ، يهودية وأممية .... لقد اعتنى القديس بولس هذا الأمر ، وكان يجمع التقدمات من كنائس الأمم التى أسسها ، ويرسلها إلى كنيسة اورشليم .... بل هو بنفسه كان يحمل هذه التقدمات ، كما حدث في زيارته الثانية لأورشليم حوالي سنة 44م ، حينما كان يحمل تقدمات كنيسة إنطاكية ( أع11 : 30 ) وقد تولى أمور كنيسة أورشليم القديس يعقوب البار أحد الاثنى عشر حتى سنة 62م حين استشهد . وقد كان أول أسقف عليها ، وحسبما يخبرنا ( هيجيسبوس ) . وخلفه أخوه سمعان بن كلوبا الذي استشهد مصلوباً على يد اتيكس والى اليهودية سنة 106م وله من العمر 120 سنة . ويبدو أن سمعان خلف يعقوب مباشرة عقب استشهاده ، وانه هو الذي انتقل بالمسيحيين من أورشليم إلي بلا Pella قبيل خراب أورشليم ، إتماما لوصية الرب ولكن كنيسة اورشليم لم تحتفظ بمركزها . الديني المتميز ، بسبب ما حل بالمدينة من خراب سنة 70م . ولم يستردالكرسي الاورشليمى مركزه الديني إلا اوائل القرن الرابع الميلادي ، حينما اتجهت أنظار المسيحيين الى اعتبار الأراضى المقدسة بعد تغير الأحوال السياسية ، وزيارة الملكة هيلانة أم الملك قسطنطين لها . واكتشافها صليب المخلص بها .

 

 

 

+ كنيسة إنطاكية :

ويأتى بعد كنيسة أورشليم من جهة الأهمية في تلك الفترة المبكرة من تاريخ المسيحية ، كنيسة إنطاكية ... كانت مدينة إنطاكية هي المدينة الثالثة في الإمبراطورية الرومانية بعد روما والإسكندرية بسبب مركزها الجغرافي والسياسي .... فقد كانت العاصمة السياسية للإقليم السوري ومركزاً استراتيجياً هاماً في هذا الجزء من الإمبراطورية .... كان سكانها خليطاص من الإغريق النبلاء والأغنياء والسريان وهم عامة الشعب واليهود كان موقعها بين الشرق والغرب انسب مكان لنشر الأيمان الزاحف إليها من أوشرليم في جهات العالم الأخرى نظراً لقربها من أورشليم وبذا استطاعت أن تظل على صلة دائمة – وبسهولة – بالكنيسة الأم في أورشليم والحصول على ما تحتاج إليه منها ... وفي كلمات أخرى نقول أن إنطاكية كانت هي باب فلسطين المفتوح على العالمين اليوناني والروماني . ومن هنا كانت خير قاعدة لنشر المسيحية فيهما ... وكانت هي بدورها تقدم العون للكارزين الذين يخرجون منها .

وتعتبر كنيسة إنطاكية هي الكنيسة الأممية الأولى من جهة تاريخ تأسيسها ... وأول ما عرف المؤمنون بأسم مسيحيين كان في إنطاكية وقد تعب في الكرازة بها القديسان برنابا وبولس ( أع11 : 22 – 26 ) ... ووصل إليها القديس بطرس متأخراً وبعد مجمع أورشليم ( غل2 : 11 ) ... وجعلها القديس بولس مركز انطلاقه في رحلاته التبشيرية ... وليس صحيحا ما يدعيه البابويون والروم والسريان من أن القديس بطرس الرسول هو مؤسس كنيسة إنطاكية وأنه اول أسقف عليها وأنه أسسها بين 36 ، 37 ، ثم أقام بها سبع سنين ، أبحر بعدها ألي رومية . ومهما كانت شهادات الآباء والمؤرخين التى يستندون أليها ، فشهادة كتاب الله أولى بالصحة والتصديق . فعقب مقتل اسطفانوس حوالي سنة 37 ، حدث " اضطهاد عظيم على الكنيسة التي في أورشليم ، فتشتت الجميع في كور اليهودية والسامرة ما عدا الرسل " ( أع8 : 1 ) ... ثم ذهب بطرس مع يوحنا الى السامرة ( أع8 : 14 ) .... وفي هذه الأثناء كان بطرس يجتاز في اليهودية وذهب إلي لدة حيث شفي اينياس ، ثم ذهب ألي يافا حيث أقام طابيثا ، ومكث فيها أياما كثيرة ( أع9 : 32 – 42 ) .... وبعد يافا قصد قيصرية بناء علي دعوة كرنيلوس ( أع10 ) . وبعد هذه الجولة الكرازية ، صعد إلى أورشليم حيث خاصمه بعض اليهود المتنصرين بسبب عماد كرنيلوس ومن معه من الأمميين

( أع11 : 2 ) وكان ذلك حوالى سنة 40، وفيها تقابل لأول مرة مع بولس في اورشليم ( غل1 : 18 ، 19 ) وبعد قصة كرنيليوس الواردة في ص10 ، 11 من سفر الأعمال ، يتكلم القديس لوقا عن دخول الإيمان إلى إنطاكية على يد الذين تشتتوا بسبب مقتل اسطفانوس ( أع11 : 19 – 21 ) . ولما سمع هذا الخبر عن الانطاكيين في آذان الكنيسة التي في أورشليم .

" أرسلوا برنابا لكي يجتاز إلى انطاكية . الذي لما أتي ورأي نعمة الله فرح ووعظ الجميع أن يثبتوا في الرب بعزم القلب " ( أع11 : 22 ، 23 ) ، وكان ذلك سنة 43 ... ثم خرج برنابا إلى طرسوس ليطلب بولس ليعمل معه في الخدمة ، فخدما معا بإنطاكية سنة كاملة حتى نمت كلمة الرب وترعرعت ( أع11 : 25 ، 26 ) . واضح من كل ما تقدم أنه حتى سنة 43 – وهي السنة التي أرسلت كنيسة أورشليم برنابا الى انطاكية ليساعد في الكرازة ونشر الإيمان – لم يكن أحد من الرسل قد ذهب إلي إنطاكية ... وفي سنة 44 قبض هيردوس أغريباس على بطرس وسجنه ، ولكن ملاك الرب فتح أبواب السجن وأطلقه ، ومضي الى موضع آخر ( أع12 : 3 – 17 ) . وبعد ذلك لا نقرأ في سفر الأعمال عن بطرس الا في مجمع اورشليم حوالي سنة 50 ... على أنه لا يمكن ان يكون قد خرج عن دائرة اليهودية – لا إلى روما ولا إلى غيرها من الأقاليم النائبة – لأن بطرس كان لابد له أن يتم تأسيس وتثبيت كنائسها . ثابت ان بطرس ذها إلى إنطاكية عقب مجمع اورشليم ، أي حوالي سنة 51 ( غل2 : 11 ) . ولا يمكن أن يكون قد ذهب قبل ذلك التاريخ ، فالقضية التي اجتمع من أجلها مجمع الكنيسة في أورشليم ، كانت قضية اليهود المعروضة علي المجمع من كنيسة إنطاكية ( أع 15 : 1 ، 2 ) . ولما تكلم بطرس أمام المجمع أشار إلى إيمان كرنيليوس ومن معه . ولو كان له سابق خدمة في إنطاكية لكان أشار إلى ذلك باعتباره رئيس الكنيسة هناك وأسقفها . وأن كنيستها هي التي تعرض القضية على المجمع ... لكن شيئاً من ذلك لم يحدث ( أع15 : 7 – 11 ) ... ولو كان لبطرس أية علاقة بكنيسة إنطاكية لظهر ذلك في قرار المجمع . لكن كنيسة أورشليم ( الرسل والكهنة مع كل الكنيسة ) أرسلوا برسابا وسيلا مع بولس برنابا على إنطاكية ( انظر أع15 : 22 ، 23 ) أذن – من كل ما تقدم – يتضح جليا إن وصول بطرس إلى إنطاكية كان حوالي سنة 51 أو ما بعد ذلك .... ووجوده هناك وتصرفه إزاء المسحيين من اليهود والأمم ، والموقف الغريب الذي وقفه بعد وصول جماعة من عند يعقوب .... كل ذلك يدل علي أنه لم يكن لبطرس أي موقف متميز هناك ، فكم برئاسة الكنيسة التي يدعيها البعض ( غل2 : 11 – 21 ) وثمة ملاحظة أخيرة نوردها عن هذا الموضوع ... فالأب جان كلسون الذي صنف كتاباً كاملاً عن الأسقف في الكنائس الأولي يجعل برنابا المؤسس لكنيسة إنطاكية .

كنيسة الإسكندرية :

كانت مدينة الإسكندرية وقت كرازة الرسل تعتبر – من الناحية السياسة – المدينة الثانية من جهة في الإمبراطورية الرومانية بعد العاصمة روما . لكنها من جهة شهرها العلمية والثقافية ، كانت دون منازع عاصمة العالم الثقافية في ذلك الحين ... فمدرستها الشهيرة ، كانت اكبر مركز علمي وفلسفي في العالم الوثني ، بما توفر لها من مشاهير العلماء والفلاسفة وما زخرت به مكتبتها الشهيرة من الكتب والمخطوطات القيمة .. كانت الإسكندرية مدينة دولية عامرة بالسكان من مصريين واغريق ورومان ويهود وبعض أجناس اخرى ... وكانت جاليتها اليهودية ، أهم الجاليات اليهودية خارج فلسطين . وصل الإيمان المسيحي إلي مصر قبل كرازة مارمرقس بها ، نظراص لقرب مصر من بلاد اليهود ... كما كان بين من شاهدوا معجزة يوم الخمسين بعض من سكان " مصر ونواحي ليبيا التي نحو القيروان " ( أع2 : 10 ) . وليس ما يمنع أن يكون هؤلاء الذين أمنوا بأورشليم يوم الخمسين ، قد حملوا الإيمان معهم إلي موطنيهم ... وهناك إشارة في سفر الأعمال إلى ابلوس الإسكندري الذي كان يهودياً وتنصر ، مقتدراً في الكتب وخبيراً في طريق الرب " وكان وهو حار بالروح يتكلم ويعلم بتدقيق ما يختص بالرب " ( أع18 : 24 ، 25 ) .. والقديس لوقا كتب إنجليه إلى أحد وجهاء الإسكندرية المدعو ثاؤفيلس ولم يكن إنجيل لوقا هو الوسيلة الأولى التي حملت الإيمان إلى ذلك الرجل بل أنه كان مؤمنا قبل وصول إنجيل لوقا إليه ، إذ يقول له لوقا " لتعرف صحة الكلام الذي علمت به " ( لو1 : 3 ، 4 ) ... وقيل إن الرسول سمعان القيروني كرز في جنوبي مصر ( منطقة أسوان والنوبة ) ... وعلى أية الحالات فقد وصل الإيمان المسيحي إلى القطر المصري قبل وصول مار مرقس إليه ... لكن تأسيس الكنيسة المصرية التى تعرف باسم كنيسة الإسكندرية ، ينسب إلى القديس مارمرقس . والقديس مارمرقس احد السبعين رسولاً – أسس هذه الكنيسة حوالي سنة 60م ... وتمزت بكثرة عدد من آمن ، وبسمو روحانيتهم ، وبحياة الزهد الفلفية الفائقة الحد التي عاشها جمهور المؤمنين ... ومن فرط إعجابة بهذه الحياة ، أشار إليها فيلو الفيلسوف اليهودي الإسكندري في القرن الول الميلادي في كتابه حياة التامل . كما أسس مارمرقس في الإسكندرية مدرسة لاهوتية ، لتثبيت المؤمنين في الدين الجديد ، وتقف أمام المدرسة الوثنية الشهيرة تقاوم تيارها وأفكارها وترد عليها ... وقد قدر لهذه المدرسة – فيما بعد – بما توفر لها من علماء ان تجذب بعض فلاسفة المدرسة الوثنية وتهديهم إلى الإيمان ، بل أن تصبح اكبر مركز دراسى لاهوتي مسيحي في العالم كله شرقاً وغرباً لعدة قرون . وقدمت هذه المدرسة للكنيسة المسيحية في مصر وخارجها علماء وفلاسفة استطاعوا أن يخدموا أجل خدمة ، ويذودوا عن إيمانهم باقلامهم التي فندت ادعاءات الفلاسفة الوثنيين ... ولا صحة مطلقاً للإدعاء الضعيف القائل بأن بطرس الرسول في جولاته الكرازية عرج على مصر . ومنها – من بابيلون – كتب رسالته الأولى ( 1بط5 : 13 ) وقد تناولنا هذه النقطة بالرد والتنفيذ في موضع أخر

كنيسة رومية :

كانت مدينة روما في عصر الرسل هي المدينة الأولى في العالم – من الناحية السياسية – باعتبارها عاصمة الإمبراطورية الرومانية ... وكان ينظر إليها المعاصرون نظرة كلها إجلال وتقدير حتى سموها " روما الخالدة " وارتبطت أفكار الناس بها إلى حد بعيد ... سبق لنا أن تناولنا موضوع دخول المسيحية إلى روما وقلنا أن ذلك تم أما واسطة من حضر معجزة يوم الخمسين من الرومان ، وأما بواسطة بعض المتحمسين من فلسطين أو سوريا أو آسيا الصغرى أو بلاد اليونان ... لكن تأسيس كنيسة رومية ككنيسة لم يتم إلا على يد بولس الرسول ... لكن البابويين يدعون لمار بطرس ما لم يعط له ، وما لم يدعيه هو لنفسه وما لم تعرفه الكنيسة الأولى . يقولون أن السيد المسيح أقام بطرس نائباً عنه على الأرض ، ورئيساً للكنيسة المنظورة . ويقولون أيضاً أن القديس بطرس هو مؤسس كنيسة رومية وأول أسقف عليها ، وأنه أقام بها 25سنة من سنة 42 إلى سنة 67 !! وسوف لا نتعرض لدحض الادعاءات الخاصة برئاسة بطرس لأن ذلك يبعد عن جوهر بحثنا في التاريخ الكنسي ، وإنما سنناقش فقط تأسيس بطرس لكنيسة رومية ، وإقامته الطويلة الزعومة بها ... ولابد أن نشير أولا إلى نقطة هامة ينبغى ألا تغيب عن أذهاننا ، وهى إن المراكز الدينية في عصور المسيحية الأولى كانت تقاس قيمتها وعظمتها بما للمدن الكائنة فيها تلك المراكز من قيمة وعظمة مدينة ولعله مما يفيدنا في هذا المقام ، أن نورد شهادة القديس ايرونيموس ( جيروم ) ، الذي تعتبره الكنيسة البابوية أحد ثقاتها في التعليم .... يقول في كلامه عن الأسقف " حيثما يوجد أسقف ، سواء في روما أو في القسطنطينية أو في الإسكندرية فأن كرامته واحدة وكهنوته واحد فلا الثروة أو ضعه الفقر تزيده او تنقص من قدره عن كون أسقفا فالجميع سواء خلفاء الرسل "

تأسيس كنيسة رومية

( أولا ) الأدلة الكتابية على تأسيس بولس لكرسي رومية :

( 1 ) بولس رسول الأمم :

إن الكنيسة التي تأسست في مدينة رومية عاصمة العالم الوثني ، هي كنيسة اممية وليست يهوديه ( رو1 : 5 ، 13 ) . وكان القديس بولس هو رسول الأمم ، بينما القديس بطرس هو رسول الختان " إذ رأوا ( يعقوب وبطرس ويوحنا ) إني أؤتمنت على إنجيل العزلة ( تبشير الوثنيين ) ، كما بطرس على إنجيل الختان ( تبشير اليهود ) ، أعطونى وبرنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم ، واما هم فللختان " ( غل2 : 7 – 9 ) .. نلاحظ التعبير الذي استخدمه القديس بولس " إذ رأوا أنى أؤتمنت " ... من الذي ائتمنه ؟ الرب نفسه منذ البداية افرز بولس لهذه المهمة ، وقال لحنانيا في دمشق عن بولس عقب اهتدائه مباشرة " هذا لي إناء مختار ليحمل اسمي امام الأمم والملوك وبنى إسرائيل " ( أع9 : 15 ) .... ومرة ثانية يسجل القديس لوقا في سفر الأعمال ، أن الرب ظهر لبولس في رؤيا في الهيكل بأورشليم وقال له " أسرع واخرج عاجلا من أورشليم ... فأنى سأرسلك إلى الأمم بعيدا " ( أع22 : 18 ، 21 ) .... هذا عن الأمم بوجه عام ، أما عن رومية بوجه خاص ، فقد أعلن له الرب ذلك في رؤيا بينما كان مقبوضا عليه ، ومودعاً بالمعكسر الروماني في أورشليم ... " ثق يا بولس لأنك كما شهدت بما لي في أورشليم هكذا ينبغى أن تشهد في رومية أيضاً " ( أع23 : 11 ) . ولا حاجة بنا إلى تفنيد الإدعاء بأن القديس بطرس – بعماد كرنيليوس قائد المائة الأممي – سار رسول الأمم . فهذه كانت حادثة فردية وقعت حوالي سنة 40 .. ولقد تحدد هذا الاختصاص وتأيد فيما بعد بواسطة مجمع الكنيسة في أورشليم الأمر الذي أشار إليه بولس في ( غل2 : 7 – 9 )

( 2 ) مبدأ بولس في الكرازة :

سار بولس في كرازته علي مبدأ واضح ، وهو أنه لا يكرز في مكان كرز فيه اخر " كنت متحرصاً أن أبشر هكذا . ليس حيث سمى المسيح . لئلا أبنى علي أساس لآخر . ( رو15 : 20 ) ومن العجيب أن يذكر بولس هذا المبدأ في رسالته إلي رومية ، مما يدل علي أن أحداً من الرسل لم يذهب إلي تلك المدينة ويبشرها . وكان بولس يشتهى تبشير أهل رومية ( رو1 : 11 ، 15 ) وذهب إليها بالفعل وأستأجر بيتاً هناك يكرز فيه ويقبل كل الذين يدخلون إليه لمدة سنتين كاملتين ( أع28 : 30 ) وهذا دليل أكيد علي أن بطرس لم يكن قد ذهب إلي رومية حتى ذلك الوقت ولم يكن موجوداً بها في تلك الفترلاة بين سنتي 61 ، 63

( 3 ) صلات بولس بمؤمني رومية :

الأصحاح السادس عشر من رسالة بولس إلي أهل رومية حافل بعدد كبير من أسماء المسيحيين الرومان – يهود وأمميين – يبعث إليهم بولس بتحياته الحارة وتقديره ، الأمر الذي يقطع بان له صلات وثيقة معهم .. فمنهم من عمل معه في ميدان الخدمة ، ووضع عنقه لأجله ومنهم من أحتمل الأسر معه . ومنهم من تعب كثيراًُ لأجله ولأجل خدمة الرب ( رو16 : 3 – 16 ) ... وهو يشرح لهم في هذه الرسالة كيف أنه كثيراًُ ما قصد أن يأتى إليهم لكنه منع وأنه مشتاق أن يراهم لكي يمنحهم هبة روحية لثباتهم .. والرسالة إلي رومية تشعرنا بأنه – حتى وقت كتابتها سنة 58 – لم تكن هناك أي كنيسة مؤسسة من هيئة رسولية في روما . فالرسالة يوجهها بولس إلي
( جميع الموجودين في رومية أحباء الله مدعوين قديسين ) " رو1 : 7 "

( 4 ) كرازة بولس برومية :

لا تحوى أسفار العهد الجديد أية أشارة – ولو من بعيد – لكرازة بطرس في رومية .. لكن ثبت أن بولس وصل إلي رومية واقام كارزاً بها ( أع28 : 16 ، 30 ، 31 ) .. فبعد ثلاثة أيام من وصوله إلي رومية سنة 61 أستدعي وجوه اليهود وحدثهم عن المسيح رجاء أسرائيل ، الذى لجله كان موثقا وجاءت اجابتهم انهم لا يعرفون شيئاً عن المسيحية ، وبالتالى أن أحدا لم يبشرهم " لكننا نستحسن ان نسمع منك ماذا ترى ، لأنه معلوم عندنا من جهة هذا المذهب انه يقاوم في كل مكان " ( اع28 : 20 ، 22 ) ... كان معنى اجابه اليهود هذه انه حتى تلك السنة ( 61 ) ، لم تكن قد تأسست في روما كنيسة ecclesia ... فأين أذن كانت كرازة بطرس في رومية ، لو كان قد ذهب اليها سنة 42 كما يدعى البابايون ؟! أما عن كرازة بولس فيشهد عنها كاتب سفر الأعمال بصرحة " واقام بولس سنتين كاملتين في بيت استأجره لنفسه . وكان يقبل جميع الذين يدخلون اليه كارز بملكوت الله ، ومعلما بأمر الرب يسوع المسيح بكل مجاهرة بلا مانع " ( أع28 : 30 ، 31 ) ... وألى جانب جهوده الكرازية في رومية ، فقد كتب فيها رسائله إلى افسس وفيلبي وكولوسى وفليمون .

