كلية البابا شنودة الثالث الإكليريكية بشبرا الخيمة

الكتب المقررة على الكلية الإكليريكية

تاريخ كنسى

الصف الثالث

 

 محاضرات

في تاريخ الكنيسة القبطية
من القرن العاشر إلى القرن العشرين

 

اعداد : الفس ارسانيوس اسحق

الفصل الأول
الكنيسة القبطية فى نهاية العصر الفاطمى

  لا ريب فى أن عصر الدولة الفاطمية فى مصر كان عصر هدوء وسلام وسكينة ،

وبذلك ساد الاستقرارفى أغلب مؤسسات الدولة – ولم يحدث قط فى تاريخ مصر آنذاك أن تغير شكل الحكم بهذه السرعة وبهذة المسالمة ، كما أن ظفر الفاطميين بمصر قد حولها تدريجيا من دولة تابعة الى دولة مستقلة ، وبالتالى أوصلها الى مكانة مرموقة بين مختلف الدول المجاورة

ولما كان موضوعنا هو نهاية هذه الدولة ، أو " مصر فى القرن الحادى عشر الميلادى " فإن هذا يساير عهد الخليفة الظاهر بن الحاكم بأمر الله

وللعجب أن ياتى المولود على عكس الوالد ، فبعد أن ذاقت الكنيسة ومصر كلها الأمرين على عهد الحاكم بامر الله ، فقد جاء " الظاهرابنه " بخطة تسامح وألفة ، مثلما كان على عهد جده " العزيز بالله " مما افرز انتاجا غزيرا من الفكر والفن ، فتبارى العلماء والأدباء فى التأليف وتبارى الشعراء فى القريض ، مما راجت معه سوق العلم والأدب والاستمتاع بالموسيقى والغناء

بل أن الظاهر أعاد بتسامحه الكثير من الحقوق إلى الأقباط ومنح الذين غيروا دينهم فى عهد أبية عنوة أن يرجعوا الى دينهم الأصلى ، وسمح بترميم ما تهدم من كنائس

ولقد عاصر العصر الفاطمى عدد كبيرا من البطاركة بلغوا اثنا عشر بطريركا ، منهم خمسة بطاركة فى فترة دراستنا هذه عاشوا عهد الظاهر وبعده المستنصر ، وهو الخليفة الذى عاش أطول فترة من سايقة وعايش معظم هؤلاء البطاركة ، وتولى الحكم قاصرا بوصاية أمه السودانية الأصل ، وبعد أن بلغ سن الرشد تسلم الحكم من أمه فبدأ سالما عادلا إلا أن وزيرة " بازورى " كان يقلب على المسيحيين حيث كان طامعا فى المال وفى السلطة

وقد شغل الكرسى البطريركى فى القرن الحادى عشر ونهاية العصر الفاطمى كل من                       الاباء البطاركة :

·        الانبا زخارياس (زكريا ) البطريرك الرابع والستون 1004 – 1032

·        الانبا شنودة الثانى البطريرك الخامس والستون     1032- 1046

·        الانبا خرستوذولوس البطريرك السادس والستون  1046 – 1077

·        الانبا كيرلس الثانى  البطريرك السابع والستون   1078 – 1092

·        الانبا ميخائيل السنجارى البطريرك الثامن والستون 1092 – 1102

وسيكون تركيزنا اكثر على كل من الانبا خريستوزولس والانبا شنودة الثانى كنموذجين متناقضين ، مع عدم الاخلال بذكر بقية الآباء .

 

الأنبا زخارياس ( زكريا ) البطريرك الـ  64

+ بعد نياحة البابا فيلوتاؤس البطريرك الثالث والستون ، صار صراع على الكرسى بين أحد أثريا الاسكندرية والطامع فى المنصب وكان يدعى ابراهيم بن بشر ، وبين كاهن شيخ يدعى القس زكريا كاهن كنيسة رئيس ميخائيل فى الاسكندرية .

+ استغل ابراهيم من بشر ثراءه واستصدر من كبار رجال الدولة صكا بتولية السدة             المرقسية فى الوقت الذى سارع الاكليروس بوضع الأيدى على القس زكريا ، ووضعوا ابن بشر امام الأمر الواقع .