( ثانيا ) بطرس وكنيسة رومية من شهادة الكتاب المقدس والتاريخ :

( 1 ) اثبتنا في كلامنا السابق عن كنيسة انطاكية ، والأدعاء بأن بطرس هو مؤسسها ، أنه حتى انعقاد مجمع اورشليم حوالى سنة 51 ، كان بطرس ما يزال ببلاد اليهودية ، وانه ذهب الى انطاكية سنة 51 او بعدها ( غل2 : 11 ) ... بعد ذلك نجد كلوديوس قيصر يطرد اليهود من روما حوالى سنة 52 ، الأمر الذى اشار اليه القديس لوقا في ( اع18 : 2 ) ... وكانت المسيحية حتى ذلك الوقت ، معتبرة شيعة يهودية . فلا يمكن ان يكون بطرس قد ذهب الى رومية في تلك الفترة – ما بين طرد اليهود من روما وعودتهم اليها .

( 2 ) ولا يمكن ان يكون بطرس قد ذهب الى رومية قبل سنة 58م – تلك السنة التى كتب فيها بولس رسالته الى اهل رومية من كورنثوس ، والتى لم يرد فيها اى تحية او ذكر لبطرس بينما حوت الرسالة تحيات الى اشخاص عديدين كما سبق ان ذكرنا ( عشرين شخصا واسرتين ) .. والقديس بولس في هذه الرسالة يقول لأهل رومية انه مستعد لتبشيرهم 0 رو1 : 15 ) ، مما يقطع بأن احدا من الرسل لم يبشرهم حتى ذلك التاريخ ، لا بطرس ولا غيره من الرسل .

( 3 ) ويغلب على الظن – كما يعتقد البعض – ان بطرس كان في جوالات تبشيريه مع زوجته حتى سنة 57 ، وهى السنة التى كتب فيها بولس رسالته الأولى الى كورنثوس من مدينة افسس ، وقال فيها " العلنا ليس لنا سلطان ان نجول بأخت زوجة كباقى الرسل واخوةت الرب وصفا ( بطرس ) ( 1كو9 : 5 ) وغالبا ما كانت تلك الجوالات التي وجه اليها رسالته الولي ( 1بط1 : 1 )

( 4 ) لا أثر لوجود القديس بطرس بروما في فترة وجود بولس بها ( 61 – 63 ) ... فالقديسلوقا في سفر الأعمال لا يذكر شيئاً عن بطرس . والقديس بولس – في رسائله الأربع التى انفذها من روما في تلك الفترة – لم يورد ايه اشاره تفيد – ولو من بعيد – الى وجود القديس بطرس في رومية .

( 5 ) من غير المعقول ان يغفل القديس لوقا كاتب الأعمال ، خبر وجود بطرس الرسول برومية لمدة ربع قرن من الزمان ، وتأسيسه لكنيسة عاصمة الأمبراطورية ، بل عاصمة العالم كله قتذاك ، لو كان ذلك حدث فعلا !! وعلى ذلك ، فإن الإدعاء بوجود مار بطرس في روما قبل سنة 63 امر مستحيل كما اثبتنا ... اما احتمال ذهبه اليها بعد ذلك التاريخ ، فليس له ما يؤيده ، سوى اشارات عارة غير واضحة ولا قاطعة لبعض الآباء اللاحقين ...

( 6 ) اول من اشار من الباء الى استشهاد بطرس هو القديس كليمنضس الرومانى اسقف رومية ( 92 – 101 م ) في رسالته الى كنيسة كورنثوس لكنه لم يذكر مكان استشهاده في روما ام غيرها .

( 7 ) في الاكليمنضيات المزورة ، والكتابات المدسوسة الغفل من اسماء كاتبيها ، يربطون بين بطرس الرسول وسيمون الساحر عقب اللقاء الذى حدث بينهما في السامرة حوالى سنة 37 م ، ويصورون بطرس انه اخذ يتعقبه حتى وصل الى روما عاصمة الإمبراطورية . وهناك امات

( 8 ) ذكر بعض أباء القرن الثاني ، من آمثال ديونيسيوس الكورنثي وأيريناوس ومن جاء بعدهما ، أن بطرس اشترك مع بولس في تأسيس كنيسة رومية .. أما تعليل ذلك . فهو أما أن هؤلاء الآباء أخذوا عن مصدر خاطئ بلا فحص وأما أنهم اعتبروا بطرس – في أشخاص الرومانيين اليهود والخلاء الذين حضروا معجزة يوم الخمسين ، وآمنوا بعد سماعهم عظة بطرس ومن ثم جملوا الإيمان إلى وطنهم – أنه أشترك بصورة غير مباشرة في تاسيس كنيسة روما .

( 9 ) وثمة نقطة كانت مثار جدل بين العلماء . وهي بابل المذكورة في رسالة بطرس الأولي والتي منها كتب هذه الرسالة ( 1بط5 : 13 ) فقد فسرها البابويون علي انها روما ( بابل = روما ) علي أساس أن القديس يوحنا أشار إليها في سفر الرؤيا بهذه التسمية الرمزية ... وقصدهم من ذلك أن يثبتوا وجود بطرس في روما وأنه كتب منها هذه الرسالة ..

يجمع الأباء والعلماء بلا أستنثناء علي أن بابل المذكورة في سفر الرؤيا هي روما . بناء علي الملابسات المذكورة معها .. ذكرها يوحنا خمس مرات وفي كل مرة يذكرها بامس بابل العظيمة أما بابل المذكورة في رسالة بطرس ( 1بط5 : 13 ) فهي بابل الواقعة على نهر الفرات ، ولا يمكن ان يكون المقصود بها التسمية الرمزية أي روما ... هذا هو رأي فطاحل العلماء حالياً أما الأدلة على ذلك فكثيرة منها : .

( أ ) حينما أشار يوحنا في رؤياه إلي روما على أنها بابل فأن هذا السفر نبوي ورمزي وتستقيم معه هذه الأشارة لكن ليس ما يدعو بطرس لأن يستخدم الأسلوب الرمزي في رسالته . علماًُ أن أسفار الكتاب المقدس كلها لم تشر إلي روما علي أنها بابل إلا في سفر الرؤيا فقط .

( ب ) الأماكن الجغرافية والأقاليم الذمكورة في رسالة بطرس الأولي ( مقاطعات بنطس وغلاطية وكبادوكية وآسيا وبيثينية ) تعنى المعنى الحرفي فلماذا لا يعني بطرس بابل معناها الحرفي أيضاً ؟؟

( ج ) ليس ما يدعونا إلى الأفتراض أن المسيحيين – وقت كتابة هذه الرسالة – كانوا يفههمون روما على أنها بابل القديمة ..

(د)- سفر الرؤيا – و هو الموضع الوحيد فى الكتاب المقدس الذى فسرت فيه بابل على أنها رومية – كتب بعد زمان كتابة رلة بطرس الأولى بنحو ثلاثين سنة فكيف أتبع بطرس نفس أسلوب يوحنا الرمزى ؟؟

(هـ) أينما ذكرت مدينة رومية فى العهد الجديد ذكرت بأسمها بأستثناء سفر الرؤيا .. و حتى فى الرؤيا ذكرت بأسم ( بابل العظيمة )

(و) هناك أدلة قوية على أنه فى وقت كتابة رسالة بطرس كان المسيحيون من اليهود و الوثنيون يؤلفون جماعة كبيرة فى مدينة بابل على نهر الفرات و ما حولها و كانت المدينة على جانب كبير من الأهمية . و قد لعبت مدارس التعليم اليهودى فى ذلك الإقليم دوراً هاماً فى النهوض باليهودية خاصة بعد خراب أورشليم و هيكلها و لا شك أن هذه النطقة كانت حقلاً هاماً و متسعاً لأعمال بطرس الرسول الكرازية باعتباره رسول الختان الأول ...

 

الخـــ لاصـــــة

 

يكاد يجمع التقليد الكنسى المعترف به شرقاً و غرباً ، على أن الرسول بطرس أستشهدفي روما حوالي سنة 67م في عهد نيرون ... وكثرين من المؤرخين يذكرون أنه قبض عليه في مكان آخر بعيد عن روما باعتباره من قادة المسيحيين ، وسيق إلي روما لمحاكمته ، علي نحو ما حدث مع القديس أغناطيوس الشهيد أسقف إنطاكية الذي سيق من إنطاكية إلي روما ليلقي للوحوش سنة 107م . وهذا يتفق مع رواية يوسابيوس – نقلاً عن العلامة أوريجينوس – الذي قال عن بطرس " وغذ أتي أخيراً إلي روما صلب منكس الرأس "

القديس بطرس

هو سمعان بن يونا معني اسمه صخرة أو حجر . ولد في قرية بيت صيدا الواقعة علي بحر طبرية قبل ميلاد السيد المسيح بعده سنوات ، قد تصل إلى العشرة أو تزيد قليلاً . وكان يشتغل بصيد الأسماك شأنه في ذلك شأن الكثيرين من سكان قريته .... يحتمل انه كان – مع اخية اندراوس – تلميذا ليوحنا المعمدان ... كان لقاؤه الأول بالرب يسوع ، بعد أن اخبره اندراوس أخوه – بناء علي توجيه يوحنا – قد وجدنا المسيا واصطحبة إلى حيث المسيح ... وفي ذلك اللقاء قال له الرب " أنت سمعان بن يونا . أنت تدعي صفا " ( يو 1: 35- 42) ... أما دعوته للتلمذة فكانت عقب معجزة صيد السمك الكثير ، حينما طمأنه الرب بقوله " لا تخف . من الان تكون تصطاد الناس " . وحالما وصل بالسفينة الي البر ترك كل شيء وتبعة هو واخوة وابنا زبدي ( لو 5: 1-11) .... وما لبث ان شرفة الرب بدرجة الرسولية ودعاه " بطرس " . كان بطرس احد التلميذين الذين ذهبا ليعدا الفصح الاخير ، واحد الثلاثة الذين عاينوا اقامة ابنه يايروس بعد موتها ، وتجلي المسيح علي جبل طابور ، وصلاته في جثيماني ، واحد الاربعة الذين سمعوا نبوته عن خراب اورشليم والهيكل .

كان بطرس ذا حب جم لسيده وغيرة ملتهبة ولكنه كان متسرعا ومندفعا .. فهو الاول الذي اعترف بلاهوت المسيح والاول الذي بشر بالمسيح في يوم الخمسين . لكنه في اندفاعه حاول ان يمنع المسيح ان يموت ( مر 8: 31 : 33) ولما قال له المسيح انه سينكره ثلاثة قبل ان يصيح الديك مرتين ، اجاب في تحد " لو أ ضطررت أن أموت معك لا انكرك " ... وفي لحظة القبض علي المسيح استل سيفة ليدافع عن ذاك الذي مملكته ليست من هذا العالم !! كان بطرس والحال هذه بحاجة الي تجربة مره تهزة وتعرفة ضعفه ..

 فكان أن انكر سيده ومعلمه بتجديف ولعن واقسم امام جارية ولكنه سرعان ما رجع لنفسة وثاب الي رشده وندم وندماً شديداً وبكي بكاء شديداً ، وقصد قبر معلمه باكراً جدا ً فجر يوم قيامته ...

وقد قبل الرب توبته واظهر له ذاته علي بحر طبرية بعد قيامته وعاقبة في رفق مخاطبا اياه بأسمه القديم قائلاً له " ياسمعان بن يونا أتحبني " ... وقد وجه إلية هذه الكلمات ثلاث مرات انكاره المثلث ورده الي رتبته الرسولية ثانية بقوله " ارع غنمي " وعقب تأسيس الكنيسة يوم الخمسين بدأ خدمته بين اليهود من بني جنسه في اليهودية والجليل والسامرة ... وكان الرب يتمجد علي يديه ببعض المعجزات كشفاء المقعد عند باب الهيكل الجميل ( أع 3) ، وشفاء أينياس في مدينه اللد وإقامة طابيثا بعد موتها في يافا ( أع 9) ... وقد فتح الرب باب الأيمان للأمم علي يديه في شخص كرنيليوس قائد المائه عقب رؤيا أعلنت له بخصوصه ( أع 10) ...

فلماخاصمة يهود اورشليم المنتصرون من اجل قبول الأمم ، شرح لهم الأمر وقال " بالحق أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه . بل في كل امة الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده " ( أع 10: 34، 35) ومع ذلك فقد ظل ميدان العمل الأساسي لهذا الرسول هو تبشير اليهود ( غل 2: 7-9) ليس من ينكر الدور الرئيسي الذي قام به بطرس في الطور الأول لتاسيس الكنيسة ، فالرسول بولس يذكره مع الرسولين يعقوب ويوحنا علي انهم معتبرون أعمدة في كنيسة الله .... جال كارزاً بإنجيل الخلاص في جهات متفرقة من العالم القديم .... كرز في انطاكية – لكنه ليس مؤسس كنيستها – وطاف بلاد بنطس وغلاطية وكبادوكية وبيثينية ، وبعض مقطاعات اسيا الصغري ، وهي القاليم التي وجه إليها سالته الأولي ... أما الروايات التي تثبت لبطرس الكرازة في بلاد اليونان ومصر وروما وكل جزء هام في العالم ، فليست إلا من صنع المسيحيين المتهودين ليجعلوا من بطرس رسول الختان ، كارزا للعالم أجمع ومبشراً كل الخليقة . ويكاد يكون ثابتا أن القديس بطرس ختم حياته في روما ، حين حكم عليه بالموت صلباً في عهد نيرون الطاغية وان كنا لا نستطيع أن نحدد علي وجه الدقة تاريخ استشهاده لكنه علي اية الحالات بعد يولية سنه 64 ... علي أن ذهاب القديس بطرس إلي روما لم يكن إلا قبيل استشهاده مباشرة .... وهذا يؤكده اقوال أباء الكنيسة ومعلميها الأوائل ، وجداول الازمنة ، والاسفار التي قطعها في رحلاته التبشيرية .... ولا صحة مطلقا لما يدعية الكاثوليك من انه أسس كنيسة روما وانه اسقفها الأول ، وانه أمضي بها خمساً وعشرين

سنه !!

 وقد يكون ذهابه لها في طريقة إلي استشهاده بعد ان قبض علية في مكان ما في حدود الأمبراطورية ، وسيق إلي روما ليلقي حتفه علي نحو ما سيق إليها القديس أغناطيوس الأنطاكي سنه 107 ليلقي للوحوش . فقد كانت هذه هي عادة الحكام الومان . ان يرسلوا إلي بعض البرزين لعرضهم علي الشعب هناك ، كنوع من التحقير ان كل الأدلة تجمع علي انه لم يذهب إلي روما أواخر حياته . وقد يكون ذهابه إليهابقصد اللحاق بسيمون الساحر الذي كان قد التقي به في السامرة والتصدي له علي نحو ما تروي بعض الروايات وبخاصة كتب الأبوكريفلد . فيما كان السيد المسيح يسأل تلاميذه عن عقيده الناس فيه أعترف بطرس بلاهوته " أنت هو المسيح ابن الله الحي"

فطوبه السيد وقال له انت بطرس وعلي هذه الصخرة ابني كنيستي ( مت 16 : 13 – 18) ....

وهم يقصدون بذلك أن المسيح بني الكنيسة علي بطرس كأساس لها ....

هل هذا الخلط حدث من تجاور كلمتي " بطرس " و " صخرة " ؟ ! إن بطرس " هو اللفظ اليوناني ، يقابله في الارمية " كيفا " وفي العربية " صفا" ... فهذه الأسماء الثلاثة واحدة ولكن بلغات مختلفة .... وبطرس باليونانية لا تعني " صخرة " فصخرة أسم مؤنث وهو " بترا" أما بطرس فاسم مذكر معناه حجر مقطوع من صخرة ...

وهذه التفرقة واضحة في اللغات القديمة اليونانية واللاتينية والسريانية والقبطية ... هذا والمسيح لم يؤسس كنيسته علي بطرس ... لكنه أسسها علي هذا الايمان " المسيح ابن الله الحي "

وكل من يريد أن يصير مسيحيا يجب ان يعترف اولا ويبني إيمانه علي الصخرة التي هي " اؤمن ان يسوع المسيح هو ابن الله الحي " ... أما وضع بطرس في الكنيسة فهو كحجارة في أساسها ، شأنه في ذلك شأن باقي الرسل .. هكذا صرح يوحنا في رؤياه " وسور المدينة كان له أثني عشر اساساً وعليها أسماء رسل الخروف الثني عشر " ويقول القديس ط مبنين علي اساس الرسل والانبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية " ( أف 2: 20 ) يجب ألا ننس دائما أن المسيح هو حجر لزاوية ، وهو نفسه الصخرة ( 1كو 10 : 4) وهو أساس الكنيسة ... هكذا يقول معلمنا بولس " فإنه لا يستطيع أحد ان يضع اساساً اخر غير الذي وضع الذي هو يسوع المسيح " ( 1كو 3: 11) .. هذا هو إيمانه كل اباء الكنيسة ، وكمثال نذكر القديس اوغسطينوس في العظة العاشرة علي تفسير يوحنا الأولي .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القديس اندراوس

هو شقيق بطرس الرسول ( يو 1: 40 ) معني اسمه " ذو مرؤه " كان في باديء امره تلميذا ليوحنا المعمدان ومنه سمع عن الرب يسوع ، فقصده ومكث معه يوما كاملاً ليعاين اعماله واقواله فايقن ان المسيا المنتظر .. بعدها بشر اخاه بطرس بانه وجد المسيا .ز وبعد معجزة صيد السمك الكثير دعاه الرب مع اخية بطرس ليكون صيادا للناس ، فترك السفينة والشباك وتبع المسيح ولم يفارقه منذ ذلك الحين ..

يذكره النجيل في ثلاثة مواضع : في معجزة إشباع الألاف من خمس خبزات ( يو 6: 8 ،9 ) وعند مجيء اليونانيين الذين أتوا لكي يروا يسوع تقدم غليه وسأله في ذلك ( يو 12: 22) .. وعندما تقدم ليسأل الرب مع ثلاثة من التلاميذ عن خراب اورشليم ودمار الهيكل وانقضاء الدهر ( مر 13 :3)

بدأ عمله الكرازي بعد يوم الخمسين ... وإن كنا لا نستطيع ان نحدد علي وجه الدقه خط سيره الكرازي ، لكن يبدو إنه ركز نشاطه التبشيري في مناطق شبه جزيرة البلقان ، وبعض مقاطعات اسيا الصغري .. وبناء علي روايه اوريجينوس التي سجلها يوسابيوس فأنه بشر في سكيثيا وهي المنطقة الواقعة شمال بحر قزوين والبحر الأسود .. انتهي به المطاف في مقاطعه اخائية في بلاد اليونان ، كما يشهد بذلك جيروم وثيودوريت ونال إكليل الشهادة مصلوبا في مدينة بتراس احدي مدن المقاطعة ... وصلب هذا الرسول في بتراس احدي مدن هذه المقاطعة .. وصلب هذا الرسول في بتراس يؤيده إجماع عام من جميع التقاليد القديمة . وقد قيل ان الصليب الذي صلب عليه كان علي شكل ( ×) وهو المعروف بأسم  crux decussata  ، وفي رواية اخري انه لم يثبت في الصليب بالمسامير بل ربط عليه حتي تستطيل مده عذابه ، واندرواس الرسول هو شفيع كل من الكنيستين الروسية واليونانية . الولي لانه كاروزها ، والثانية لانه صلب في احدي المدن التابعة لها

ويذكر ان ذخائره نقلت الي القسطنطينية سنه 357 . وفي زمن الحملات الصليبية نقلت الي مدينة

Amalpae  بإيطاليا حيث مازالت كاتدرائيتها تحتفظ بها حتي الان .