وأمام غضب ابن خشبى آباء الكنيسة من تدهور الموقف سيما وأنه يحمل صكا من الخليفة بتعيينه فأشاروا على البطريرك الانبا زكريا بتطييب خاطره ورسامته ثم رقاه قمصا ولما خلا كرسى متوف رسموه عليه .

+ امام طيبة قلبه كانت سنينة السبع الاولى فى سلام ، ولكن استغل الاكليروس طيبة قلبه وبداوا يرتكبون المعاصى ، فرسم الاساقفة من لا يستحقون هذه النعمة ، وتدخل " القيمة " فى أعمال الكنائس والاتجار بالنبيذ وغشه ، كما توقف التعليم فى التربية الكنسية ، وترجمة اخلاق البطريرك الرفيعة على انها ضفف ، وفعلا حدث تسيب كبير فى الكنيسة ، فجمعت الأموال للسيمونية باسمه وهو برئ منها

+ تجرأ أحد الرهبان من دير ابو مقار ( بؤانس ) وطالب بالاسقفية ولم يكن أهل لها ، كما طولب بالسيمونين فرفض وهو بأن يذهب الى القاهرة ليشتكى للخليفة واستطاع الاساقفة أخذ الشكوى منه وأوصلوها للبطريرك الذى أحالها بدوره الى ابن أخية أسقف سخا ، فحرص الآخير على قتله والقى فى بئر وأهالوا عليه الحجارة الا أنه لم يمت ، ولما علم البطريرك بهذا حزن جدا ، ورغم وعد البطريرك له برسامته اسقفا إلا أنه لم ينفذ وعده

+ وصل الراهب الى الخليفة وكان الحاكم بأمر الله فى أواخر أيامه ، فأمر بالقاء البطريرك للأسود وفعلا القى فى جب الأسود الا أنها لم تؤذيه ، فأخرج منها واعتقل ثلاثة اشهر واطلق الحاكم سراحه بعدها ليذهب الى أديرة شيهات ليظل تسع سنوات ، بعدها توسط له راهب يدعى بنيامين كان قد ضل ثم عاد للميسحية ونال حظوه لدى الحاكم فأنشأ دير شهران ومكث فيه وكان الحاكم يذهب اليه فيه ، فقابلوه بالبطريرك ، وفعلا عفا عنه  . ظل البابا بعدها الى ان تنيح بسلام فى 4 يناير  1032 .

الانبا شنوده الثانى - البطريرك الـ 65 .

عاصر الخليفتين الظاهر والمستنصر ، كما عاصر بقيرة الرشيدى أحد المقربين لبيت الحكم ، فذهب بقيرة هذا ومعه بعض أكابر الأقــبـاط لـيستصدروا أمراُ من الخليفة بالموافقة على تنصيب بطريرك ، وكان الله معهم فسمح لهم بذلك مع تنازل بيت المال عن المبلغ الذى كان يدفع عادة فى مثل هذه المناسبة وقدره ثلاثة الاف دينار ،

 

 

اختياره

+ بدأوا بعد ذلك يتشاورن فيمن سيختارون ، ووقع اختيارهم على انسان كان قد ترهب فى دير  ابو مقار وكان سنه 14 سنة واسمه شنودة ، عارفا بالكتب المقدسة

وقبل أن أحدهم قال إنه رأى فى رؤية فى الليل من يقول له ، إن من يدخل من باب البيعة ويقبل الأجساد المقدسة فى الدير يكون هو البطريرك " وكان هذا الداخل هو شنودة

+ ولكن كان شنودة من الذين يشتهون هذا المنصب حيث قال انه رأى هو أيضا رؤية فيها الرسولان بطرس ويوحنا وكأنما يسلمانه مفاتيحا " ، وهذا بالطبع ليس أسلوبا لتولى مثل هذا المنصب ، فمن يدرينا بصحة هذه الرؤى ، سيما واذ كان مشهورا عن شهوته للمنصب ، ولذلك سنرى النتيجة

أهم أعماله

+ واجه الراهب شنودة مشكلة الراهب يؤانس مرة أخرى اذ طلب رسامته اسقفا حيث لم يكن الانبا زكريا قد رسمه ، فوعده برسمه على كرسى الفرما ، فقبل يؤانس هذا مقابل صرف ثلاثين دينار سنويا حيث أن الكرسى فقير ، وكان هذا وعد من الراهب شنودة قبل الرسامه