 

 

القديس يعقوب الكبير

هو ابن زبدي وشقيق يوحنا الحبيب .. ويدعي ايضا يعقوب الكبير تمييزاً له عن يعقوب الصغير ( ابن حلفي ) . كان من بيت صيدا من مدينة بطرس واندراوس . دعاه السيد المسيح للتلمذه مع اخية يوحنا في نفس المره التي دعا فيها بطرس واندراوس ، فتركا السفينة واباهما وتبعاه ( مت 4: 21، 22) ويبدو أن يعقوب كان حاضرا معجزة الرب يسوع الاولي في قانا الجليل حيث حول الماء خمراً ( يو 2: 2)

أختاره الرب يسوع مع بطرس ويوحنا ليكون شاهداً لبعض الحداث الهامة .

فكان معه حينما اقام ابنه يايروس من الموت وفي حادث التجلي وفي بستان جثيماني ليله الامه ...

وقد احبه المخلص مع اخيه يوحنا محبة خاصة فميزها بلقب خاص ، إذ دعاهما بوانرجس أي ابني الرعد .

( مر 3: 17) تعبيرا عن حماستهما وغيرتهما . اما عن جهوده الكرازية ، فمعلوماتنا عنها ضئيلة لكن التقاليد تجمع علي ان ميدانه في التبشير كان اليهودية والسامرة . أما القول بانه كرز بالانجيل في اسبانيا فقول ليس له اسانيد تاريخية ... وقد كانت غيرته الرسولية سببا في اثارة عداوة اليهود فثاروا ضده ، واحدثوا شغبا في اورشليم فقبض الجند الرومان واحضروه امام الملك هيرودس اغريباس فامر بقطع رأسه بحد السيف ( اع 12: 1) وكان ذلك سنه 44 ... ويعتبر هذا الرسول اول من استشهد من الرسل ، وهو الوحيد بين الرسل الذي سجل لنا كتاب العهد الجديد موته وكيفيته . ويذكر لنا يوسابيوس المؤرخ نقلاً عن كليمنضس الاسكندري ان الجندي الذي قاد هذا الرسول الي المحاكمه تاثر عندما راي شجاعته وصلابته ، وحركت النعمة قلبه ، فاعترف هو الاخر بالايمان المسيحي ، فكان جزاؤه قطع رأسه مع الرسول في وقت واحد ويبدو ان الذي حرك الجندي الي اعتناق الايمان معجزة اجراها الرب علي يد الرسول وهو مساق بواسطة ذلك الجندي فقد ابرا مخلعا كسيحاً .... وقد حفظ لنا التقليد وشهد بذلك ابيفانيوس ان هذا الرسول حافظ علي بتوليته طوال حياته . وقيل ان جسده نقل الي بلده تدعي كومبوستيلا  compostella  في اسبانيا .

 

القديس يوحنا الحبيب

هو ابن زبدي ، وشقيق الرسول يعقوب الكبير ... هو التلميذ الذي كان يسوع يحبه ( يو 19: 26)

وهو الذي اتكأ علي صدره في العشاء الاخير هو الرسول الذي جمع في شخصه بين حب البتولية والعظمة الحقيقية ، والبساطة القلبية ، مع المحبة الفائقة العجيبة . هو الذي انفرد من بين التلاميذ في سيره بدون خوف وراء المخلص في الوقت العصيب الذي تركه الجميع وانفضوا من حوله ...

كان هو واسطة إدخال بطرس حيث حكم الرب يسوع نظرا لانه كان معروفا عند رئيس الكهنة

( يو 18 : 15 ، 16) وهو الوحيد الذي رافق الرب الي الصلب فسلمه امه العذراء مريم . ومن تلك الساعة عاشت معه .

( يو 19 : 25- 27) .... كان ابوه زبدي يحترف مهنه الصيد ، ويبدو انه كان في سعه من العيش ، ويغلب الظن ان اسرة يوحنا كانت تقيم في بيت صيدا . يبدو انه تتلمذ بعض الوقت ليوحنا المعمدان وكان يتردد عليه ( يو1: 35 – 42) دعاه السيد المسيح للتلمذه مع اخيه يعقوب فتبعه – وقيل – بناء عن رواية القديس جيروم – ان يوحنا في ذلك الوقت كان في الخامسة والعشرين ... كانت امه واحدة من النسوة القديسات اللواتي تبعن وكن يخدمنه ( مت 27 : 55 ، مر 10 : 40 – 41 ) كان يوحنا واحداً من التلاميذ المقربين من الرب يسوع مع يعقوب اخيه وبطرس . كان هو معاندرواس اول من تبعه في بشارته ( يو 1: 40 ) واخر من ترك عشية الامه من بعد موته ... هو الذي سجل لنا خطاب الرب يسوع الرائع عن الافخارستيا ( يو 6) وهو الذي انفرد بين الانجليين بذكر لقاء الرب مع السامرية ( يو 4) وموقفه مع المرأة الزانية التي امسكت في ذات الفعل ( يو8) وشفاء المولود اعمي ( يو 9 ) وإقامة اليعازر من الموت ( يو 11) وصلاته الواداعية ( يو 17 ) .

ويوحنا هو واحد من التلاميذ الثلاثة الذين صحبوه في إقامة ابنه يايروس من الموت وفي حادث التجلي وفي جثيماني ليلة الامه . وبكر مع بطرس وذهب الي قبر المخلص فجرا احد القيامته وكان حماسه وحبه ظاهرين . حتي انه سبق بطرس ووصل اولاً الي القبر وهو الوحيد بين التلاميذ الذي استطاع ان يتعرف علي ارب يسوع عندما اظهر ذاته علي بحر طبرية عقب قيامته . وقال لبطرس هو الرب ( يو 21: 7) والقديس يوحنا لم يكن كما يتصوره البعض شاباً رقيقياً خجولاً بل كان له وضع بارز في الكنيسة الأولي نقرأ عنه في الاصحاحات الأولي من سفر الأعمال ونراه جنبا الي جنب مع بطرس اكبر الرسل سنا نراهما متلازمين في معجزة شفاء المقعد عند باب الهيكل

 ( اع 3)وأمام محكمة اليهود العليا السنهدرين يشهد المسيح (اع 4) وفي السامرية يضعان ايديهما علي اهلها ليقبلا الروح القدس ( اع 8) يبدو ان خدمته الكارزية في الفترة الاولي من تاسيسالكنيسة كانت في اورشليم والمناطق القريبة منها . فالتقاليد القديمة كلها تممع علي بقائه في اورشليم حتي نياحه العذراء مريم وبعدها انطلق الي اسيا ومدنها الشهيرة وجعل إقامته في مدينة افسس العظيمة متابعا ومكملاً عمل بولس وابولس الكرازي في اسيا الصغري ( اع 18: 24 – 28 ، 19 : 1- 12 ) ...واخذ يشرف من تلك العاصمة الشهيرة علي بلاد اسيا الصغري ومدنها المعروفه وقت ذاك من امثال ساردس وفلادلفيا واللاذقية وازمير وبرغاميس وثياتيرا وغيرها ، وهي البلاد التي وردت اشارات عنها في سفر الرؤيا .

وبسبب نشاطه الكرازي قبض عليه في حكم الامبراطور دومتيان ( 81: 76) وارسل مقيداً الي روما ، وهناك القي في خلقين ( مرجل) زيت مغلي . فلم يؤثر عليه بل خرج منه اكثر نضره ، مما اثار ثائرة الامبراطور فأمر بنفيه الي جزيرة بطمس ، ومكث بها حوالي سنه ونصف كتب اثناءها رؤيا حوالي سنه 95 . ثم افرج عنه بعد موت دومتيان وعاد الي افسس ليمارس نشاطه

التبشيري ...وكل التقاليد القديمة تؤيد بالاجماع نفي يوحنا الي جزيرة بطمس في ذلك التاريخ وكتابته رؤياه هناك ....ومن الاباء الذين شهدوا بذلك ايريناوس واكلمنضيس السكندري وارجينوس وترتليانوس . وغيرهم من الالقاب اللاصقة بيوحنا . لقب ( الحبيب ) فقد ذكر عن نفسه انه كان التلميذ الذي يحبه يسوع .. وقد ظل يوحنا رسول المحبة في كرازته ووعظ ورسائله وإنجيله ..

وكتابته كلها مفعمة بهذه الروح .... روي عنه انه لما شاخ ولم يعد قادرا علي الوعظ ، كان يحمل الي الكنيسة ويقف بين المؤمنين مرددا العبارة " يا اولادي حبوا بعضكم بعضا " فلما سأموا تكرار نفس العبارة تساءلوا لماذا يعيد هذه الكلمات ويكررها فكان جوابه لانها هي وصية الرب وهي وحدها كافية لخلاصنا لو اتممناها ... ومن القصص التي تروي عن حبه الشديد لخلاص الخطاه ، تلك القصة التي تروي انه قاد الايمان احد الشبان وسلمه الي اسقف المكان كوديعه واوصاه به كثيرا . لكن ذلك ما لبث ان عاد الي سيرته الاولي وصار رئيسا لعصابه قطاع الطرق ..

وعاد يوحنا بعد مده الي الاسقف وسأله ، عن والوديعة واستخبره عن ذلك الشاب ... تنهد الاسقف وقال ( لقد مات ) ...... ولما استفسر عن كيفية موته روي له خبر ارتداده ...... حزن يوحنا واستحضر دابه ركبها علي الرغم من كبر سنه ، واخذ يجوب الجبل الذي قيل ان هذا الشاب كان يكمن فيه ... وامسكه اللصوص وقادوه الي زعيمهم ، الذي لم يكن سوي ذلك الشاب .......

 تعرفه عليه الشاب ، وللحال فر من وجهه واسرع يوحنا خلفه وهو يناشده ان يقف ويسمع له رحمه بشيخوخته .. فوقف الشاب وجاء وسجد بين يديه ، فاقامه ووعظه فتاب عن إثمه ورجع الي الله ..... لكن الي الرغم من محبته الشديدة للخطاه ، ويظهر هذا الامر واضحا في كتاباته المليئة بالتحذير من الهراطقة ...... يذكر معلمنا بولس هذا الرسول علي انه احدا اعمدة الكنيسة الاولي ، وانه من رسل الختان ( غل 2: 9) ..... ويذكر بوليكراتس اسقف افسس اواخر القرن الثاني ان يوحنا كان يضع علي جبهته صفيحه من الذهب كالتي كان يحملها رئيس احبار اليهود ، ليدل بذلك علي ان الكهنوت قد انتقل من الهيكل القديم الي الكنيسة ..... لكن مع ذلك ، نستدل من مواقفه وكتاباته انه كان معتدلا وغير متطرف ..... وبعد ان دون لنا هذا الرسول انجيلا ورؤيا وثلاث رسائل تحمل اسمه ، رقد في الرب في شيخوخه وقورة حوالي سنه 100 .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القديس يعقوب البار

1- هو يعقوب بن حلفي احد الاثني عشر رسولاً ، وهو احد الاعمده الثلاثه لكنيسة الختان دعاه معلمنا بولس ( غل 2: 7-9) . عرف بأسم يعقوب اخا الرب ، لانه ابن خالته بالجسد من مريم زوجه كولوبا . فكلمه حلفا ارامية ويقابلها ( كلوبا) في اليونانية وعرف بأسم يعقوب الصغير ( مر 15 : 40 ) تميزا له عن يعقوب الكبير بن زبدي . وعرف ايضا باسم يعقوب البار نظرا لقداسة سيرته وشده نسكه . كما عرف باسم يعقوب اسقف اورشليم لانه اول اسقف لها . وقد اثير جدل حول شخصيته . وحول اللقب الذي عرف به ( اخ الرب ) ... وهناك ثلاثة اراء بخصوص اخوة الرب :- رأي يقول انه ابن ليوسف ومريم بعد ميلاد رب المجد يسوع ..... قال بهذا الرأي ترتليانوس . ويثني هذا الرأي بعده شخص يدعي هلفيدسوس الهراطوقي من روما سنه 380 م ، مما دعي القديس ايرونيموس ان يرد عليه برساله قويه سنه 383م فند فيها كل هذه الادعاءات الباطله ، ودعا كل من ترتليانوس وهيلفيديوس منشقان علي الكنيسة الجامعه ...... وهذا الرأي هو راي البروستانت . وهو يتناقض مع روح الكتاب المقدس ونصوصه وعقيده الكنيسة الجامعه منذ عصرها الرسولي . ونحن نرفض هذا الراي ونشجبه لان العذراء مريم ظلت عذراء ايضا بعد ولاده المسيح ، فهي " العذراء كل حين " وهي لم تعرف يوسف خطيبها معرفه الزواج قبل وبعد ميلاد المخلص .

2- راي ثان يقول ان المذكورين في الانجيل اخوة الرب ، هم في الحقيقية ابناء ليوسف النجار من زوجه سابقه توفيت قبل خطبته لمريم العذراء ..... وقد ظهر هذه النظرية الي عالم الوجود عن كتابات الابوكريفا المنسوبة الي القديس يعقوب اخ الرب ومنها انجيل يعقوب المعروف بأسم  protevangelium  (ف9) . وقد اخذ بهذا الراي بعض الاباء الشرقيين – وهذا هو رأي الكنيستين اليونانية والسريانية . وهذا الرأي – علي ما فيه من اخطاء وثغرات لا محل للرد عليها هنا – فأنه كان هؤلاء المدعون اخو الرب اولادا ليوسف من زوجة سابقه ، لكانوا اكبر من الرب يسوع سناً ، وفي هذا هدم لنصوص الكتاب ونبوات العهد القديم .

3- الرأي الثالث – وهو راي كنيستنا القبطية الارثوذكسية والكنيسة اللاتينية ايضا بأن يعقوب هذا هو عينه ابن حلفي ( كلوبا) وابن خاله السيد المسيح بالجسد من مريم اخري شقيقه العذراء مريم ، وذلك استنادا لما جاء في الانجيل المقدس – وقد دافع عن هذا الرأي بحماس كبير كل من جيروم واغسطينوس . والغريب ان هذا الرأي الثالث يدافع عنه حاليا كثير من العلماء والبروتستانت ..... وفضلا عن ذلك ، فليس ادل علي صحه هذا الرأي من ان التقليد الكنسي القديم في العالم كله ، يجعل منهما – يعقوب بن حلفا ويعقوب اخا الرب – شخصا واحدا . ويؤكد رسولية هذا القديس وانه من الاثني عشر . نص صريح ذكره القديس بولس في رسالته الي اهل غلاطية . يذكر بولس زيارته الاولي لاورشليم بعد ايمانه فيقول " ثم بعد ثلاث سنين صعدت الي اورشليم لاتعرف علي بطرس ، فمكثت عنده خمسه عشر يوما . ولكنني لم اري غيره من الرسل الا يعقوب اخا الرب ( غل 1: 18 – 19 ) ......

وواضح من هذه الاية ان يعقوب اخا الرب رسول نظير بطرس والاخرين .....

رأس كنيسة اورشليم وصار اسقفا عليها واستمر بها الي وقت استشهاده . ولا يعرف بالضبط متي صار اسقفا علي اورشليم . لكن هناك رأي يقول ان ذلك كان سنه 34م . وهذا التاريخ يتفق تقريباً مع شهاده جيروم التي ذكر فيها انه ظل راعياً لكنيسة اورشليم نحو ثلاثين سنه وعمله كاسقف علي اورشليم يوضح لنا حكمة الكنيسة الاولي في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ....

فقد كان هذا الرسول يتمتع بشخصية قويه بحكم صله القرابة الجسدية بالرب ، فضلا عن تقواه الشديدة ونسكياته الصارمة . ومن هنا فقد تمتع بسلطان كبير بين اليهود المنتصرين ، بل تمتع بمكانه كبيرة بين اليهود انفسهم ، ولذا وضع في اورشليم معقل اليهودية في العالم كله ، واليها يفد الاف منهم ، ليكون كارزا لهم ..... وبناء علي تقليد قديم دونه لنا ابيفانيوس ، كان يعقوب يحمل علي جبهته صفيحة من الذهب منقوش عليها عبارة ( قدس الرب ) علي مثال رئيس احبار اليهود . تمتع هذا الرسول بمكانه كبيرة في كنيسة الرسل .. فقد راس اول مجمع كنسي سنه 50م وهو مجمع اورشليم ، الذي عرض لموضوع تهود الامم الراغبين في الدخول الي الايمان ( أع 15) وكان رأيه فيه فصل الخطاب بالنسبة لموضوع ، كان يعتبر موضوع الساعه وقت ذاك . بل يبدو انه هو الذي كتب بنفسه قرار مجمع ، فقد لا حظ العلماء تشابهاً بيت اسلوب ذلك القرار واسلوب الرساله التي تحمل اسمه ( رساله يعقوب ) ، مما يدل علي انه كاتبهما شخص واحد . والرسول بولس يذكره كأحد اعمدة كنيسة الختان الثلاثة ، الذين اعطوه مع برنابا يمين الشركة ليكرز للامم ، بل ويورد اسم يعقوب سابقا لاسمي بطرس ويوحنا مما يدل علي مكانته ( غل 2: 9) ويؤيد هذه المكانه ايضا الخوف والارتباك الذان لحقا ببطرس في انطاكية لمجرد وصول اخوة من عند يعقوب !! الامر الذي جعله يسلك مسلكا ريائيا ووبخه عليه بولس علاني " انظر غل 2: 11-14 " اما عن نسكه فقد افاض هيجيسبوس في وصفه ، وقال انه كان مقدسا من بطن امه لم يعل راسه موس ، لم يشرب خمرا ولا مسكرا وعاش نباتيا لم يأكل لحما ....... وكان لباسه دائما من الكتان . وكان كثير السجود حتي تكاثف جلد ركبتية وصارت كركبتي الجمل وبسبب حياته ونسكه ومعرفته الواسعه بالكتب المقدسة واقوال الانبياء نال تقديرا كبيرا من اليهود وامن علي يديه كثيرون منهم في مده اسقفيته ....

بل ان يوسيفيوس المؤرخ اليهودي الذي عاصر خراب اورشليم ، لم يتردد عن الاعتراف بان ما حل باليهود من نكبات ودمار اثناء حصار اورشليم ، لم يكن سوي انتقام الهي لدماء يعقوب البار .... لكن انعكاف اليهود نحو القديس يعقوب اثار حنق رؤساء الكهنة والكتبة والفريسين عليه فقرروا التخلص منه . وذكر هيجسبوس – وايده في ذلك كلمنضيس الاسكندري – ان اليهود اوقفوه فوق جناح لهيكل ليشهد امام الشعب ضد المسيح ...... فلما خيب ظنهم وشهد عن يسوع انه المسيا وهتف الشعب اوصنا لابن داود ، صعدوا وطرحوه الي اسفل ، اما هو فجثا علي ركبتيه يصلي عنهم بينما اخذوا يرجمونه ، وكان يطلب لهم المغفرة . وفيما هو يصلي تقدم قصار ملابس وضربه بعصا علي راسه فاجهز عليه ومات لوقته وكان ذلك في سنه 62 او سنه 63 بحسب روايه يوسيفوس وجيروم وفي سنه 69 بحسب روايه هيجيسبوس والرأي الاول هو المرجح وقد خلف لنا هذا الرسول ، الرساله الجامعه التي تحمل اسمه والتي ابرز فيها اهمية اعمال الانسان الصالح ولزومها لخلاصه الي جانب الايمان اما عن تاريخ كتابتها . فهناك راي يقول انه كتبها في الاربعينيات قبل مجمع اورشليم وراي اخر يقول انه كتبها قبيل استشهاده بوقت قصير ..... كما خلف لنا يعقوب الرسول الليتروجيا ( صلاه القداس ) التي تحمل اسمه والتي انتشرت في سائر الكنائس . اما عن صحه نسبتها اليه ، فالتقليد الكنسي لجميع الكنائس الشرقية يجمع علي ذلك .