+ اجتمع اراخنه الأسكندرية بالراهب شنودة وقبل رسامته طلبوا منه ان يسدد كل عام مبلغ 500 دينارا تصرف فى شئون البطريركية ، وبالايستعمل السيمونية فى الرسامه ،

+ بعد رسامته فى الاسكندرية واستكمالها فى القاهرة فى كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل بجزيرة الروضة ، بدأ بعدها يتنكر للمبادئه وعهوده ، واستعمل القسوة فى التعامل معهم واستعمل السيمونية بشكل كبير كرسامة أسقف ببا واسقف أسيوط ، فلما علم اهل اسيوط انه رسم لهم اسقف بالسيمونية ، وقفوا ضده ومنعوه من دخول مدينتهم ثلاث سنوات فعاد الى البطريرك ليطالبه بالمبلغ الذى دفعه له فأعاده اليه ولكن أهل اسيوط لم يمكنوه ايضا فكان يرتكب اعمالا شائنه وعاش فى إحدى قرى اسيوط حتى مات

+ توقف الانبا شنودة الثانى عن دفع مبلغ الخمسمائه دينار التى وعد بدفعها سنويا ، وكان قد دفعها سنتين ثم توقف ، وخيرهم بين السيمونية او تخفيض المبلغ ، واستمر على السيمونية تحت دعوى الصرف على وجوه البر وعلى البطريركية والعاملين فيها ، وكان يتحدى فى هذا رأى الاكليروس والأراخنة الذين كثيرا ما نصحوه بالتخلى عنه

+ فعقد هؤلاء اجتماعا برئاسة بقيرة الرشيدى وطالبوا البطريرك بالتزاماته ، فطلب منهم البطريرك الصك الذى وقع عليه ليراجعه ، وما أن حصل عليه الا ومزقه ، فغضب الاساقفة والشعب المجتمعون ، وتوتر الموقف على إثر إصرار كل من الطرفين على موقفه ، بل وقام جماعة من اتباع البطريرك بضرب بفيرة الرشيدى ومن معه وانفض الاجتماع على لا شئ

 

 

+ زيادة من مظاهر غضب الله على الشعب بسببه أن انخفض فيضان النيل وعم البلاء وانتشر الفقر ، مما أزاد غضب الشعب عليه

+ ظلت الكنيسة تعانى من هذا الرجل الى انه اصيب بصداع شديد فى رأسه مع سعال شديد ، وأحمى وكأن نارا تأكل رأسه وظل مريضا هكذا لمدة ثلاث سنين حتى اختاره الرب ليستر الكنيسة فى 29 اكتوبر 1046

الانبا خرستوذولوس البطريرك الـ 66     

نشأتـه

كانت بطريركيتة ايام الخليفة المستنصر ، وهو من بلدة بورة بالقرب من دمياط وترهب فى دير البراموس ، وانتقل الى صومعة ليتوحد على شاطئ البحر ، وكانت معه فى الصومعه عظام القديسة تكلا تلميذه القديس بولس الرسول

أختيـاره

+ كان اختياره على غير رغبته ، إذ كان يزهد فى المناصب ، فقد توجه إليه فى قلايته وفد من كنيسة الاسكندرية ، وأمسكوه ورسموه فى 11 ديسمبر 1046 ، ثم سار إلى دير أبو مقار حسب العادة بعد رسامته كرس(دشن) ست كنائس بالاسكندرية

+ بعد أن سارت مدته فى أولها هادئه فى سلام ، بدأ الوزير البازورى ، والذى اشرنا اليه يحتك له الحبائل حيث كان شديد الكراهبة للمسيحيين ، فقد قبضت قبيلة اللواته فى الوجه البحرى على البطريرك ، ولم يطلقوا سراحه الا بعد دفع 3000 دينار

ايامـه

+ تعرض كذلك لمتاعب من الاساقفة انفسهم ، فقد وفد على القاهرة جماعة من الاساقفة الموقورين واتفقوا على خلع البابا بدعوى أن رسامته كانت ناقصة ، حيث لم تنل بعض الصلوات ، وكان هذا هو السبب الظاهرى ، أما الحقيقة فكانت توجد خصومة بين الانبا يوحنا اسقف سخا وبين البطريرك ، حيث كان الانبا خرستوزولوس حازما فى التعامل معه ، ولكنه استطاع بحنكته وتدخل احد الاراخنة ( الشيخ ابو زكرى يحيى ) صاحب ديوان المملكة ان يزيل ما فى نفسيهما وصليا قداسا معا