 

 

القديس فيلبس 

ولد في بيت صيدا ( يو1: 44) اسم يوناني معناه ( محب للخير ) .....

ويبدو انه عكف منذ صباه علي دراسة الكتب المقدسة . فنحن نجده سريعا لتلبية دعوة الرب حالما قال له اتبعني ، ونجد في حديثة الي ( نثنائيل ) " وقد وجدنا الذي كتب عنه موسي في الناموس والانبياء ، يسوع .." ( يو1: 45) ، ما يدل علي الانتظار والتوقع ...لم يرد ذكره كثيرا في الانجيل ..... ذكر اسمه في معجزة اشباع الالاف بالخمسة خبزات والسمكتين ، حينما سأله الرب سؤال امتحان " من اين نبتاع خبزا ليأكل هؤلاء" فاجاب فيلبس ط لا يكفيهم خبز بمئتي دينار لياخذ كل واحد منهم شيئاً يسيرا " ( يو 6: 5 –7) وجاء ذكره في يوم الاثنين التالي لاحد الشعانين حينما تقدم اليه بعض اليونانيين الدخلاء وسالوه ان يروا يسوع ( يو 12: 20 – 22) .... وجاء ذكره ايضا في العشاء الاخير في الحديث الذي سجله لنا القديس يوحنا حينما قال للرب يسوع " ارنا الاب وكفانا " فكان جواب الرب عليه " انا معكم زمانا هذه مدتها ولم تعرفن يا فيلبس . الذي راني فقد راي الاب فكيف تقول ارنا الاب . الست تؤمن اني انا في الاب والاب فيا " ( يو 14 : 8- 10) حمل بشري خلاص الي بلاد فارس واسيا الصغري خاصه اقليم فيرجيا ، وانتهي به المطاف في مدينة هيرابولس حيث استشهد مصلوبا بعد ان ثار عليه الوثنيون . ونلاحظ الخلط بينه وبين فيلبس المبشر احد السبعه في بعض الروايات .

 

القديس برتولماوس

يكاد يكون هناك اجماع بين العلماء ان برثولماوس هو عينه نثنائيل الذي ذكره يوحنا في انجيله ، ان فيلبس احضره للمسيح ( يو 1: 45) ..... والدليل علي ذلك ان يوحنا يذكره في اول بشارته واخرها بينما البشائر الثلاثة الاخري تذكر فيلبس وبرثولماوس بين اسماء الرسل استنتجو من ذلك ان برثولماوس هو نثنائيل . ويرجح ان نثنائيل هو اسم الرسول ، وبرثولماوس ( ومعناها ابن تلماي ) تفيد القب ومهما يكن من امر هذا الرسول ، فقد لازم الرب يسوع حياته علي الارض وكان له شرف التمتع برؤيته بعد القيامة علي بحر طبريه مع بعض التلاميذ ( يو 21 : 2) بشر في بلاد اليمن وترك لهم نسخة من انجيل متي باللغة العبرية ، وجدها العلامة بنتينوس عميد المدرسة الاهوتية بالاسكندرية عندما ذهب الي هناك حوالي سنه 180م . وقد روي يوسابيوس المؤرخ هذه الرواية لكن ذكر الهند بدلا من بلاد اليمن ..... والارجح انها اليمن وليست الهند . ففي اليمن كانت توجد جالية يهودية كبيرة ، وبطبيعه الحال لا نفع للهنود من كتاب مكتوب بالعبرية !!! ومن المقطوع به انه بشر ايضا في ارمينيا والكنيسة الارمنية هناك مازالت تعتبره شفيعها ، بعد ان استشهد بها وقد اختلفت الروايات في طريقه استشهاده ، فمنها ما ذكر انه صلب ومنها ما قال انه سلخ جلده وقطعت رأسه .

 

القديس توما

كان من الجليل ومعني اسمه التوأم كما ذكر يوحنا الانجيلي ( 11: 16 : 21 : 2) دعاه الرب يسوع الي شرف التلمذه فلبي الدعوة وتبعه ورافقه مع بقية التلاميذ ، ورأي اياته واستمع الي تعاليمة الالهية .. والمرات ذكر فيها اسمه في الانجيل تظهر لنا حبه وغيرته لسيده لما عزم الرب يسوع علي الذهاب الي بيت عنيا ليقيم لعازر ، اعترضه الرسل بقولهم " يا معلم الان كان اليهود يطلبون ان يرجموك وتذهب ايضا واما توما فالتفت اليهم وقال بلهجة المحب الوفي لنذهب نحن ايضا لكي نموت معه " ( 11: 8 – 16) ومرة ثانية وفيما كان الرب يسوع يتكلم في ليلة العشاء الاخير عن ارتحاله عنهم فقال له توما " يا سيد نعلم اين تذهب فكيف نقدر ان نعرف الطريق . اجابه الرب انا هو الطريق والحق والحياة . ليس احد ياتي الي الاب الا بي "
( يو 14: 1- 6) واشتهر توما بموقفه من قيامة الرب من بين الاموات . فلما اظهر الرب يسوع ذاته مساء احد القيامة لم يكن توما معهم ولما اخبره بقية التلاميذ بهذا الظهور قال لهم

         " أن لم ابصر في يديه اثر المسامير واضع يدي فب جنبه لا اؤمن "

وفي الاحد التالي اظهر الرب ذاته الي تلاميذه في العلية ومعهم توما وعاتبه الرب عتابا لطيفا والزمه ان يضع اصبعه في اثر المسامير ويذع يده في جنبه فذاب توما خجلا ومن فرط اليقين صرخ " ربي والهي " فقال له يسوع " لانك رايتني يا توما امنت . طوبي للذين امنوا ولم

 يروا" ( يو 20 : 26 – 29 ) وحينما اظهر الرب ذاته لبعض تلاميذه علي شاطيء بحر طبرية بعد قيامته كان توما معهم بشر اولاً في اليهودية وقيل انه جال مبشرا في بلاد ما بين النهرين ( العراق ) وقيل انه عرج علي بلاد العرب واجتاز البحر الي بلاد الحبشة وكرز في بلاد الهند والصين وقد قضي الشطر الاكبر من حياته الكرازية في الهند ومازال توما الرسول حتي الان هو شفيع المسيحيين الهنود انهي توما حياته بسفك دمه لاجل الرب يسوع فقد هجم عليه بعض كهنة الاوثان في ملابار وسلخوا جلده وهو حي ثم اخذوا يطعنونه بالرماح حتي الموت .

 

القديس متي

كان من الجليل ويدعي لاوي كان عشارا وكان العشارون جباه رسمين يعملون لحساب الرومان المستعمرون لذلك كانوا ممقوتين لدي الشعب ومعتبرين خطاه في نظر عامة الناس دعاه الرب ان يتبعه وكان جالسا عند مكان الجباية فترك كل شيء وقام وتبعه ( مت 9: 9- 24) ولاشك ان هذا يدل علي قلب عملت فيه نعمة الرب فليس للانسان ان يعمل اكثر من ذلك ان يترك كل شيء وليس في استطاعته ان يفعل افضل من اتباع يسوع لازم الرب يسوع وسمع تعاليمه . وشاهد عجائبه ، وعاين قيامته المجيده ، وامتلأمن الروح القدس يوم الخمسين . قيل انه كرز بالانجيل في بلاد اليهودية واثيوبيا وقيل انه بشر في بلاد الفرس والبارثين وكتب الانجيل الذي يحمل اسمه .

 

القديس يهوذا

ويدعي ايضا تداوس ولباوس ويهوذا اخا يعقوب تمييزا له عن يهوذا الاسخريوط الذي اسلم الرب ( .. والتقليد القديم يؤكد انه اخو يعقوب كما ذكر القديس لوقا في انجيله وفي سفر الاعمال – ليس ابن يعقوب كما في الترجمة السريانية ( ... هو احد الاربعة المذكورين في كتاب العهد الجديد اخوه الرب ... لا يذكر الانجيل متي دعي هذا الرسول للرسولية ، لكن الاناجيل وسفر الاعمال تذكره ضمن جداول الرسل الاثني عشر ..... لا يذكره الانجيل إلا في موضع واحد . فحينما كان الرب يتكلم عقب العشاء الاخير وقال الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني يحبه ابي وانا احبه واظهر له ذاتي قال يهوذا للرب يا سيد ماذا حدث حتي انك مزمع ان تظهر ذاتك لنا وليس للعالم

( يو14 : 21، 22) . اما عن كرازته ، فيذكر التقاليد انه بشر في بلاد ما بين النهرين وبلاد العرب وبلاد فارس ويبدو انه انهي حياته شهيدا في احدي مدن بلاد فارس .

والي هذا الرسول تنسب الرساله التي تحمل اسمه وبين الرسائل الجامعه وهي رساله قصيرة ويذكر في مقدمتها انه " عبد يسوع المسيح واخو يعقوب " ولم يتفق العلماء علي تاريخ هذه الرساله ولا مكان كتابتها ولا من ارسلت اليهم وجل غرضها التحذير من المعلمين والمضلين والاخوه الكذبة .

 

القديس سمعان القانوي

ذكره كل من متي ومرقس باسم القانوي ( مت 10 : 4: مر 3: 18) وذكره لوقا في انجيله وسفر الاعمال باسم الغيور ويقول ان التسمية ( الغيور ) هي المرادف اليوناني للكلمة العبرية " القانوي"

وهذه التسمية تدل علي انه من ضمن جماعه الغيورين الثائرين الذين عرفوا بتمسكهم الشديد بالطقوس الموسوية . يخلط البعض بينه وبين سمعان احدي المدعوين اخوه الرب واخي يعقوب البار ويهوذا الرسول الذي صاراسقفا لاورشليم حتي سنه 106 خلفا ليعقوب البار لكن هذا خطأ .

فسمعان الذي نحن بصدده هو احد الرسلالاثني عشر ونكاد لا نعرف شيئا محققا عن جهود هذا الرسول الكرازية والاماكن التي بشر فيها قيل انه بشر في سوريا وبلاد ما بين النهرين وبلاد فارس . وختم حياته شهيدا .

 

القديس متياس

كان ضمن السبعين رسولا الذين عينهم الرب ولازمه منذ البداية وسمع تعاليمة وشاهد اياته . فلما سقط يهوذا الاسخريوطي من رتبته بعد خيانه سيده وانتحاره كان لابد ان يقام اخر عوضا عنه اتماما لنبوه المزمور عن يهوذا " اتصر داره خرابا وليأخذوظيفته اخر " فاجتمع التلاميذ ليختاروا اخر بدلا عنه فتكلم بطرس وناشدهم ان يختاروا واحد ممن اجتمعوا معهم كل الزمان اذي فيه دخل اليهم الرب يسوع وخرج منذ معمودية يوحنا الي وقت صعوده ليشهد معهم بقيامته . فأقام التلاميذ اثنين من السبعين يوسف المدعو بار سابا الملقب يسطس ومتياس وصلوا الي الرب طالبين إظهار ارادته في أي الاثنين يختاره ثم القوا قرعه فوقعت القرعه علي متياس فحسب مع الاحدي عشر رسولا ( اع 1: 15 – 26) امتلأ من الروح القدس يوم الخمسين نظير سائر الرسل ولا نعرف علي وجه التحقيقي حقول كرازته قيل انه بشر في اليهودية والسامرة وبعض مقاطعات اسيا الصغري . وختم حياته شهيدا .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                   البدع والهراطقات 

التهود

ويهدف اصحاب هذا الاتجاه الي ربط انفسهم بالناموس اليهود القديم ، وإدماج المسيحية باليهودية ، بحيث يصبح الانجيل هو الناموس القديم محسنا او مكملا . انهم يعتبرون المسيح مجرد نبي ، او موسي الثاني . وهم ينكرون او يغفلون طبيعته الالهية ووظائفه ككاهن وملك . كان هؤلاء المسيحيون المتهودون في حقيقتهم يهود ، وفي ظاهرهم مسيحيين بالاسم .....وقد مارسوا واتموا ناموس موسي الادبي والطقسي ، واعتبروه ملزما لهم ، وانه لازم للخلاص . ولم يفهموا المسيحية علي انها ديانه عامة مسكونية جديدة ، متحرره من الناموس القديم .......

ومن الناحية المقابله ، قام بعض الامميين المتنصرين ، وحاولوا الانفصال عن الماضي كليه ، وقطع انفسهم عنه ، علي عكس المسيحيين المتهودين ومن هنا يمكن تسمية هذا النوع من الهراطقة ( الهراطقة المتأممة ) او الغنوسية والفظ اليوناني غنوسيس معناه ( معرفه) ...... والغنوسية هي محاوله فلسفية دينية ، رأت ان تطلق علي نفسها هذه التسمية ، لتعبر عن انها لا تؤمن الايمان الاعمي ، بل تعتمد علي العقل والمعرفة . لقد وضع الغنوسيون العقل فوق الايمان والفلسفة فوق الدين وجعلوا الفكر الخالص رقيبا علي الوحي ، يستطيع ان يرفض منه ما لا يقبله العقل . وان كانت الغنوسية لم تظهر في الكنيسة تحمل هذا الاسم الا في القرن الثاني لكن جذورها ومبادئها وتعاليمها وجدت في العصر الرسولي . وهناك إشارات واضحه في رسائل الرسل اليها ، وبخاصة رسائل كولوسي وتيموثاوس الاولي وتيطس وبطرس الثانية ويوحنا الاولي والثانية وسفر الرؤيا في الرسائل الموجهة الي اساقفة السبع كنائس وتتلخص الغنوسية في انها محاوله فلسفية لتفسير الشر  و الخلاص منه مع رفض كتاب العهد القديم .. وهي تمجد العلم اكثر من اللازم ، وتقلل من شأن الايمان . وهكذا حول الايمان الي معرفة عقلية لله ..... وحاولوا تفسير وجود الشر بالقبول بالاثينية ، أي وجود اصلين للكائنات ، الروح الاعلي والمادة او الخير والشر .... اما خلاص روح الانسان المحبوسة في المادة ( الجسد ) فيكون حسب تعليمهم اما بالتزام النسكات الصارمة والابتعاد عن كل ما هو مادي بقدر الامكان ، واما الانغماس في كل ما هو شهواني ، زاعمين الانتصار علي الحس بالانغماس فيه ..... اما عقيدتهم في المسيح ، فهي انه خيال ، منكرين ناسوته ( وفكرة غنكار الناسوت ( الجسد ) عند الغنوسيين ، مصدرها الاعتقاد القديم ان الجسد هو العنصر المادي الذي فسد بالشر . فكيف للمسيح القدوس الذي غلب الشر ياتي في جسد ؟) والي هذه النقطة بالذان – غنكار ناسوته – اشار يوحنا الرسول في رسالته الاولي . والثانية "  كل روح يعترف بيسوع المسيح انه قد جاء في الجسد فهو من الله . وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح انه قد جاء في الجسد ، فليس من الله "  ( 1يو 4: 2، 3) .

كما وجدت محاولات معاصرة لنشأة الكنيسة المسيحية ، لادماج الديانه اليهودية في الفلسفة الوثنية، وبخاصة فلسفتي فيثاغورس وافلاطون . وقد قام بهذه المحاولات الفيلسوف اليهودي الاسكندري فيلو في القرن الاول الميلادي وبعض جماعات المتعبدين من الثبرابوت والاسينين وغيرهم ، واخذ هذا الخليط العجيب يظهر في المسيحية بالاسم المسيحي ، مكونا امه  يهودية مختلطة بالوثنية او وثنية متهودة .

ومهما يكن الاختلاف بين الانواع الثلاثة من الهراطقات ، فانها تكاد تصل في النهاية الي انكار واضح للحق الجوهري في الانجيل ، وهو تجسد ابن الله من اجل خلاص العالم . انها تجعل من المسيح اما مجرد انسان ، او شخصية خيالية فائقة للطبيعة . وهي لا تعترف علي ايه الحالات باي اتحاد حقيقي دائم بين اللاهوت والناسوت في شخص المسيح ، وهذه هي العلامة التي وضعها يوحنا الرسول لضد المسيح انها تحاول ان تقوض اسا المسيحية بلا منازع . لانه اذا لم يكن المسيح هو الله المتانس والوسيط بين الله والناس ، فأن المسيحية تختفي غارقه في الوثنية او اليهودية .

 

                                  اشهر الهراطقة

سيمون الساحر

اول ما ناتقي به في سفر الاعمال ، حيث نقرأ انه كان " يستعمل السحر ويدهش شعب السامرة قائلا انه شيء عظيم . وكان الجميع يتبعونه من الصغر الي الكبير قائلين هذا هو قوة الله العظيمة .

وكان يتبعونه لكونهم قد اندهشوا زمانا طويلا بسحره " .... ثم لما اتي الرسولان بطرس ويوحنا الي السامرة ليمنحا الروح القدس للمعمدين ، ورأي سيمون العجائب التي كانت تجري علي ايديهما ، قدم لهم دراهم قائلا " اعطياني انا ايضا هذا السلطان ، حتي أي من وضعت عليه يدي يقبل الروح القدس " فانتهزه بطرس قائلا له " لتكن فضتك معك للهلاك لانك ظننت ان تقتني موهبة الله بدراهم ليس لك نصيب ولا قرعه في هذا الامر . لان قلبك ليس مستقيما امام الله ..( اع 8:9 –21)

هذا كل ما جاء عن سيمون في الانجيل ... لكن تاريخ الكنسي والمعلمين الاوائل يذكرون سيمون علي انه رأس الهراطقة او " منشيء كل بدعه " بحسب تعبير يوسابيوس المؤرخ . وهكذا ذكره يوستينوس الشهيد في دفاعه الاول وذكره هيجيسبوس وايريناوس وغيرهم اول من امدنا بمعلومات عن هرطقه سيمون هو يوستينوس ، الذي كان هو الاخر سامريا . لذا فأن روايته عنه لها وزن كبير ....ز يقول يوستينوس " ان معظم السامرين والبعض من البلاد الاخري ، عبدوا سيمون كالاله وربطت به امراة تدعي هيلانه التي ادعي سيمون ان فكرة الاول تجسد منها وكانت هيلانه هذه امراة عاهرة تتجول معه .