+اراد راهب يدعى جلوطس ان يسام اسقفا لشهوته فى المنصب فأبى البطريرك فدس له عند الخليفة ، الذى أمر بالقبض عليه ومصادرة ما لديه من أموال ، وفعلا أخذ مما معه بعد اهانات كثيرة

+ طمع احد الرهبان ( القس ابو يعقوب ) فى البطريركية فى وجوده ، مستعينا فى ذلك برشوة أولى الأمر الا انه بصلوات الانبا البطريرك مات ولم يكمل خطأه

د

 

+  ادعى ضده احد المسيحيين عند أمير الجيوش ( بدر الجمالى ) أنه على صلة ببلاد النوبة وأنه أمر بهدم مسجد هناك عن طريق المطران بقطر وأنه يحول مسلمى الحبشة الى مسيحيين فلما ارسل الجمالى ليتحرى الحقيقة وجد أن كل هذا اكذوبا ، وكان قد القى القبض على البطريرك ، ولكنه أعادة الى كرسيه مكرما والقى القبض على المدعى و فى عهده احتفظ الاقباط برأس القديس مرقس الرسول ضد محاولة سرقتها بمعرفة الروم مقابل عشرة الاف دينار

أهم اعماله

+  تشييد عدة كنائس فى الاسكندرية والاقاليم ورسامته الكثير من الأساقفه والكهنة والشمامسة ، وأعلن أن لاحق لهؤلاء فى أموال الكنيسة الا فى حدود المسموح به

+  حارب السيمونية التى كانت قد انتشرت بشكل ملفت للنظر منذ عهد سابقة له

+  قام برحلات رعوية تفقد فيها  تطبيق الاكليروس لقوانين الكنيسة وقوانين المجامع المقدسة ، وعاقب الخارجين على النظم

+  فى اول زيارة له الى القاهرة راى ضرورة اتخاذها مقرا لرياسته بدلا من الاسكندرية ، لان وجود الحكام المدنيين فيها ، واضطراره للتشاور معهم فى شتى المناسبات بوصفه المسئول الاول عن الاقباط جعل وجوده فى الاسكندرية أمرا عسيرا ، ورأى أن يجعل من كنيسة المعلقة مقره المختار

+ وضع قوانين طقسية بدأ بإصدارها فى أول اغسطس 1048 بعد اقل من ستين من رسامته ، اولها خاص بطقس المعمودية ، وأخرى خاصة بالعبادة وخشوع المؤمنين فى دخول الكنيسة ، وطاعة الزوجات لأزواجهم ، والصوم الاربعين واسبوع الالام وطقس الخماسين وصوم الرسل وصوم يومى الاربعاء والجمعة وصوم الميلاد وعيد الغطاس

+  منع اضافة أى شئ الى القربان لأنه كان قد تسرب من الارمن وضع ملح فى القربان المقدس

+ ابطل عادة الإحتفاظ بقربان أحد الشعانين الى قداس خميس العهد

+  سعى الى زيادة العلاقة بين كنيسة الاسكندرية وكنيسة انطاكية وافق على أن يذكر كل بطريرك الآخر فى قداسة

الانبا كيرلس الثانى - البطريرك الـ 67 ( 1078 - 1092 )

اختيـاره

   كانت حبرية هذا البابا الجليل فى خلافة الخليفة الفاطمى المستنصر بالله ، وفى عهد بدر الجمالى الذى كان متصرفا فى شئون البلاد بشكل فعلى ، وكان يغلب عليه انه مسيحى من بلاد الصقلب اصلا            ( جنوب روسيا ) وكان الخليفة قدا استحضره من سوريا وخلع عليه عدة القاب منها ( أمير الجيوش) ، حيث كان شجاعا قويا حسن التصرف

 