ومما قاله ايريناوس ان سيمون قال باله ذكر اعلي   sublimissima vir tus  وبفكر ennoia  منبثق من هذا الاله الاعلي ، انثي موازية له . وهذه خلقت الملائكة الذين خلقوا العالم . وحبس هؤلاء الملائكة في جسم امراة ، واوقعوا بها حسدا انواعا من الاهانات . وان  ennoia  هذه هي هيلانه التي صارت زانية عاهرة في مدينة صور ، وهي ما عبر عنها بالخروف الضال ، وانه فداها وحررها ومما قاله سيمون ايضا بحسب رواية القديس ايريناوس . ان الاله الاعلي اظهر نفسة بصفه الابن يسوع بين اليهود ، وبصفه الاب بين السامريين في شخص سيمون ، وفي بلاد اخري بصفه الروح القدس .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأبيونية

الأبيونية بدعة نادي بها فريق من المسيحيين المتهودين ...... وان كان هذا الاسم الذي عرفوا به لم يظهر الا في القرن الثاني الميلادي ، لكنهم كانوا موجودين بمبادئهم منذ عصر الرسل . فلا شك انهم خلفاء اولئك " الاخوة الكذبة " الذين اشار اليهم بولس في ( 2كو 11: 26 ، غلا 2: 4) والذين اقلقوا سلام الكنيسة وبخاصة في انطاكية وغلاطية ، وقاوموا قانونية رسوليته وتعقبوه من مدينة الي اخري ويذكر ابيفانيوس انهم ظهروا بعد خراب اورشليم سنة 70م ، بين جماعه اليهود المنتصرين الذين لجأوا الي بلاد قبيل خراب اورشليم ، وانتشرت افكارهم في فلسطين والاقطار المجاورة ,ومراكز الشتات ، بل وبلغت روما اقدم ما وصلنا عنهم ذكره يوستينوس الشهيد في حواره مع تريفو اليهودي حوالي منتصف القرن الثاني .... وان كان يوستينوس ذكر مميزاتهم دون اسمهم ( ابيونيين ) لكن ايريناوس واريجينوس ويوسابيوس المؤرخ يؤكدون ان تلك المميزات التي ذكرها يوستينوس ليست سوي مميزات الابيونيين . والاسم " ابيونيون " ومن العبرانية ابيونم وتعني فقراء او مساكين. وهذه التسمية اما اطلقها هم علي انفسهم لينالوا الطوبي التي اعطاها السيد المسيح للمساكين بالروح . واما اطلقها المسيحيون عليهم لانهم فقراء ومساكين في افكارهم عن افكارهم ومبادئهم ، فهم فريقان بين متزمت ومعتدل : فالفريق المتزمت يحفظون ناموس موسي حفظا حرفيا ، ويقدسون السبت ، ويعتبرون الختان لازما للخلاص . واوجبوا علي المسيحيين حفظ الناموس القديم كشرط لخلاصهم . ومن جهة ايمانهم في المسيح ، فقد انكروا لاهوته وازليته ، ورفضوا اعتباره اللوغوس او كلمة الله وحكمته . وانكروا ميلاده المعجزي من العذراء مريم ، واعتبروه انسانا عاديا كسائر البشر ولد حسب الطبيعة من يوسف ومريم ، وانه هو النبي الذي تنبا عنه موسي . ورفضوا الاعتقاد ان المسيح خضع للموت . كما اعتقدوا في مجيئه الثاني في مجد ملكي وانه يعد لنفسه ولاتباعه – ولا سيما من اتقياء اليهود – ملكا الفيا والفريق المعتدل يحفظون ناموس العهد القديم ، لكنهم لا يلزمون به الجميع ولا يتعصبون ضد من يرفضون حفظه . وكانوا يحتفلون بيوم الاحد ، ولا يعترضون علي الام المسيح وموته ، ولا ينكرون ولاده المسيح من العذراء بغير زواج وان كانوا يشتركون مع المتزمتين في انكار لاهوت المسيح وازليته وثمة فريق ثالث من الابيونيين كان للاسينيين والغنوسيين تأثيرت واضحة علي افكارهم واتجاهاتهم .....وفيما كتبه القديس بولس ( كو 2: 8- 23) اشارة الي الميول الغنوسية التي تتمثل في التأملات التصوفية والنسكات الصارمة

 

 

 

كيرينثوس

كان يهوديا منتصرا ، تحكم بحكمه المصريين ، قدم لأورشليم في زمان الرسل . اقام فيها بعض الوقت ، ثم انتقل الي قيصريه فلسطين فإنطاكيه وعلم فيها ، وحط رحاله اخيرا في افسس التي كانت حقل خدمة يوحنا الرسول .

يخبرنا عنه ايريناوس انه كان معاصرا للقديس يوحنا الرسول .... ويخبرنا ابيفانيوس انه يهودي منتصر تمسك بالختان والسبت ، وانه – بعد قيامه المخلص – انتظر مملكه المسيا الارضية بصورة مادية خالصة . وقد علم كيرينثوس ان العالم لم يخلقه الله ، بل قوة خارجية عن الاله الاعلي . وان الها اخرا الذي هو اله اليهود ، اعطي الشرائع الناموس وان الرب يسوع ولد من يوسف ومريم – ولم يكن سوي إنسان بارز – حل عليه المسيح في صورة حمامة عند عمادة اتيا من الاله الاعلي ، حتي ما يعلن عن الاب غير المعروف ، واكد ذلك بالمعجزات التي صنعها . واخيرا فارق المسيح الانسان يسوع قبيل الالام والصلب ، وبعد ذلك تالم يسوع وقام ثانية ، والمسيح – والحال هذه – لم يكن في نظر كيرينثوس سوي نبي عظيم حلت عليه قوة الله ....

ويربط ابيفانيوس بين كيرينثوس والابيونيين .

ويقول يوسابيوس المؤرخ – نقلا عن ديونيسيوس البابا الاسكندري – ان كيرينثوس كان

( منغمسا) في الملذات الجسدية وشهوانيا جدا بطبيعته . وتوهم ان الملكوت سوف ينحصر في تلك الامور التي احبها – أي في شهوة البطن والشهوة الجنسية .... وينسب له ايريناوس اوصافا اشد قبحا من ذلك ويكفي لاظهار ذلك ، ما رواه ايريناوس عن يوحنا الرسول ، من انه ( يوحنا ) دخل ذات مرة حماما ليستحم ، واذ علم بوجود كيرينثوس فيه قفز فزعا وخرج مسرعا لانه لم يطق البقاء معه تحت سقف واحد . ونصح مرافقية ان يقتدوا به قائلا لهم " لنهرب لئلا يسقط الحمام ، لان كيرينثوس عدو الحق موجود داخله " . والي هذا الفريق تنسب بعض المؤلفات المزورة كالاكليمنضيات التي نسبوها للقديس كليمنضس الروماني ، وهي مليئة بعبارات للرسولين بطرس ويعقوب اخي الرب .

 

النيقولاويون

اشار اليهم سفر الرؤيا مرتين ....... في الاولي مدح الرب اسقف كنيسة افسس لانه يبغض

اعمال النيقولاويين وفي الثانية تحذير ووعيد لاسقف كنيسة برغامس لان من بين رعيته من هو متمسك بتعاليم

ويؤكد المؤرخون واللاهوتيون القدماء ان هؤلاء النيقولاويين هم اتباع نيقولاوس الدخيل الانطاكي احد الشمامسة السبعه ( اع 6: 5) ولقد ذهب البعض الي النيقولاويين هم عينهم اتباع بلعام ..

استنادا الي ان نيقولاوس باليونانية وبلعام بالعبرية هما بمعني واحد لكن واضح من سفر الرؤيا ان السيد المسيح يكلم اسقف برغامس عن هرطقتين متميزتين . ومعلوماتنا عن النيقولاويين ضئيله للغاية فقد قيل انهم اباحوا اكل ما ذبح الاوثان ، وشجعوا العبادة الوثنية كما اتهموا بانكارهم ان الله هو الذي خلق العالم ، وبنسبتهم عمل الخلق الي قوي اخري . كما نسب اليهم انهم نادوا بمبدأ الاختلاط بالنساء في غير ارتباط بالزوجية ، انهم كانوا يعيشون حياة خليعة مستهترة .

وثمة روايه شائعة عن نيقولاوس رواها لنا ابيفانيوس ، وهي ان نيقولاوس كان متزوجا بامرأة ذات جمال بارع ، وكان يهيم بحبها . فلما اصبح مسيحيا اراد ان يسلك حياة العزوبة لافضليتها .

فانفصل عن زوجته بعد ان اتفق معها ، ولكنهما ما لبثا ان عادا وعدلا عن حياة الفرقة واستأنفا حياتهم الزوجية .....فلما رأي نيقولاوس سلوكه منتقدا اراد ان يبرر نفسه ، فاخذ ينادي بتعاليم منافية للحق  والطهارة ، واسلم ذاته لحياة الشر والخلاعه واقتدي به غيره وهكذا تكونت منهم طائفه ....ز وقد صدق علي هذه الرواية بعض اباء الكنيسة وعلمائها الاوائل من امثال ايريناوس وترتليانوس وايلاري اسقف بواتيية وايرونيموس وغريغوريوس اسقف نصيص             

 

ميناندر

يذكر هيجسبوس الميناندريين ضمن الهراطقه ..... ويذكر يوستينوس ان ميناندر كان سامريا وتلميذا لسيمون الساحر ، وانه اتي الي انطاكية وخدع كثيرين بسحره ..... وفيما ذكره يوستينوس ، ان ميناندر مارس السحر باديء الامر وهي ظاهرة مميزة للغنوسيين السامريين . الغنوسية لم تكن لاهوتا خالصا ، ولكنها كانت ايضا نوعا من الشعوذة ويشير يوسابيوس الي ان ممارسات السحر هذه سلعدت الاوساط الوثنية علي ان تفقد ثقتها في المسيحيين .... وكان لهذا الامر اسوأ الاثر ، حتي ان لوسيان وكلسوس عدوي المسيحية اللدودين في القرن الثاني ، يدعون ان المسيح نفسه كان ساحرا وبناءا علي ما اورده يوستينوس ، فقد علم ميناندر ان من يتبعه لن يموت ...

وايريناوس يذكر ان ميناندر ادعي انه المخلص المرسل من فوق من عالم الايونات غير المرئية حتي ما يخلص البشر فبواسطة المعمودية التي يمنحها هو ، يصير الانسان اعلي من الملائكة المخلوقين .

ويمكن القول ان ميناندر هو الذي اعطي مباديء وتعاليم سيمون صفه الغنوسية ، وقد مارس نشاطه واتسع نفوذه في انطاكية بين سنتي 70-100م وبواسطته انتشرت الغنوسية في غربي سوريا التي اصبحت فيما بعد إحدي مراكزها الرئيسية.

 

اني اتعجب انكم تنتقلون هكذا سريعا عن الذي دعاكم بنعمة المسيح الي انجيل اخر

                            ( غلا 1: 7)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                           باكورة الآباء البطاركة

القديس مرقس الرسول :

هو اول واشهر الشهداء في مصر وهو يوحنا الملقب مرقس وينحدر اصله من اليهود الذين كانوا قاطنين بالخمس المدن الغربية المسماه " بنتابوليس " التي كانت تقع في منطقه برقه بشمال افريقيا وقد أنشأ اليونان هذه المدن فيما بين القرنين السابع والخامس الميلادي علي حدود مصر الشمالية الغربية . وكان ميلاد القديس مرقس في مدينة القيروان التي تقع في اقليم ليبيا بهذه المنطقة . وكان مرقس منذ ولادته ينعم بما كان لاسرته من ثروة كبيرة واراضي زراعية شاسعة ولذلك تمكن ابواه من ان يهيئا له افضل سبل التعليم والثقافة . فاتقن اللغتين اليونانية واللاتينية ، كما اتقن اللغة العبرية وتعمق في دراسة كتب التوراة والناموس اليهودي . غير ان بعض القبائل المتبربرة من البدو هجمت علي اسرة مرقس في القيروان وهبتها – وكان ذلك في عهد الامبراطور الروماني اغسطس قيصر – فاضطرت هذه الكريمة الي الهجرة ، ومن ثم نزحت الي فلسطين موطن اجدادها الاولين . وكانت قد استقرت هناك حين بدأ السيد المسيح ينادي ببشارته ، وبذلك اتيح للقديس مرقس في حداثته ان يري السيد المسيح ويؤمن به ويصبح من تلاميذه . وكذلك تبعته ام مرقس واستضافته في بيتها . وصارت من النسوة اللاتي يخدمنه ، كما كان بيتها هو اول كنيسة مسيحية في العالم ، ولذلك كانت لهذه السيدة مكانه عظيمة بين المسيحيين الاوائل . وفي بيتها تناول السيد المسيح عشاءه الاخير مع تلاميذه عشية صلبه . وفيه كان يجتمع التلاميذ بعد قيامه السيد المسيح ،  حيث دخل عليهم واظهر لهم نفسه . وفي هذا البيت حل الروح القدس عليهم . وحين خرج بطرس من السجن الذي وضعه فيه هيرودس مزمعا ان يقتله بسبب تبشيره بالمسيحية.  ذهب بطرس مباشرة الي ذلك البيت . والراجح ان مرقس هو الشاب الذي تبع ليله تسليمة ، إذ يقول في الانجيل الذي يحمل اسمه :" وكان يتبعه شاب يلف جسده العاري بإزار فأمسكوه ، فترك الازاز وهرب عاريا ( مر 14 : 51 ، 52 ) وقد بدأ القديس مرقس كرازته مع بطرس الرسول في منطقة اليهودية ، وفي جبل لبنان ، وفي بيت عنيا ، وفي مناطق من سوريا ولا سيما إ نطاكية حتي سنه 45 ميلادية – ثم كرز مع القديس بولس وبرنابا في رحلتهما الاولي في قبرص وفي باخوس ، حتي إذا وصلوا الي " برجه بمفيلية " تركهما هناك وعاد الي اورشليم سنه 51 ميلادية . ثم ظهر في انطاكية مرة اخري بعد مجمع اورشليم واشترك مع القديسين . وبولس في تاسيس كنيسة روما . وبعد ذلك قصد القديس مرقس وحده الي مسقط رأسه في شمال افريقيا حيث بشر الخمس مدن الغربية وهي القيروان ، وبرينيكي وبرقه وارسينوي وابولونيا .

وكانت هذه المدن في ذلك الحين تحت حكم الرومان ، وكان شعبها خليطا من اليونايينوالليبين والرومان واليهود وكانت ذات عبادات وثنية وثقافة يونانية . وقد وصل القديس مرقس الي هذه البلاد في نحو سنه 58 ميلادية . وهناك واظب علي التبشير ، وكانت تجري علي يديه كثير من المعجزات ، مما جذب اليه كثيرين من المؤمنين فيقول ساويرس بن المقفع اسقف الاشمونيين في كتابه " تاريخ البطاركة " فلما عاد القديس مرقس من روما قصد الي الخمس مدن اولاً ، وبشر في جميع انحاءها بكلام الله ، واظهر عجائب كثيرة ، حتي انه ابرأ المرضي وطهر البرص واخرج الشياطين ، بنعمة الله الحاله فيه فأمن بالسيد المسيح كثيرون وكسروا اصنامهم التي كانوا يعبدونها وعمدهم باسم الاب والابن والروح القدس . وبعد ان قضي مرقس الرسول يبشر في الخمس المدن الغربية نحو تسع سنوات واتجه بعد ذلك الي الاسكندرية سنه 61 ميلادي وكانت هي عاصمة مصر في ذلك الحين ، كما كانت العاصمة الثقافية للعالم كله – وكانت مدرسة الاسكندرية الفلسفية الشهيرة هي مركز العلم والفلسفة في كل الامبراطورية الرومانية . وقد كانت تزدحم بعدد عظيم من كبار العلماء كما كانت تزدحم مكتبتها الشهيرة بمئات الالاف من الكتب النادرة والمخطوطات المتعمقه في كل العلوم ، وكانت تلك المدينة الضخمة حينذاك تضم نحو مليون شخص من المصريين والرومان واليونان واليهود والفرس والاحباش وغير ذلك من الاجناس التي تعتنق عددا لا يحصي من ديانات الامم مختلفه . وقد وقف مرقس وحيداً امام كل هذه الديانات والفلسفات يتأهب لان يصارعها جميعا وان ينتصر عليها كلها

وقد كان قدوم مرقس الرسول الي الاسكندرية في الغالب عن طريق الواحات ، ثم الصعيد ثم تقدم شمالاً نحو بابليون ويقال انه في هذه الفترة كتب إنجيله بالغة اليونانية ثم غادر بابليون الي الاسكندرية ، وهو لا يفتأ يجول مبشرا في الطرقات – وكان حذاؤه قد تمزق فمال علي إسكافي في المدينة يدعي انيانيوس ليصلحه . وفيما الاسكافي يفعل ذلك دخل المخراز في يده فأدماها ، فصرخ قائلاً " ايس ثيئوس" أي " يا الله الواحد " فانتهز القديس مرقس هذه الفرصة واخذ يده فشفاها ، ثم راح يبشر ه بذلك الاله الواحد الذي هتف باسمه وهو لا يعرفه ، فامن الاسكافي بكلامه ودعاه الي بيته ، وجمع له اقاربه واصحابه فبشرهم بالمسيح وعمدهم فكانوا هم باكورة المؤمنين في مصر كلها .

فلما رأي الوثنيين بوادر نجاح الرسول في بشارته حنقوا عليه وراحوا يتربصون به الدوائر ليفتكوا به ولكنه واصل اداء رسالته غير عابيء بما يدبرون ، فأقام انيانوس اسقفا ، ورسم معه قسوسا وشمامسة ، وشيد اول كنيسة بالاسكندرية في الجهة الشرقية منها عرفت بأسم " بوكاليا " وبذلك اغزداد عدد المؤمنين زيادة كبري في وقت وجيز . وفي ذلك يقول المؤرخ السكندري يوسابيوس الشهير " كان جمهور المؤمنين الذين اجتمعوا هناك في البداية من الكثرة حتي ان الفيلسوف اليهودي فيلون وجده امرا جديرا بالاهتمام ان يصف جهادهم واجتماعاتهم وتعزياتهم وكل طرق معيشتهم ويقول الاب شينو في كتابه " قديسو مصر " إن الحياة التي تدعوا الي الاعجاب في مصر بعد الايمان جعلت الفيلسوف اليهودي الشهير فيلون يؤكد فيما بعد ان الاسكندرية اعادت الينا ذكر الايام الاولي التي كانت لكنيسة اورشليم .

وقد اسس القديس مرقس بالاسكندرية مدرسة لاهوتية لتتصدي لتعاليم المدرسة الوثنية التي كانت هي الخلفية الطبيعية لمدرسة اثينا وكان يقوم بالتدريس فيها اكبر الفلاسفة الوثنيين في ذلك الحين .

وقد اقام مرقس الرسول القديس يسطس اول رئيس للمدرسة اللاهوتية ، هو الذي صار فيما بعد سادس اسقف للاسكندرية .

كما ان القديس مرقس وضع القداس الالهي للصلوات الكنسية وهو المعروف بالقداس المرقسي او الكيرلس نظرا لان البابا كيرلس الاول هو الذي دونه بعد ان كان رجال الكنيسة يتسلمونه بعضهم من بعض شفهيا . فلما راي الوثنيين بوادر نجاح الرسول في بشارته اشتد حنقهم عليه وراحو يتربصون به الوائر ليقتلوه .  ولكنه واصل اداء رسالته غير عابيء بما يدبرون ثم اعتزم ان يترك مصر بعض الوقت ويعود ليفتقد اولاده من المؤمنين في الخمس مدن الغربية ثم مضي منها الي افسس حيث تقابل مع القديس تيموثاوس ، ثم اتجه الي روما تلبية لدعوة القديس بولس الرسول ، وبقي معه هناك حتي استشهاده في سنه 67م ، وبعد ذلك عاد الي مصر واستأنف فيها عمل الكرازة وقد كان عدد المؤمنين لا يفتأ يتزايد تزايدا عظيما .  فلما كثر عدد المؤمنين وتوطدت دعائم الكنيسة التي اسسها تغلغل الحقد في قلوب الوثنيين عليه واضمروا الغدر به ، حتي اذا كان عيد القيامة المجي\ في 26 ابريل سنه 68م الذي يوافق 30 برموده بالتقويم المصري القديم وكان المسيحيون يحتفلون بهذا العيد في كنيسة بوكاليا وقد تصادف ان كان ذلك اليوم هو نفسه يوم الاحتفال بعيد الاله الوثني ، وقد تدفقت جموع الوثنيين للاحتفال بهذا العيد ، فلما علموا ان القديس مرقس يحتفل بعيد القيامة في الكنيسة مع شعبه حتي اندفعوا الي الكنيسة في جموع ساخطة وهجموا علي القديس ووضعوا حبلا في عنقه والقوه علي الارض وراحو يسحلونه في طرقات المدينة وساحاتها وهو لا يفتأ يرتطم بالاحجار والصخور حتي تناثر لحمه ونزف دمه واستمروا يفعلونه به هكذا طوال النهار ، حتي اذا خيم الليل القوا به في السجن . وفي ظلام ذلك السجن ظهر له السيد المسيح في نور عظيم وشجعه وقواه وهو يخاطبه قائلا ( يا شهيدي الامين ) واعدا اياه بفردوس النعيم ، ولذلك اصبح لقب القديس مرقس المعروف به في طقوس الكنيسة وصلواتها هو ( ثيورديموس ) أي ( ناظر الاله ) ثم في فجر اليوم التالي عاد الوثنيين الي القديس مرة اخري ، ورابطوا عنقه ايضا بحبل غليظ ، ثم راحوا يسحلونه كذلك في كل طرقات الاسكندرية حتي اسلم الروح . علي ان موت القديس لم يهديء من ثائرة الوثنيين وحقدهم فاعتزموا حرق جثته بعد موته إمعانا في التنكيل به والتشفي منه وبالفعل جمعوا كومه عظيمة من الحطب واعدوا نارا للمحرقة ، غير انه حدث في اللحظة التي اوشكوا فيها ان يلقوا الجسد في النار ان هبت عاصفة مصحوبه بمطر غزير فانطفأت النار وتفرق الشعب وعندئذ اسرع جماعة من المؤمنين فأخذوا الجسد وحملوه الي كنيسة ( بوكاليا ) ووضعوه في تابوت ثم صلي عليه خليفته القديس إنيانوس مع الاكليروس والشعب ودفنوه في قبر نحتوه في الجانب الشرقي من الكنيسة اطلقوا عليها اسم كنيسة القديس مرقس ، وتحتفل الكنيسة القبطية في كل الانحاء بذكري استشهاد القديس يوم 30 برموده من كل عام وقد كان استشهاده  في الثامنه والخمسون من عمره .

وقد ظل جسد القديس مرقس في تابوته حتي سنه 644م في كنيسة بوكاليا بالاسكندرية ، وكانت تطل علي الميناء الشرقي للمدينة . فلما وقع الانشقاق العقيدي في مجمع خلقدونية سنه 450م تعرضت الكنيسة القبطية التي تؤمن بالطبيعة الواحدة والمشيئة الواحدة للسيد المسيح  لا ضطهاد عنيف من اصحاب بدعه الطبيعتين والمشيئتين الذين اطلق عليهم لقب الملكيين لانهم اعتنقوا مذهب الملك الروماني واستولي اولئك الملكيون علي الكنائس القبطية ومنها كنيسة القديس مرقس بالاسكندرية وبداخلها جسد القديس وظلت تحت سيطرتهم حتي سنه 644م . وفي هذه السنه التي تم فيها الفتح العربي لمصر بقياده عمرو بن العاص ، حاول احد البحارة سرقت راس القديس بعد ان فصلها عن الجسد وخبأها في سفينه معتقدا انها تخص رجلا عظيما ولكن حين تحرك اسطول عمرو بن العاص وخرج كله من الميناء حدث ان السفينة التي تحمل راس القديس ثبتت في مكانها ولم تشأ ان تتحرك علي الرغم من كل ما بذله البحارة من المحاولات ، فادركوا ان في الامر سرا ومن ثم اصدر عمرو بن العاص امره بتفتيش السفينة . فلما اخرجوا الرأس تحركت السفينة علي الفور . فإستحضر عمرو بحار السفينة واستجوبه فلما علم انه سرق هذا الرأس من الكنيسة إستدعي القديس بطرس بطريرك الاقباط وسلمه الرأس كما وهبه عشرة الاف دينار لبناء الكنيسة لصاحب هذا الرأس الذي له كل هذه الكرامة . وبالفعل تم بناء الكنيسة بالاسكندرية وهي المعروفة بالمعلقة بالقرب من المسله الاثرية ، وقد إستقر الرأس فيها حتي القرن السادس ، بينما كان جسد القديس مرقس راقدا في كنيسة بوكاليا التي كانت لا تزال تحت سلطان الرومان الملكيين وقد ظل الجسد في هذه الكنيسة حتي حدث في نحو عام 815 م او بعدها بسنوات قليلة ان احتال بعض البحارة من اهل البندقية وسرقوه ونقلوه الي مدينتهم حيث ظل بها واهتم حاكم البندقية جستنيان ببناء هيكل فخم جميل ووضع فيه الجسد ، غير ان هذا الهيكل احترق سنه 977م فجدد عمارته الدوق بطرس ارسيلوا ، ثم اقيمت للجسد كنيسة تعتبر من اضخم وافخم كنائس العالم وهي كنيسة القديس مرقس بالبندقية وقد بدأ في بناءها سنه 1052 م ولم يتم بناؤها الا في القرن الثامن عشر للميلاد وقد تباري في بنائها وزخرفتها اعظم واقدر مهندسي وفناني العالم فخرجت تحفه بديعة رائعة . أما رأس القديس مرقس فقد ذكرنا ان البابا بنيامين الثامن والثلاثين بدأ في بناء كنيسة لتوضع فيها الرأس . غير ان الرومان بدأوا يحاولون الاستيلاء علي الرأس ايضا . حتي اخذها الاقباط المؤمنين وخبأها في دير القديس مكاريوس ببريه شيهيت حوالي سنه 1013م . ثم في خلال القرن الحادي عشر وحتي القرن الرابع عشر تتابع نقل رأس القديس الي كثير من بيوت اغنياء الاقباط لاخفائها عن الولاه العرب الذين كانوا لا يفتأون يفتشون عنها ليقسروا علي دفع مبالغ ضخمة لاستعادتها فكانوا لا يعلمون ان رأس القديس موجوده بإحد بيوت سراة الاقباط حتي يقبضوا عليه ويضربوه ويهينوه ويفرضوا عليه مبلغاً فاحشاً من المال فإذا اضطر إلى دفعه تركوا الرأس له و إذا رفض أو عجز نكلوا به و أوثقوه و القوة فى السجن و قد تكرر هذا مراراً كثيرة ، و حتى تم أخيراً بناء مدفن خاص لرأس القديس فى الكنيسة المرقسية بالإسكندرية فى القرن الثامن عشر و وضع فيه داخل صندوق من الرخام . و ذلك منذ ايام بطرس السادس .

و قد ظل جسد القديس مرقس راقداً فى كاتدرائيته العظمى فى البندقية منذ سنة 828م حتى طلب البابا كيرلس السادس بطريرك الأقباط الأرثوذكس من بابا روما إعادة الجسد إلى موطنة الأصلى فى مصر و كان ذلك بمناسبة الاحتفال بمرور تسعة قرناً على استشهاد القديس ، و كذلك بمناسبة تأسيس الكاتدرائية المرقسية الكبرى بأرض الأنبا رويس بالعباسية بالقاهرة لتكون مقراً للجسد المقدس و فى يوم 24 يونيو سنة 1968 ميلادية عاد الوفد الذى أوفده البابا كيرلس السادس لإعادة الجثمان إلى مصر ، و معه أعضاء البعثة التى أوفدها بابا روما ما يحملون الرفات المقدس . و كانت فى هذه الأثناء أجراس الكنائس تدق فى القاهرة كلها ابتهاجاً بهذه المناسبة الرائعة .

ثم فى الساعة السادسة من صباح يوم الأربعاء 26يونيه سنة 1968م بدأ الاحتفال الدينى الطقسى بإفتتاح الكاتدرائية المرقسية الجديده بدير الأنبا رويس بالعباسية بالقاهرة ، فجاء قداسة البابا كيرلس السادس بسيارته يحمل صندوق رفات القديس مرقس الرسول من الكاتدرائية المرقسية بالازبكية التى ظل موضوعاً بها منذ ثلاثة ايام و تقدم الموكب يحف به المطارنة و الأساقفه و الكهنة و الشمامسة إلى أن صعد البابا إلى الكاتدرائية الجديدة ، و وضع الصندوق بكل إجلال على مائدة خاصة فى شرقية الهيكل ، و بدأت مراسم القداس الحبرى الحافل الذى خدمه قداسة البابا كيرلس السادس و اشترك معه مار أغناطيوس يعقوب الثالث بطريرك إنطاكية و سائر المشرق للسريان الأرثوذكس و عدد من المطارنة الأقباط و الأثيوبيين و السريان و الهنود الأرمن الأرثوذكس ، و حضرة الإمبراطور هيلاسلاسى الأول إمبراطور أثيوبيا و الكاردينال دوفال رئيس البعثة البابوية الرومانية و كثير من رؤساء الأديان و المطارنة و الأساقفة و رجال الدين من مختلف بلاد العالم و نحو عشرة آلاف من الشعب و ما أن انتهى القداس حتى نزل البابا كيرلس يحمل الرفات و معه الإمبراطور و بطريرك السريان الأرثوذكس و رؤساء الكنائس فى موكب كبير و اتجه إلى مزار القديس مرقس الذى كان قد سبق إعداده تحت المذبحالرئيسى للكاتدرائية و أوضع الصندوق المزخرف فى القبر الرخامى و غطس بلوحة رخامية كبيرة وسط الترتيل و الأناشيد . و قد اشتهر القديس مرقس الذى أسس كنيسة الإسكندرية بلقب ظل يطلق علية على مدى التاريخ القبطى كله و هذا اللقب هو " كاروز الديار المصرية و رئيس بطاركة كرسى اٌسكندرية العظمى " .

و قد اشتهر أسم القديس مرقس على مدى التاريخ المسيحى و القبطى فأصبح يطلق بعده على كثير من البطاركة و الأساقفه و الكهنة و الرهبان و الكنائس باعتباره هو كاروز الديار المصرية و مؤسسها .

أ- فمن بطاركة الأقباط الأرثوذكس أطلق اسم هذا القديس على سبعة منهم و هم مرقس الثانى البابا 49 و مرقس الثالث البابا 73 و مرقس الرابع البابا 84 و مرقس الخامس البابا 98 و مرقس السادس البابا 101 و مرقس السابع 106 و مرقس الثامن 108 .

ب- أما الأساقفة الذين أطلق عليهم القديس مرقس فكانوا كثيرين جداً ، لم يخل منهم عهد أو مكان و من أمثلة ذلك انه عندما قام البابا بنيامين و هو الثانى و الثمانون يضع الميرون شاركه فى ذلك إثنا عشر أسقفاً كان منهم أربعة باسم مرقس . و فى عهد البابا ديمتريوس الثانى كان وكيل الكرازة المرقسية و هو الأنبا مرقس مطران البحيرة . كما كان يوجد بهذا الأسم الأنبا مرقس مطران ابو تيج . و يوجد حالياً نيافة الأنبا مرقس الأسقف الارثوذكسى لمرسيليا و طولون بفرنسا . كما يوجد بهذا الاسم فى المجمع المقدس فى الوقت الحالى الأنبا انطونيوس مرقس الأسقف العام لشئون أفريقيا و الأنبا مرقس أسقف شبرا الخيمة .

ج- أما الكهنة و الرهبان و النساك الذين يحملون اسم القديس مرقس فعددهم عظيم جداً يصعب حصره . و قد بنيت كنائس كثيرة فى أنحاء مصر باسم القديس مرقس فأندثر بعضها و بقيت آثار البعض الآخر .

 

من أقاصى الأرض خرج منطقهم و إلى أقصى المسكونه بلغت أقوالهم

 

+ البابا إنيانوس ( 68م – 86م )

لما كان القديس العظيم مار مرقس الرسول هو مؤسس الكنيسة القبطية فهو يعد البابا الأول للإسكندرية ، و تعاقب من بعده الباباوات على سدته و كانوا خلفاءه و استمروا يتعاقبون الواحد تلو الأخر فى سلسلة مترابطة متصلة الحلقات منذ استشهاده إلى يومنا هذا حتى الخليفة المرقسى الأن حضرة صاحب الغبطة و القداسة البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث البابا المائة و السابع عشر و كان إنيانوس الخليفة التالى لمار مرقس و قد نال كرامة رياسة الكهنوت المقدس على يد القديس البشير نفسه . ( قصة الكنيسة القبطية إيريس حبيب المصرى )

 

+ من هو انيانوس

إن إنيانوس باكورة العمل الكرازى للقديس العظيم مار مرقس . هو البطريرك الثانى من بطاركة الكرسى الإسكندرى . و قد كان من أهالى مدينة الإسكندرية ، إبنا لوالدين و ثنيين و كان إسكافياً و حدث عند قدوم العظيم مار مرقس الرسولى إلى الإسكندرية قادماً من الخمس مدن الغربية بعد قضاء تسع سنوات هناك انه اتجه إلى الواحات ثم الصعيد ثم تقدم شمالاً نحو نابليون و غادرها إلى الإسكندرية و هو يجول مبشراً فى طرقاتها حتى انقطع حذاؤه و كان ذلك فاتحة خير لأعماله المجيدة إذ دبرت العناية الإلهية أن يمر على إسكافى بالسوق هو إنيانوس و بينما هو يصلح حذاءه دخل المخرز فى إصبعه ، فصرخ قائلاً ( ايس ثيئوس اى يا الله الواحد ) فتعجب القديس مرقس عند سماعه هذه الكلمة اليونانية و وجدها فرصة مناسبة ليحدثه عن الله الواحد . و كان لبد أن يشفى يده أولاً و يخلصه من ألمه ثم يتحدث معه بعد ذلك . و هكذا تفل القديس مرقس على اتراب من الأرض و دهن به أصبع إنيانوس فبرئ فى الحال و تعجب إنيانوس جداً من هذه المعجزة التى حدثت باسم يسوع المسيح و تفتح قلبه لكلمة الله .

و أخذ القديس مرقس يسأل إنيانوس عمن يكون هذا الإله الواحد الذى نطق الإسكافى بإسمه . فأجابه انيانوس اننى لا اعرف و لكنى اسمع عنه و هنا بدأ القديس مرقس يحدثه عن ألوهية السيد المسيح و عن سر تجسده و موته و قيامته و عمل الآيات باسمه و ما ان إنتهى انيانوس من اصلاح الحذاء و سلمه لمار مرقس ، حتى دعاه أن يذهب معه إلى بيته ليكمل له هذا الحديث اللاحوتى الشيق و جمع له اقاربه و اصحابه و لما دخل مار مرقس إلى بيت انيانوس رسمه بعلامة الصليب المقدس و قال " بركة الرب تحل فى هذا البيت " و قد صار البيت فيما بعد كنيسة بأسم

مار جرجس كما ورد فى سنكسار 20 هاتور و فى تاريخ البطاركة لابن المقفع . و عرف هذا الموضع على مدى تاريخه الطويل بعده اسماء مختلفه منها ( بيت انيانوس ) و كان كنيسة 0تحت الارض بأسم مارمرقس وفيها دفن القديس مرقس في موضع اسفل هذه الكنيسة . اصبحت من بعده عادة ان تدفن الاباء البطاركة الاسكندريين بعد نياحتهم مع جسد مارمرقس في مقبرته . ثم جلس مارمرقس مع إنيانوس ومع اسرته يحدثهم عن السيد المسيح وعما ورد عنه في كتب الانبياء وما حدث في صلبه العظيم والفداء الذي قدمه للعالم من اجل افتدائنا ومصالحتنا مع الله . فاتضاء عقل إنيانوس وامن هو اهل بيته وعمدهم مارمرقس فكانوا هم باكورة المؤمنين في مصر كلها والثمرة الاولي لتعب مارمرقس في سبيل نشر الكرازة .

 

رسامته اسقفاً :

امام ازدهار الايمان الكبير في مصر ونجاح مرقس الرسول في بشارته استشاط الوثنيون غيظاً وفكروا في قتل مارمرقس وراحو يتربصون به الدوائر ليفتكوا به فنصحه المؤمنين ان يبتعد قليلا من اجل سلامة الكنيسة ورعايتها حينئذ قام بسيامه القديس إنيانوس اسقفا علي الاسكندرية حوالى عام 64م صام معه ثلاثه من الكهنه هم ميليوس وسابينوس وسردنوس وايضا سبعه من الشمامسة. كانت سيامته في مده حكم وسبانيوس قيصر في شهر بشنس .

ثم ذهب مارمرقسليفتقد الشعب الذي بشره في الخمس المدن الغربية بلبيا والذين حملوا رساله الكرازة الي مواطنهم اثناء غياب القديس العظيم مارمرقس ومكث هناك سنتين يبشر ويرسم كهنه بعد استشهاد الرسولين العظيمين القديس بطرس والقديس بولس رجع مارمرقس الي الاسكندرية فواجد ان تعبه لم يذهب هباءاً وان غرسه قد نما وازدهر وكان عمل القديس إنيانوس الاسقف في الكرازة واضحا لدرجة ان عدد المؤمنين قد تزايد جدا وقد بنوا لهم كنيسة في المنطقة الشرقية من الاسكندرية عرفت بأسم " بوكاليا " ( كلمة بوكاليا معناها دار البقر وقيل انها سميت كذلك لانها كانت حظرة للبقر او لانها كانت تنبت في ذلك المكان حشائش واعشاب بريه فكانوا يرعون فيها البقر وموضعها الان الكنيسةالمرقسية بالاسكندرية ) كما بنوا الي جوارها عدداً من المساكن جعلوها بيوت ضيافة للغرباء والفقراء ثم لمانال الكاروز العظيم إكليل الشهادة في 30 برمودة في السنه الرابعة عشرة لحكم نيرون الظالم في 26ابريل سنه 68م اتي القديس إنيانوس ومعه جماعه من المؤمنين الباسلين فأخذوا جسد ابيهم في الايمان وحملوه الي كنيسة بوكاليا ووضعوه في تابوت حيث صلي عليه خليفته القديس انيانوس مع الاكليروس وكل الشعب وتبارك الجميع منه وتسلم انيانوس رعايه الشعب المسيحي مباشرة لانه قد نال الكرامة الاسقفية من يد القديس مرقس نفسه عام 64م أي قبل استشهاده باربع سنوات . فاصبح انيانوس بذلك البابا الاسكندري الثاني واول السلسه المتنية التي تتألف من تعاقب خلفاء القديس مرقس واحدا بعد الاخر علي السده المرقسية الجليلة . وقد كان البابا انيانوس من الحكماء الصالحين الساهرين علي رعيتهم يعلم الشعب وثبته علي الايمان القويم باخلاص متناه وبهمة لا تعرف الملل وكان فوق كل هذا علي جانب عظيم من البساطة والتواضع فاستطاع بجهاده الحسن ان يكسب عددا كبيرا من الشعب الي المسيحية كما استطاع ان ينشر الايمان المستقيم في ربوع مصر وان يثبت قلوب المصريين علي هذا الايمان فقام الكثيرون من ارباب المناصب العالمية والاكابر والاعيان وبعض رجال الدوله بالالتفاف حوله بعد اعتناقهم الديانه المسيحية وكثر المؤمنين فرسهم منهم كهنه وخداما .

وقد شهد المؤرخون للبابا انيانوس بالصلاح والتقوي وقال عنه اوسابيوس المؤرخ " انه كان محبوبا من الله مقبولا عنده " وقال اخر " كان قلبه ينظر قلب الله ويعرف مشيئته ويتممها "

 

نياحته :

تنيح في 20 هاتور من عام 86م وهي السنه الثانية من ملك دوميتيانوس امبراطور الرومان وكان قد تولي اثناء جلوس البابا انيانوس علي كرسي مارمرقس سبعه قياصرة هم نيرون وجلبا وواثون وفيتليوس وسباسيان ، وتيطس ، ودومتيان .

بهذا يكون البابا انيانوس قد سيم اسقفا عام 64م بيد القديس مرقس نفسه وجلس علي كرسي مارمرقس كخليفة له فيعام 68م واستمر في خلافته المرقسية حتي 20هاتور 86م تاريخ نياحته بسلام أي نحو اثنين وعشرون سنه من رسامته اسقفا فيكون بهذا قد استمر مسئولا عن شعب السيد المسيح كبطريرك مده ثماني عشرة سنه وكانت ايام رئاسته كلها هدوءا واستقرارا .

وكان البابا انيانوس اول من حمل لقب " بابا" كما يتضح من المخطوطات القديمة ولقد حمل خلفاء مارمرقس لقب " بابا" ومعناه " ابو الاباء " من البداية وقد جاء في اوشي الاباء للقداس الالهي للقديس مرقس والذي رتبه فيما بعد البابا كيرلس عمود الدين ( البابا الاسكندري ال24)

ما نصه :

صلوا من اجل ابينا الانبا ( فلان) بابا وبطريرك وسيد ورئيس اساقفه مدينة الاسكندري العظمي .