وقد نعمت مصر أيامها بالسلام والهدوء ، لان بدر الجمالى وفر وسائل الأمن والعدالة ، وكان يهدف الى جعل مصر دولة قوية تنعم بالرخاء ، فنمت الزراعة والتجارة ، حيث تنازل للزراع عن ضرائب ثلاث سنين مضت كانت متأخرة عليهم ، فزاد انتاجهم ، كما ازدهرت العلوم والفنون وروح الابتكار ، وكان واسع الصور يعرف قيمة الوحدة الوطنية فأعطى الاقباط حريتهم فنبغوا فى كل احوالهم

وكان اعظم انجاز معمارى فى عهده هو سور القاهرة العظيم ، ونفذ المهندسون رغبته وقد جعلوا لهذا السور ثلاثة ابواب هى باب الفتوح وباب النصر وباب زويلة ، وكان المتولى عمارة هذه الاسوار راهب قبطى يدعى يوحنا ( يؤانس ) وهو الذى اشرف على تصميمها وقد اقيمت بعيدة عن الاسوار القديمة فأعطت القاهرة اتساعا اكثر . ووسط استتباب الأمن كلف بدر الجمالى الاقباط بتنظيم الدواوين وتشكيلها ، حيث بلغ مقدار ماجبى فى ايامه ضعفى ما كان يجبى من قبل

رسامة البابا كيرلس :

كان صبيا راهبا متوحدا باسم جرجس من البحيرة ، وسيم بطريركا بقرار من مجمع انعقدا فى الدار البطريركية مؤلف من الاساقفة واراخنة والشعب القبطى ، وقوبلت رسامته بالارتياح من كل دوائر الحكم والشعب مسلمين ومسيحيين

وبعد ان تمت مراسم الرسامة بالاسكندرية فى 22 برمهات سنة 792 الموافق 1078 م سار فى مركب الى القاهرة قاصدا كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل بجزيرة الروضة ، وكان فى استقباله الانبا يعقوب اسقف مصر والشيخ ابو الفضل يحيى بن ابراهيم " متولى الابواب " ( رئيس الشرطة ) وديوان الصناعة ، وارسل اليه حصانا ابيضا ليركبه البابا الذى سار فى موقف مهيب من الشرطة وحفظة الأمن وعبر النيل الى مصر ، وكان فى استقباله على الشاطئ جمهور كبير ، وسار فى موكبه هذا الى قصر الخليفة ، فخف الى استقباله مأمون الدولة ( الاستاذ ) الذى اخذه من يده بمفرده الى مكان جلوس الخليفة ، وكان الخليفة جالسا مع افراد اسرته ومعهم زجاجات الطيب فضمموه منه ، وطلبوا منه البركة فصلى لهم وفرحوا به كثيرا ثم غادر القصر فى بهجة وسرور متوجها الى قصر بدر الجمالى ، حيث استقبل استقبالا حسنا ايضا ودعا لهم ، وامر بدر الجمالى والى مصر بالخروج معه الى حيث يريد ، وان يراعية ويقدم له الخدمات طيلة وجودة فى مصر ، حيث نزل فى الكنيسة المعلقة ، ثم انتقل الى كنيسة السيدة العذراء بحارة الروم

وقد اجرى الله على يديه ايامه معجزة حيث لما بدا الصوم الكبير قصد دير ابى مقار وبينما كان يصلى قداس خميس العهد وكان وعاء الميرون المقدس موضوعا على المذبح ففاض الميرون على يديه وعلى المذبح من تلقاء ذاته فكان اعلان بركة للجميع.

ماذا حدث فى النوبة:

قامت المناوشات فى تلك الفترة بين ولاة منطقة اسوان وبين ملوك النوبة ، إذ لم تكن العلاقات حسنة بينهما ، الا ان بدر الجمالى رأى ان السلام افضل ، واظهر ملوك النوبة الذين استجابوا له ، خاصة وان ملكهم ( سلمون ) المسيحى كان يحب ان ينهى حياته فى أحلى الاديرة المصرية فتنازل

 

 

لجرجس ابن اخته عن الحكم وذهب الى دير ابو نوفر السائح ليعيش ، ولما دخل الى الاراضى المصرية سارع والى اسوان واسمه اسعد الدولة الى تسلمه اسيرا الا ان بدر الجمالى رفض هذا ودعاه ليعيش فى اديرة مصر واعد له الحرس ليرافقة الى القاهرة ليقابل الخليفة الذى زاد من احترامة له ، واعد له منزلا مؤقتا ظل يعيش فيه الا ان مات ودفن فى دير الانبا رويس فى ظاهر القاهرة ، مما كان مظهرا طيبا للروابط بين مصر والنوبة واستقل الخليفة هذه الروابط الحسنه بين البلدين وعقد بينهما معاهدات صداقة وتجارة ، كما انعم على البابا بأموال لاصلاح الاديرة والكنائس