فلتكن روح القدس البابا انيانوس والبطريرك الثاني معنا وليعطينا الرب ان نسير معه علي الطريق فلا نفتخر باطلا باننا ابناء ابناء القديسين دون ان نعمل عملهم مكملين رسالتهم .

 

البطريرك الثالث البابا ميليوس ( 86م- 98م)

يعتبر البابا ميليوس ثالث بطاركة الاسكندرية وقد انتخب للبطريركية بعد نياحة البابا انيانوس في شهر كيهك سنه 86م في السنه الخامسة عشرة من ملك دوميتيانوس قيصر ابن اسباسيانوس ملك رومية وقد انتخب باجماع اراء الشعب . وكان هذا البابا مشهورا بالعفاف متصفا بالتقوي والغيرة علي رعية المسيح فحذا حذو سلفه في بث الدعوة الي الايمان وقد نال الكرامة الكهنوتية العليا بعد صعود ربنا يسوع المسيح بخمس وخمسين سنه فرعي رعية الله احسن رعاية اقام علي الكرسي المرقسي اثنتي عشر سنه وتنيح في اول توت 98م .

 

البطريرك الرابع الباباكردنوس ( 98 م – 108م)

إجتمع الاساقفة والكهنة والشعب وتشاورا حول من يجلس خلفا للبابا ميليوس فالقوا قرعه لكي يعرفوا من يستحق الجلوس علي كرسي الاسكندرية فأتفق رأيهم بتأييد روح الله القدوس علي إنتخاب رجل فاضل اسمه كردنوس قيل أنه ممن عمدهم الرسول مرقس الرسول فرسم بطريركاً في 7توت 98ك في عهد تراجان قيصر وكان عفيفاً متصفاً بكل الصفات الصالحة فرعى الكنيسة باجتهاد وأمانة فكان أشهر وأتقى وأعلم وأفضل رجال الدين في عصره ( تاريخ الكنيسة القبطية الشماس منسي يوحنا ) وقبض عليه واستشهد في الإضطهاد الذي اثاره تراجان قيصر في 21 بؤونة 108م وكانت خدمته للكنيسة مدة 10 سنين و9 شهور و10 أيام وقد خلا الكرسي بعدة ثلاث سنوات – أو تزيد – نظرا لشدة الاضطهاد وعدم تمكن الشعب المسيحي من انتخاب خليفة له .

 

 

 

 

 

مدرسة الإسكندرية اللاهوتية

نشأة هذه المدرسة وشهرتها :

عندما حضر مارمرقس إلى مصر كانت الإسكندرية مركزاً هاماً للثقافة الوثنية ، وفي مدرستها الوثنية ومكتبتها الشهيرة تخرج كثير من الفلاسفة والعلماء – فكان لابد أن يقيم مدرسة لاهوتية لتثبيت الناس في الدين وترد على افكار الوثنين وكان مارمرقس نفسه باللغات العبرية والاتينية واليونانية وحسب ثقافته أدرك مقدار خطر الفكر الوثني وهكذا انشأ مدرسة لاهوتية مسيحية في الإسكندرية عين لرئاستها العلامة يسطس .

المدرسة الوثنية والمدرسة المسيحية ومدى العلاقة بينهما :

المدرسة الوثنية هي التى أنشأها بطليموس الاول ملك مصر وقد بلغت ذروتها في العلوم والفلسفة في القرن الاول للمسيحية ولم توجد مدرسة تعادلها في دراستها الطبيعية والعلمية في الطب والتشريح والرياضة والفلك من أجل هذا كانت هذه المدرسة منافسا للمدرسة المسيحية . ومع ذلك عاشت المدرستان جنباً إلي جنب لكل منها طابعه الجامعي الخاص .

ولكن هدف التعليم في المدرستين يختلف :

اولاً : هدف الدراسة في المدرسة الوثنية هو الوصول الى مركز مرموق في الدولة بينما في المدرسة المسيحية لم يكن هدفاً على الرغم من أن خريجي هذه المدرسة يصلحون لذلك .

ثانياً : كان مستوى طلبة المدرسة الوثنية الأخلاقى وكذلك الأساتذة منحطاً بعكس المدرسة المسيحية فالأخلاق كانت من ابرز خواص المدرسة أساتذة وطلبة .

ثالثاً : أن الفلسفة والعلوم كانت تدرس في المدرسة الوثنية بقصد الثقافة بقصد بينما كانت تدرس في المدرسة المسيحية لغرض ديني .

رابعاً : كان طلبة المدرسة الوثنية من مستوى ثقافي وأجتماعى معين والطلبة كانوا ذكروا فقط عكس المدرسة اللاهوتية كان التعليمن عاما للجميع لا تميز بين السيد والعبد والذكر والأنثى الجميع واحد في المسيح يسوع بالإضافة إلي أن سنوات الدراسة في المدرسة الوثنية كانت محدودة عكس المدرسة اللاهوتية فكانت غير محدودة .

المدرسة اللاهوتية ( سماتها ومنهجاً وخطة الدراسة فيها ) :

كان فلاسفة الوثنيون يدرسون الكتاب المقدس لكي ينقضوه ويشككوا الناس فيع ولذلك وقفت المدرسة اللاهوتية تناهض الوثنية بكل طاقاتها واصبح لها دور هام في المنافسة الفكرية حتى إنها أدخلت في برامجها الفلسفية الوثنية بشتى فروعها على يد القديس إكليمنضس الإسكندري ( حتى تستطيع ان ترد على هجمات الوثنين ) كما نادى القديس إكليمنضس بأن الفلسفة خادمة امونيوس السقاص زعيم فلاسفة الوثنين .

أما عن خطة الدراسة ونظامها في الدراسة اللاهوتية :

·  لم تكن الدراسة بالمدرسة اللاهوتية دراسة عقلانية كما توهم البعض لكن كانت هناك رياضيات روحية فكانوا يصلون ويقرأون ويصومون .

·  وقد كانت الاكليريكة في عهدها الأول مدرسة دينية مسيحية تعنتي بشرح التعليم المسيحي وتبسيطة بطريقة السؤال والجواب وكان طلابها من ثلاثة أنواع :

1 – فريق كان وثنيا يريد أن يعرف الحقيقة ) فيفتش عليها بالدراسة في هذه المدرسة .

2  – الفريق الثانى من كان وثنياً وأمن بالمسيحية ولكنه لم يكن قد حصل على سر المعمودية ( أي كان في صفوف الموعوظين ) وما زال يدرس ويؤدى امتحانات حتى إذا جاز الامتحان النهائى يسمح له بالعماد .

3 – الفريق الثالث والأخير وهم المسيحيين ولكن للدخول للعمق اكثر ولكي يزداد رسوخاً وأيماناً يدرس في هذه المدرسة ولكي يتمكن من الخدمة في الكنسة والعمل على نشر المسيحية

و لقد تناظر أساتذة و علماء المدرستين الوثنية و اللاهوتية و كان نتيجة لذلك أن اهتمت المدرسة اللاهوتية بدراسة العلوم و الثقافة المختلفة فقد أدخلت فيها علوم الطب و الكمياء و الطبيعة و الحساب و الهندسة و الفلك و الجغرافيا و التاريخ و الموسيقى و اللغات .

و لم يكن للمدرسة الاكليريكية اللاهوتية فى عهودها الأولى مبنى خاص أنما كانت مركزة فى علمائها . و حيثما يوجد أستاذها كانت توجد المدرسة – و كان الأستاذ يأخذ تلاميذه فى بيته الخاص . و قد ذكر عن العلامة اوريجانوس اشهر أساتذتها يستأجر لها قاعات ليعظ فيها فى أيام الاضطهاد و الاستشهاد فلما كانت تلك القاهات تحطم بسببه كان يستأجر غيرها أو يعلم فى أى مكان . و قد كان الأستاذ له الحرية أن يعلم طلبته كما يتهيأ له الظروف أو كما توصى إليه طبيعته الخاصة أو حاجة الطلاب و ظروفهم و لكن بعد ذلك بدأت الاكليريكية تعد منهج خاص للدارسين ينقسم إلى ثلاث مراحل :-

 

المرحلى الأولى :-

مرحلة العلوم فيها يدرسون الهندسة و الفسيولوجيا و الفلك ( هذه الدراسة لتنمية ملكات الاستدلال و الملاحظة و النظام )

 

المرحلة الثانية :-

دراسة الفلسفة و أقوال الفلاسفة و تفسيرها .

 

المرحلة الثالثة :-

مرحلة دراسة العلوم اللاهوتية و كان المنهج الجدلى هو المنهج المتبع فى دراسة اللاهوت . هكذا كان لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية أهمية خاصة حتى أن الإمبراطور ثيؤدسيوس قال مرة " أن الذى يهرب من هذه المدرسة يعد كافراً "

 

مدرسة الإسكندرية و التفسير الرمزى :-

كان عمل المدرسة الرئيسى هو شرح كلمة الله بطريقة روحية و إعلان ما تحمله من أعماق داخلية وراء الرموز .

و كانت مدرسة الإسكندرية التعليمية أشهر معهد فى العالم المسيحى الأول و كان اهتماماً منصبا على دراسة الكتاب المقدس و قد ارتبط اسمها بالتفسير الكتابى

 

دور المدرسة فى حياة الكنيسة و اثار طلبتها و خريجها و أساتذتها :-

كانت المدرسة جزءا لا يتجزأ من الحياة الكنسية و قدمت ضوءاً على أهمية العلم و التعليم بوجه عام كما خلقت قادة فى الفكر و فى العمل الكنسى الرعوى على المستوى المحلى و المسكونى .

1- اهتمام المدرسة بالفلسفة اليونانية تترع عنها أى نظرة ضيقة نحو المسيحية كتراث إقليمى يرتبط بجماعة محلية أو ثقافيه خاصة و بهذا ربحت الكنيسة نفوس كثيرة للسيد المسيح من عينات مختلفة على كافة الممستويات الفلسفيه و الفكرية و وصف " شان" قدرة المدرسة على الكرازة بين الفئات المتباينة خلال اتساع نظريتها قائلاً " كانت من جهة حصنا للكنيسة ضد الاشرار ... و من جهة أخرى كانت جسر للعبور من العالم إلى الكنيسة "

2- هذا الاتجاه جعل من أساتذة المدرسة رجالا مسكونيين ( أمثال إكليمنضس و اريجانوس ) و فى القرون التالية حمل رجالها أمثال القديس اثناسيوس الرسولى و كيرلس الكبير مسئوليات كنيسة على مستوى مسكونى و جاء من تلامذتها قادة فكر مسيحى أمثال القديس غريغوريوس اسقف نيصص الذى يفتخر دوماً بمعلمه القبطى العلامة اوريجانوس

3- استطاعت المدرسة أن تروى ظمأ المسيحيين بالاسكندرية نحو المعرفة الدينية وتحثهم علي الدراسة والبحث وبهذا ساهمت في إنشاء اول نظام للدراسات اللاهوتية في العالم او كانت بحق مهد اللاهوت المسيحي منها خرج رجال قادرون علي الرد علي امثال اكليمنضس وارويجانوس والدفاع ضد الاريوسية مثل القديس اثناسيوس وضد نسطور مثل القديس كيرلس الكبير .

4- قيام هذه المدرسة اعطي إمكانية الحصول علي التعليم الذي تقدمه المدرسة الوثنية العظمي لكن بواسطة معلمين مسيحيين .

 

المدرسة الاكليريكية والكرسي المرقسي : -

عندما انشأ القديس مارمرقس المدرسة الاكليريكية كان قد امن برسالتها وانه لا يمكن ان تعيش الكنيسة بدونها لان الكنيسة لا تعيش بدون اللاهوت لذلك انشأ هذه المدرسة وعين القديس انيانوس اول اسقف لادارتها وبعد ذلك تولي ادارتها في اواخر حياه مارمرقس اساتذة ومديرون اشتهروا بالعلم والتقوي والغيرة الكبيرة علي خدمة كلمة الرب كما شهد لهم يوسابيوس .

واختير منهم الكثيرون للكرسي المرقسي وبخاصة ان الرهبنه لم تكن قد ازدهرت ولا حتي قد ظهر في ذلك الزمان . واول مدير لهذه المدرسة اللاهوتية القديس العلامة يسطس الذي جلس علي كرسي مارمرقس وصار السادس في عداد البطاركة . وعين القديس امونيوس مديرا للمدرسة – ولما جلس امونيوس " السابع" علي الكرسي المرقسي عين مركيانوس لادارة المدرسة وصار مركيانوس الثامن في عدد البطاركة .

وكان البابا يوليانوس (11) من تلاميذ هذه المدرسة اللاهوتية وفي عهد البابا ديمتريوس (12) تعين ياروكلاس مديرا للمدرسة بعد اوريجانوس وصار البابا الثالث عشر وفي عهده عين القديس ديونسيوس للتدريس في المدرسة اللاهوتية وصار هو ايضا البابا الرابع عشر وكان ياروكلاس وديونسيوس من تلاميذ اوريجانوس . وتخرج من هذه المدرسة ايضا البابا بطرس

 (17) خاتم الشهداء والبابا ارشيلاوس ( 18) والبابا اثناسيوس (20) والبابا تيموثاوس (22) فقد كان التقليد الجميل المتبع ان مدير الاكليريكية هو يعين بطريركا لعمق روحانياته ولسعة دراساته اللاهوتية ...... أي ان مدير الاكليريكية يعتبر الرجل الثاني بعد البطريرك . وعن طريق هذه المدرسة حفظت التعاليم اللاهوتية المسلمة بالتسليم الرسولي والتقليد دون حذف او زيادة ولذلك كان باباوات هذه الكنيسة هم الذين يرأسون المجامع المسكونية لان هذه الكنيسة بفضل مدرستها اللاهوتية كانت معلمة المسكونه كلها في اللاهوت الاثوذكسي . لذلك فقد نجحت مدرسة الاسكندرية اللاهوتية في قيادة الكنيسة الجامعه أذ ان ابطالها في المجامع المقدسة من خريجي هذه المدرسة الذين درسوا اللاهوت الارثوذكسي دراسة خالية من الهرطقات لذلك كان الاتجاه الفكري في الاسكندرية مطبوعا بنظرة تصوفية كما كان الاتجاه في تفسير الكتاب المقدس بالاضافه الي المعني الحرفي كان هناك معنيين اخرين وهما المعني الرمزي والمعني الروحي .

 

المدرسة الاكليريكية والكنائس ( الكراسي ) الاخري :-

لم يقف عمل المدرسة اللاهوتية بالاسكندرية علي حد تخريج البطاركة او ابطال المجامع المسكونية ولكن عملها امتد خارج الكرازة المرقسية فقد تخرج من هذه المدرسة كثير من الاساقفة المشهورين لايبارشيات خارج الكرازة المرقسية ومن امثلتهم اغريغوريوس العجايبي الذي كان امن علي يد اوريجانوس وصار تلميذا له وكتب رساله كبيرة يمتدح فيها ما قاله من دراسة عميقة في المدرسة وما اخذه من قدوة صالحة من الاساتذه . وكثيرون لم يتتلمذوا شخصيا في مدرسة الاسكندرية اللاهوتية ولكنهم تتلمذوا علي كتب علمائها ومن هؤلاء القديسون باسيليوس الكبير واغريغوريوس الناطق بالالهيات ويوحنا ذهبي الفم الذين تتلمذوا علي كتب اوريجانوس ودافعوا عنه وقد احتمل ذهب الفم المحاكمة في سبيله ومن هنا جاء تسمية بطاركة الاسكندرية بقضاء المسكونة .

 

علماء المدرسة وفلاسفتها الافزاز :-

من علماء هذه المدرسة المشهودة لهم الفيلسوفاثينا غوراس وهو من المدافعين المشهورين عن المسيحية وعقائدها . ومن فلاسفتها ايضا القديس بنتينوس الذي بشر في الهند وبلاد العرب . الذي له الفضل الكبير علي الغة القبطية ثم القديس اكليمنضس الاسكندري الذي امن بالمسيحية علي يد بنتينوس وصار من اشهر علماء المسيحية ووضع كتبا عديدة اشهر المتفرقات

وخلف هذين العالمين القديسين العلامة اوريجانوس اشهر فلاسفة المسيحية وكتابتها في شتي العصور وهو يعد من علماء المدرسة الرمزية في التفسير وسار علي منهجة فيما بعد القديس اوغسطينوس .

ومن علماء المدرسة ايضا البابا ديونيسيوس ( 14 ) وقد اعتبر حجة في اللاهوت . ومن العلماءالافزاز الذين تخرجوا منها البابا القديس اثناسيوس الرسولي (20) الذي يعتبر ابا لجميع علماء اللاهوت والذي وضع قانون الايمان المسيحي وتزعم الدفاع عن لاهوت الابن في مجمع نيقيه وباقي ايام حياته ووضع كتبا كثيرة اشهرها الرد علي الاريوسيون وتجسد لكلمة والرساله ضد الوثنين ورسائل عن الروح القدس وحياة القديس انطونيوس وقد نقل هذه الكتب الاربعة الاخيرة الي اللغة العربية الاب الموقر القمص مرقس داود .

وفي عهد القديس اثناسيوس الرسولي تولي قيادة هذه المدرسة اللاهوتية العالم الكبير القديس ديديموس – وقد اشتهر بعلمه الكبير حتي اتي القديس جيروم ليدرس علي يديه بالاسكندرية وترجم له كتابه عن ( الروح القدس ) الي اللاتينية كما امتدحه القديس انطونيوس الكبير وقال له لا تحزن يا ديديموس لفقدك بصرا جسديا يوجد لدي الحيوانات والحشرات لكن ينبغي ان تفرح ان لك عينان روحانيتان تستطيع ان تنظر بهما نور اللاهوت . وقد امتاز ديديموس بقوة إقناعه وبادبه الجم في مناقشاته اللاهوتية حتي درس علية كثير من فلاسفة الوثنيين وخلف لنا كتبا كثيرة في اللاهوت والعقيدة والتفسير .

ومن الاساتذه الاخرين لهذه المدرسة ثاؤغنست وبيروس القديس ديونسيوس ولقد لقب بيروس لعمق بأنه ( اوريجانوس الجديد ) وتولي قيادة المدرسة ايضا سرابيون ومقار قبل القديس ديديموس ورودون في عهد البابا كيرلس الكبير

ومن اكثر الذين قاموا بترجمة تاريخ علماء المدرسة اللاهوتية يوسابيوس القيصري ونيافه الحبر الجليل الانبا اغريغوريوس اسقف الدراسات العليا والبحث العلمي وجناب الاب الورع القمص تادرس يعقوب ملطي .

 

اضمحلال المدرسة اللاهوتية :-

وبالحقيقة كانت الكنيسة مزدهرة ونامية طوال العصور التي ازدهرت فيها مدرسة الاسكندرية اذ كانت مصدرا للنور والمعرفة اللاهوتية والدينية لا يمكن الاستغناء عنها وكانت ايضا سر القوة الخفية وراء كنيسة الاسكندرية في القرون الخمسة الاولي – اذ هو سر شهرة باباواتها وبطاركتها اذ كانوا يحسبون كحراس للايمان الاثوذكسي وبسبب اتساع افندتهم كانوا شغوفين بالمعرفة فحسبوا " معلمي المسكونه " وكانت لهم الكلمة الاخيرة الفاصلة . وفي اواخر القرن الخامس الميلادي ضعف الاقبال علي المدرسة اللاهوتية واصابها الذبول والانحلال وقد راينا العلامة رودون وهو اخر مدير للمدرسة نقلها من الاسكندرية الي صيدا .

واخيرا بعد ان كانت المدرسة منارة للمسيحية في العالم كله بدأت تضعف نتيجة انقسام الكنيسة في مجمع خلقدونية المشئوم سنه 451م وهكذا تخلفت المدرسة وانتقل التراث العلمي واللاهوت الي الاديرةفي وادي النطرون .