علاقة الاقباط بكنيسة الحبشة :

رسم الانبا كيرلس مطرانا على الحبشة باسم الانبا ساويرس وكان ابن اخت المطران المتوفى وكان هذا بديلا لشخص كان يدعى ( كوريل ) كيرلس اغتصب الكهنوت وادعى الاسقفية فى الحبشة دون رسامة ، فلما وصل المطران الشرعى ساويرس لقى مقاومة من كوريل هذا ، ولما فشل كوريل جمع اموالا كثيرا من الاحباش وحاول الهرب بها ، ولكنه قبض على وسيق الى امير الجيوش بدر الجمالى ، فحاكمه وقتله بالسيف فى عام 860 شهداء

    الا ان المطران ساويرس وجد عناء فى التعامل مع الاحباش ، لأنه وجد فيهم عادات خاطئة اراد ان يمنعهم عنها فغضبوا منه ، مثل زواج السرارى والإماء وكانت حجتهم فى هذا العهد القديم وابراهيم اب الانبياء ، فاستعان بالبطريرك الانبا كيرلس فأرسل البابا خطابا رعويا رسميا الى الملك وحاشية يمنعهم عن هذه العادة

الكنيسة القبطية فى عهده ( اعماله) :

لم تعيش الكنيسة هادئه كما كان مقدرا لها ، ولكن رغم ما قام به الانبا كيرلس الثانى من اصلاحات منها :

-  رسم اساقفة من الرهبان الصالحين للايبارشيات الشاغرة

-  دأب على التعليم حيث تعلم هو أولا لأنه لم يكن متعلما ثم دفعه هذا الى تعليم الشعب دراسة الكتب المقدسة والتفاسير المستقيمة بدلا من بلبلة الافكار

-  رمم الكثير من البيع والاديرة ، وكانت علاقته بالحكم والادارة ممتازة فرغم هذا انفجرت الكنيسة من الداخل بفعل الاساقفة بزعامة الاسقف يوحنا بن الظالم الذى كان موجودا ايام البابا السابق خرستوزولوس واثار ايامه الكثير من الحوادث ، عاد ايام هذا البابا واقلق الأمة القبطية فقد اتحد هذا الاسقف ( وكان اسقفا لسخا ) مع اربعة اساقفة اخرين وهم :

اخوه اسقف سمنود ويوحنا اسقف دميرة وخائيل اسقف ابى صير ومقارة اسقف القيس ومعهم شماس يدعى ابو غالب احد اعيان مصر ، وتواطئوا على عزل البطريرك

     فكتبوا الى البطريرك معربين عن استيائهم من بعض الرجال الميحيطين به وطلبوا ابعادهم

 

إلا أنه لم يبعد سوى واحد فقط ، فعادوا اليه يعاتبوه فرفض ، وكان فى ديوان الخليفة ان ذاك رجل مسموع الكلمه اسمه ابو زكريا يحيى بن مقاره ، وكان شيخا وقورا عاقلا ذا كلمة مسموعة لدى الجميع ، وتدخل هذا الرجل للصلح الا ان اسقف سخا لم يكتفى بهذه الصالحة ، وطلبوا رفع الامر الى بدر الجمالى ، وفعلا كتبوا له تقريرا بالطعن فى حق البابا كيرلس الثانى مدعين عليه بدعاوى توجب عزله ، واوصلوا اليه هذه الشكوى عن طريق البستانى ( بسبب ) الذى كان مسيحيا ، وكان البطريرك ان ذاك فى رحلة رعوية فى التعاليم والافتقاد الخدمات فى الكنائس وتدشين الجديد من البيع .