 

إكليريكية القاهرة بأنبا رويس امتدادا لمدرسة الاسكندرية :-

هكذا بعد ان خمدت ضياء هذه المدرسة وانطفأ  نورها فأصاب الكنيسة المصرية بالذهول والضعف فلم يعد لباباواتها ما كان لهم في العصور المسيحية الاولي من الثقافة اللاهوتية التي تمكنهم من قيادة الكنيسة القيادة الحكمية .

واخيرا لم يصح القبط لاهمية هذه المدرسة الا بعد ان جاء البابا كيرلس الرابع المعروف بأبو الاصلاح اذ مهد لانشاء مدرسة اكليريكية لتعليم رجال الدين في الفجاله سنه 1862 ثم بعد ذلك فتح مدرسة اكليريكية سنه 1874 وما ان جاء البابا كيرلس الخامس ففتح الاكليريكية الجديدة التي لم يستطع سلفه ان يكمل العمل فيها وقد عهد بادارتها الي القمص فيلوثيئوس ابراهيم علم الدين الذي كان عالما لاهوتيا شهيرا ولكن هذه النبته لم تستمر كثيرا الا بضعه شهور ، ولكن شاء الرب الاله ان تفتح الاكليريكية من جديد سنه 1892 ويديرها المرحوم يوسف بك منقريوس الذي بعد نياحته عين الاستاذ الاشيدياكون حبيب جرجس استاذا ثم مديرا لها ثم بعد نياحته صار القمص ابراهيم عطية مديرا لها حتي 30 سبتمبر سنه 1962 حيث رسم قداسة البابا كيرلس السادس القمص انطونيوس السرياني اسقفا للمعاهد الدينية والتربية الكنسية باسم

" نيافة الانبا شنوده " وصار للاكليريكية اسقفا ودخلت بذلك المجمع المقدس واخيرا رجعت الكنيسة الي عصورها الاولي حيث مدير الاكليريكية يصير بطريركا كتقليدها القديم في 14 نوفمبر 1971 جلس نيافة الانبا شنوده اسقف الاكليريكية علي السده المرقسية بأسم ( قداسة البابا شنودة الثالث ) واصبح ابو الاباء وراعي الرعاه وراعي الاكليريكية الاكبر اطال الله حياته .

 

الاباطرة الرومان في القرن الأول

(1)        نيرون

شخصية نيرون :

يعتبر الاضطهاد الذي اثاره نيرون علي المسيحيين اول الاضطهادات الامبراطورية ، الذي يرتبط به استشهاد عمودين عظيمين من اعمدة الكنيسة ، هما الرسولان بطرس وبولس حسب التقليد الكنسي يبدأ هذا الاضطهاد سنه 64م ، وفي السنه العاشرة لحكم ذلك الطاغية بأمره وتحريضه . وهو نفس الامبراطور الذي تظلم لديه بولس الرسول – كمواطن روماني – من المحاكمة اليهودية وقال ّ( الي قيصر انا رافع دعواي ) علي ان هذا الاضطهاد لم يكن اضطهادا دينيا خالصا ، كالاضطهادات التي اثارها الاباطرة الذين اتوا بعد نيرون ، لكنه بدأ ضمن كارثه عامة اتهم بها المسيحيون الابرياء .....

كانت السنوات الخمس الاولي من حكم نيرون فترة مجيدة بفضل القيادة الحكيمة لمعلمه سينكا لكن الفترة الباقية من حكمة حتي سنه 68 كانت شنيعه . اننا نقرأ عن حياته بمشاعر تمتزج فيها السخرية من جنونه والفزع من شره كان العالم بالنسبة له رواية هزيله ، ومأساة يقوم هو فيها بدور الممثل الاول . كان ذا شهوة جنونية لتهليل الجماهير . كان يضرب علي القيثارة ، وينشد اغانيه وقت العشاء ، ويقود بنفسه عرباته في السيرك . كما يظهر فوق المسرح كممثل ، وكان يرغم رجالا من ذوي المراتب العالية في الدوله ، ان يمثلوا في تمثيليات الدراما ، او في اقذر واقبح تمثيليات الخرافات والاساطير الاغريقية واكثرها فحشاء . ولم يقف عند هذا الحد ، بل ان المآسي الواقعية اعقبت المآسي التمثيلية . فأخذت جرائمه تتراكم الواحدة فوق الاخري ، حتي اصبح مضرب الامثال في الشر . قتل اخاه بريتانيكوس وامه اجربينا وزوجته اوكتافيا وبوبايا واستاذه ومعلمه سينكا ، وعديدا من الشخصيات الرومانية البارزة . واخيرا ختم هذه المأساه الطويله بانتحاره وهو في الثانية والثلاثين من عمره . وبموته انقرضت اسرة يوليوس قيصر وغدت الامبراطوريه مغنما للقادة العسكريين او المغامرين الناجحين .......

ومن ثم فقد قتل جمهرة المسيحيين الابرياء بيد هذا الشيطان المتأنس نوع من الرياضة الممتعه بالنسبة له . اما بالنسبة للتاريخ فقد كان حريق روما هو المشهد الجهنمي الذي لم يشهد له مثيل .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حريق روما

بدأ الحريق ليلاً ، في ليله 18/19 يولية سنه 64، في الاكشاك الخشبية في الطرف الجنوبي الشرقي للسيرك الكبير ، قرب تل بلاتين وسرعان ما امتدت السنة النار بواسطة الريح وظلت تلتهم كل ما يصادفها في طريقها لمدة سته ايام وسبع ليال . وذلك بعد ان فشل الجنود ورجال الاطفاء في إخمادها او حصرها ....... ثم ما لبثت ان اندلعت ثانية في جزء ثاني من المدينة قرب ساحة مارس وفي خلال ثلاث اخري دمرت قسمين اخرين من المدينة .

كانت الكارثة فادحة ولا تقدر ، اذ لم يسلم من الحريق المدمر سوي اربع اقسام من الاربعة عشر قسما التي كانت تنقسم اليها المدينة العظيمة واتي الحريق علي كثير من الاثار والابنية والمعابد التي ترجع الي عصور الملكية والجمهورية والامبراطورية . وتحولت اثمن اثار الفن الاغريقي – التي ظلت تجمع لعده قرون من الزمان – الي تراب ورماد . كما التهمت السنه النيران كثيرا من الناس والبهائم ...... وهكذا تحولت المدينة الاوليفي العالم الي جبانه عظيمة تضم مليونا من النائحين ينوحون الخسارات التي لا تعوض .......

 

من هو الفاعل ؟

اما اسباب هذا الحريق الجبار ، فلم يعط التاريخ فيها حكما قاطعا . لكن كل الشائعات التي ترددت والشهادات وكتابات المؤرخين القدامي تشير الي نيرون علي انه الفاعل ، وانه اراد ان يستمتع بمنظر طرواده اخري تحترق ويشبع طموحه وجنونه في اعاده بناء روما علي نسق اضخم ويدعوها نيروبوليس أي مدينة نيرون . وحينما اندلعت السنة النيران كان هو علي شاطيء البحر في انتيوم مسقط راسه . ولم يعد ان امتدت النيران الي قصره الخاص . حتي يبعد الشبهة عن نفسه في جريمة الحريق وفي الوقت نفسه يستمع بقسوة شيطانية جديدة الصق التهمة بالمسيحين المنبوذين ، الذين اضحوا في تلك الاونه – خاصة بعد خدمة بولس الناجحة في روما – مميزين عن اليهود . كان المسيحيون بلا ريب يحتقرون الالهه الرومانية ، واتهموا زورا بارتكاب جرائم سرية كانت الشرطة والناس – تحت سيطرة الفزع الناشيء من الكارثة المروعه – علي استعداد لان يصدقوا اشر الافتراءات . ومن ثم طالبوا بالضحايا . وماذا كان ممكن ان ننتظره من الجموع الجاهله اذ كان بعض الرومان المثقفين من امثال تاسيتوس وسيوتونيوس وبليني وثصموا المسيحية بالعار ، كخرافة مفسدة دنيئة . لقد نظروا اليها علي انها اشر من اليهودية . ويقول تاسيتوس المؤرخ المعاصر – بعد ان ذكر خبر القبض علي بعض المسيحين واعترافهم بايمانهم – ( ولم يستذنبوا كثيرا بتهمة الحريق ، بقدر استذناتهم بتهمة كراهية الجنس البشري ) وموضوع اتهام المسيحيين الابرياء بحرق روما يعيد الي اذهاننا حادثا مماثلا حدث في روما ايضا لكن قبل حريقها بسنين طويله . واتهم فيه قوم ابرياء ليس لثبوت التهمة ضدهم بل لمجرد اعتبارهم اعداء ، علي نحو ما فعل بالمسيحين ... كاد معبد فستا بروما ان يحترق يوما ، باندلاع نار شبت في المنازل المجاورة ، فروعت روما اذ شعرت ان مستقبلها في خطر . فلما انقضي الخطر حث مجلس الشيوخ القنصل علي البحث عن مدبري الحريق وسرعان ما تهم القنصل بعض اهالي كابوا الذين وقتئذ في روما لا لانه كان لديه أي دليل علي ادانتهم ، بل لانه قدر التقدير الاتي ( هدد الحريق معبدنا ، وليس من الممكن ان توقد هذا الحريق الذي كان يؤدي الي تحطيم عظمتنا ووقف مصائرنا ، الا يد اشد اعدائنا قسوة .وحيث انه ليس لنا اعداء الد من اهالي كابوا – تلك المدينة التي هي في الوقت الحاضر حليفه هانيبال عدونا الاول والتي تتطلع الي ان تكون في مكاننا عاصمة لايطاليا – اذن فهؤلاء الناس هم الذين ارادو ان يقضوا علي معبد فستا ..........ويبدو ان هذه هي الطريقة التي الفها ودرج عليها حكام روما

 

مشاهد الوحشية في تعذيب المسيحيين :-

ترتب علي تهمة الحريق – مؤيده بتهمة كراهية الجنس البشري – بدء كرنفال من الدماء لم تشهد له روما الوثنية مثيلا . حتي ان البعض قالوا ان ما حدث كان اجابه قوات الجحيم لحركة التبشير المثمرة التي قام بها الرسولان بولس وبطرس ، والتي زعزعت اعماق الوثنية من اهم معاقلها .  حكم بالموت علي اعداد ضخمة من المسيحيين بابشع الوسائل . صلب بعضهم امعانا في السخرية بعقوبة المسيح ولف البعض الاخر في جلود الحيوانات الضارية والقوا للكلاب المسعورة في مسرح الالعاب الرياضية . وبلغت المأساة الشيطانية ذروتها ليلا في الحدائق الامبراطورية ، عندما اشعلت النار في المسيحيين والمسيحيات ، بعد ان دهنوا بالقار او الزيت او الراتنج ( صمغ الصنوبر ) وسمروا في اعمدة الصنوبر يضيئون كالمشاعل لتسليه الجماهير بينما شوهد نيرون في ثياب غريبة الشكل مرسوم عليها جواد سباق متباهيا بفنه في عربته .. كان حرق الانسان حيا هي عقوبة من يحرق عمدا لكن قسوة ووحشية هذا الامبراطور المعتوه املت عليه ان يجعلهم وسيله للانارة ، علي ان ما انزله نيرون من ضروب الوحشية بالمسيحين لم تكن عقابا علي ديانتهم بل علي التكتل الجماعي في احراق روما عمدا ان ما اوردناه عن هذا الموضوع استقيناه من شهادة تاسيتوس اكبر المؤرخين الوثنيين المعاصرين الذي رسم صورة كامله لدقائق حريق روما وكان له من العمر وقتئذ ثمان سنوات وكتب تاريخة بعد ذلك بخمسين سنه يضاف الي شهادة تاسيتوس ، ما سجله المؤرخ اكليمنضس الروماني في اواخر القرن الاول الميلادي والعلامة ترتليانوس في القرن الثاني .

أهمية اضطهاد نيرون ونتائجه :

كان هذا العمل بمثابة تعبئة لشعور جماهير الوثنيين ضد المسحيين . كان هو الشرارة الأولى التي اضرمت نيران سلسلة حروب طويلة ضد الديانة الجديدة . ومن هول ما ذاقه المسيحيون على يدي هذا الطاغية ، اعتقدوا أنه سيظهر ثانية كالمسيح الدجال الذي أشار إليه العهد الجديد . تمتع نيرون بنوع من الشعبية بين السوقة والدهماء .... هؤلاء الدهماء اعجبوا بشبابه وجماله الجسدي وشورة ، التى ربما حسبوها نوع من البطولة كالتي ذخرت بها الأساطير القديمة . ومن هنا فقد راجت شائعة بين الوثنين عقب انتحاره ، مؤداها انه لم يمت ، لكن هرب إلى البارئثين parathions  ، وأنه سيعود إلى روما على رأس جيش كبير ويبيدها . قام بالفعل ثلاثة مدعين كل منهم يحمل اسم هذا الطاغية ، واستغلوا هذا الاعتقاد السائد ، ووجدوا من ينضم غليهم ، وكان ذلك في حكم الأباطرة أوتو ، وتيطس ، ودومتيان .

ومما يؤثر عن دومتيان أنه كان يرتعد هلعا من اسم نيرون !! أما بين المسيحيين فقد آخذت شائعة المجئ الثاني لنيرون صضورة مغايرة ويذكر لكتانتيوس lactantius  في كتابة " موت المضطهدين " عبارة قالتها سبلة الحكيمة مؤداها أنه كما أن نيرون كان هو أول المضطهدين ، فسيكون أيضاً هو الأخير ، ويسبق مجئ المسيح الدجال . ويذكر اغسطينوس في كتابة " مدينة الله " أنه في زمانه كان ما يزال هناك رأيان سائدين بخصوص نيرون . أحدهما رأى المسيحيين ، ومؤداه أن نيرون سيبعث من الموت كضد للمسيح ، والآخر رأى الوثنين وخلاصته أن نيرون لم يمت لكنه مخفى وسيحيا إلى أن يكشف ويعود إلي مملكته ... وقد رفض اغسطنيوس ، بطبيعة الحال الرأيين . ولعل مصدر الرأي الذي شارع بين المسيحيين هو التفسير الخاطئ بما جاء في ( رؤ17 : 8 ) عن الوحش " الوحش الذي رأيت ، كان وليس الآن وهو عتيد أن يصعد من الهاوية ويمضى إلى الهلاك ، وسيتعجب الساكنون علي الأرض ... حينما يرون الوحش أنه كان وليس الآن مع انه كائن " ، بالمقابلة مع ما ورد في ( رؤ13 : 3 ) " ورأيت واحد من رؤوسه ( الوحش ) كأنه مذبوح للموت وجرحه الميت قد شفي ، وتعجبت كل الأرض وراء الوحش " .. لكن نسى هؤلاء أغن هذه الأقوال قيلت عن الوحش – وان صح هذا التفسير – فهى ترمز إلي الإمبراطورية الرومانية ، بينما ترمز الرؤوس التي لذلك الوحش إلى الأباطرة . وكان في مقدمة من استشهدوا الذي أثار هذا الطاغية الرسولان بطرس وبولس . صلب الأول منكس الراس ، وقطعت هامة الثاني كمواطن روماني .

( 2 ) دومتيان domition  ( 81 – 96 )

طاغية مرتاب متكبر ، كان يدعو ذاته " ربا والها " . اعتبر اعتناق المسيحية جريمة ضد الدولة . حكم علي كثير من المسيحيين بالموت ، ومن بينهم اقرب أقربائه ، القنصل فلافيوس كليمنس flaviu Clemens   كما نفى البعض الآخر ، وصادر ممتكاتهم كما حدث مع دومتيلا domitilla زوجه كليمنس . ويذكر التقليد الكنسي ويؤكده القديسان ايريناوس من الجبل الثاني وايرويمنوس والمؤرخ الكنسي يوسابيوس من الجيل الرابع أن هذا الإمبراطور أثار اضطهادا علي كنائس آسيا الشغرى ، والأمر الذي أشير إليه في سفر الرؤيا في الكلام الموجه إلى ملاك كنيسة سميرنا " أنا اعرف أعمالك وضيقتك وفقرك ... لا تخف البته مما أنت عتيد أن تتألم به . هوذا إبليس مزمع أن يلقى بعضا منكم في السجن لكي تجربوا ويكون لكم ضيق عشرة ايام وفي الكلام الموجه إلى ملاك كنيسة برغامس " أنا عارف أعمالك وأين تسكن حيث كرسي الشيطان وأنت متمسك باسمي ولم تنكر إيماني حتى في اليام التي فيها كان انتيباس شهيدي الأمين الذي قتل عندكم حيث الشيطان يسكن " . ويؤكد التقليد الكنسي والقديسان ايريناوس وايرونيموس والمؤرخ يوسابيوس ، أن دومتيان هو الذي أمر بإلقاء القديس يوحنا الإنجيلي في خلقين زويت مغلي في روما ، ثم عاد ونفاه إلى جزيرة بطمس كما استشهد أبان عهده انسيموس وديونيسيوس الاريوباغي وكثيرون غيرهم .

( 3 ) تراجان :

ترجع أهمية تراجان بالنسبة لموضوعنا إلي أنه :

1 – أول إمبراطور يعلن أن المسيحية ديانة محرمة .

2 – أحياء التشريعات الصارمة ضد جميع الهيئات والجماعات السرية . وقد اعتبرت اجتماعات المسيحيين الدينية من هذا النوع .

وقد ظلت الدولة تسير في تعاملها مع رعاياها المسيحيين ، على هدى هذه القوانيين التي استنها تراجان لأكثر من قرن من الزمان .

وتظهر روحه العدائية تجاه المسيحيين من رسالة له رداً على رسالة أرسلها له بليني حاكم ولاية بيثينية بآسيا الصغرى بين سنتي ( 109 – 111 ) كان بليني هذا يرى المسيحية خرافة دنيئة متطرفة ، وبالجهد يتحدث عن إقبال الجماهير عليها . لقد أرسل للإمبراطور تراجان يخبره بأن هذه الخرافة تزداد انتشاراً باستمرار – ليس فقط في مدن آسيا بل حتى في قرأها أيضاً ... وأنه أصبح له سلطان علي الناس من كل سن ومركز وجنس حتى المعابد الوثنية هجرت ، وكسدت تجارة الأشياء التي تقدم قرابين للآلهة . ولكي يضع حداً لهاذ الانتشار المضطرد ، حكم علي كثير من المسيحييت بالموت ، وارسل بعضاً آخر ممن كانوا يتمتعون بحقوق المواطنة الرومانية إلي المحكمة الإمبراطورية بروما . لكنه سأل الإمبراطور مزيداً من التعليمات بخصوص طريقة معاملة المسيحيين وهل براعي كبر السن ، أم يعتبر مجدر حمل اسم ( مسيحي ) جريمة .

وقد أجاب تراجان علي هذه الاستفسارات برسالة جاء فيها ( لقد سلكت يا صديقي الطريق السوي فيما يختص بالمسيحيين ، لذ لا يمكن وضع قاعدة عامة تطبق علي كل الحالات في هذا الصدد . لا ينبغي السعي في طلبهم ، لكن إذا أشتكي عليهخم وجدوا مذنبيين فلابد من معاقبتهم . ومع ذلك . فإذا أنكر أحد أنه مسيحي وبرهن علي ذلك عملياً بالتضحية لآلهتنا فليصفح عنه بناًء علي توبته ... ) وبناء علي قرار الدولة هذا تعرض المسيحيين لاضطعادات عنيفة . وقد أصاب سوريا وفلسطين ومصر علي وجه الخصوص الكثير منها ., فلقد وجه اليهود المتعصبون اتهاماً لسمعان أسقف أورشليم ، وحكم عليه بالموت صلباً سنة107 ، وهو في سن المائة والعشرين . وفي نفس هذه السنة تقريباً حكم علي القديس أغناطيوس أسقف إنطاكية بالموت ، وأرسل إلي روما ، وألقي للوحوش الضارية في الكالسيوم  .