فلما اطلع بدر الجمالى على هذه الشكوى وكان يجل البابا – رأى انه ليس من حقه البت فيها وحده ، وانما رأى عقد مجلس من اساقفة الوجهين القبلى والبحرى وكبار رجال الامة برياسة بدر الجمالى فى الاسكندرية فى قصره هو ، فلبى دعوته سبعة واربعون شخصا ، وكان الوزير يستهدف السلام حيث قال لهم " كونوا جميعا برأى واحد ، وليكن ولاءكم لكبيركم خالصا ، وتمسكوا بكلام المسيح حين اوصى تلاميذه بأن لا يكنزوا لهم كنوزا فى الارض .. كان يجدر بكم ترك المنابذة لأنكم المثال فى التسامح حتى يقتدى بكم الشعب الذى ترشدونه ، وطلب منهم ان يطلبوا الصفح من البابا ، فتصافح الجميع امامه انه مطرانها ، وتسلط على كنائسها ، ولم سمع البابا كيرلس بهذا الخبر وكلف احد رجاله بأن يسلمهم احدا من العفو ، كما امر بقطع رأس البستانى الذى سعى بالشر منه بطريركه ، فخجل الاساقفة من تانيب بدر الجمالى لهم ورجعوا الى كنيسة ابى سيفين واقاموا قداسا استفنارا اعما عملوه وتناولوا من البابا    

أهم أعماله :

1- نشر القوانين الكنسية على الشعب ليعرفها ويعمل بها ، ووضع اربعة وثلاثين ماده دارت حول 

 أ- عدم تقاضى رشوة لقاء الاعمال الكهنوتية ومن يفعل هذا لا تقبل رياسته للكهنوت              ولا يكون يبنا الا كالوثني والعشار

 ب- أي قس او اسقف يرفض قبول خاطئ تائب فليقطع لأنه خالف قول السيدالمسيح      

 ج-يجب على كل اسقف ان يتفقد جميع البيع والاديرة الواقعة تحت سلطانه ، وان   يحافظ على ادوايها وريعها ونظافتها وعمارتها.

  د- يجب على كل اسقف ان يعرف حال كهنته فى مختلف الكنائس والجهات الخاصة له وان يفحص أمورهم فى عملهم ، وفى القداسات التي يقيمونها ، وفى قراءة الكتب التي يفرضون على انفسهم تلاوتها

  هـ- يجب على الاسقف ايضا ان يتعهد كهنته وشعبه بالتعاليم الالهية التي تخلصه                           وتخلصهم من خطاياهم ، فكل نفس من انفس الرعية مطلوبة من راعيها

 

   و- وبين الانبا كيرلس بعد ذلك بالتفصيل واجبات الاسقف نحو الفقراء وامعوزين الرهبان الذين يجب ان يقبضوا العمر كله في البرير ما لم يطلب خلاف ذلك .    

 ر- يجب ان تجذر الكهنة والعلمانيون الا لتجاء الى غير حكم البيعة واسترسل البابا في قوانينه ، فبين اهمية الصوم ووجوب التمسك به ، وتطرق الى ضرورة تدفيق الكهنة واستعمال سر الزيجة فلا يعقدونه الا في ظل سلامته وشرعيته واوصى الشعب بضرورة احترام الكهنة والاساقفة ، " ويجب على ابناء المعمودية توفير المذابح المقدسة والهياكل الطاهرة وتزينها عند اقتحام العلمانيين لها "           وفى عهد هذا البابا تم ترميم كنيسة القيامة بالقدس والتي كان الحاكم بأمر الله قد احرقها وارسل مندوبين عن الكنيسة القبطية لتكريسها في موسم القيامة من عام 800 شهداء 1084 م – كما كرسوا كنيسة بناها احد الاقباط وهو منصور التلبانى هناك .                            

وفى سنه 1092 لم يقص فترة الصوم الكبير في دير الانبا مقاره وانما اكتفى بالذهاب الى دير الشمع غرب طموه ثم الى كنيسة الملاك ميخائيل في جزيرة الروضة ، ثم عاد الى كنيسة السيدة العذراء المعلقة ليحتفل بعيد القيامة المجيد ، ولم تكد الخمسين المقدسة تنتهى حتى بلغ نهاية حياته واسلم روحة الطاهرة بعد ان قضى اربعة عشر سنه وستة أشهر على الكرس المرقسى

الانبا ميخائيل الثاني البطريرك الـ 68 ( 1092 – 1102 )

إختياره

بعد نياحة الانبا كيرلس الثاني ، قام اقباط الاسكندرية بالبحث عن من يصلح خلفا له فاجتمع اراخنتهم وكبار الكهنة ليتدبروا الامر وتوجهوا الى برية شيهات الى دير ابى مقار حيث سمعوا عن راهب حبيس يدعى القس ميخائيل ، فأخذوه بعد تمنع منه وامتحنوا ايمانه فوجوده صالحا، واشترطوا عليه قبل رسامته ثلاثة شروط مكتوبة :

1- ان يحرم السيمونية

2- ان يتعهد بدفع راتب لوكيل الكرازة المرقسية بالاسكندرية

3- ان يرد لاساقفة بعض الكراسى ما أغتصبه بعض البطاركة السابقين من ايبارشياتهم     سواء من جهة الايراد او ضم بعض الكنائس ، وضربوا له مثلا ما استولى عليه البابا خريستوزولوس من كنائس السيدة العذراء المعلقة وابو سيفين والعذراء بحارة الروم ومن اسقفية اوسيم والجيزة كنيسةرئيس الملائكة ميخائيل بجزيرة الروضة ومن كرسى طموه دير الشمع وديرالفخار ( دير ابو سيفين الان ) وغيرها فوافقهم القس ميخائيل السنجارى – المرشح للبطريركية على ذلك – وكتب لهم بخطة ما يفيد ذلك

 

 

رسم البابا في 12 بابه 809 ش/ 9 اكتوبر 1091 وقصد بعدها دير ابو مقار بشيهات ومنه الى الكنيسة المعلقة بمصر . وبعد فترة طلب منه الاساقفة الوفاء بما تعهد به ورد الكنائس ، فنقض بوعده وحرم كل من يشهد بهذا ، واستولى على ثلاثة نسخ من هذا الاقرار وظلت الرابعة بحوزة الانبا سنهوت اسقف مصر فحاول اخذها منه فأبى فمنعه من الصلاة فهاج الشعب فارجعه الى عمله ، وظلا متسالمين ، الا ان البابا لم يكن مرتاح إلية واراد ان يتخلص منه ، فعقد مجمعا وادعى عليه انه عقد قداسين في يوم واحد في عهد البابا السابق وهذا يخالف قوانين الكنيسة ، فلما علم بهذا الاتهام هرب واختبا ، فوضع البطريرك يده على كنائسه

ومن اخبار الكنيسة في أيامه :

قام البابا ميخائيل بخدمة جليلة لمصر اذ جدت ان النيل اخذ في الانخفاض عاما بعد عاما نتيجة انشاء ملك الحبشة سدا في بلاده يمنع المياه الكثيرة عن الوصول الى مصر ، فطلب الخليفة المستنصر منه ان يذهب الى ملك الحبشة ، وبما له من مكانه روحية لديه يستطيع ان يجد حلا في هذه المياه وفعلا سافر البابا ميخائيل الى الحبشة وقابله ملكها بالترحاب ، فعرض عليه المشكلة ، فأمر الملك – بعد ان اخذ هدية كان قد ارسلها معه المستنصر – بفتح السد فوصلت المياه الى مصر وعادت الحياة الى الزرع وهبط الغلاء ، وعم السرور وكانت هذه اول زيارة لبطريرك مصر للحبشة منذ خضوعها دينيا لكنيسة الاسكندرية عن سنة 1102 توفى مطران الحبشة فارسل ملكها وفدا الى البطريرك يطلب منه ان يرسم لهم مطرانا اخر ، فرسم لهم الراهب جرجس مطرانا ، وسافر الى الحبشة مع الوفد المصاحب له ، الا انه كان طامعا في المال فغضب عليه الاحباش ، والزمة               ملك الحبشة برد كل ما حصل عليه منهم واعادة الى مصر ، فطرحه الوزير الافضل في السجن حتى مات . واصيب البطريرك بالطاعون وتوفى في 30 بشنس 816 ش المواقعة 11 .

 

 


 

 

الفصل الثانى

شخصيات قبطية هامة في القرن الحادي عشر

1- الانبا باسيلوس اسقف ارمنت :

 عاصر الانبا خرستوذولوس ، وكان قديسا روحانيا ، ولما حدثت مجاعة كبيرة في عهده كان يعطى كل ما لديه ، وحدث ان طرق بابه سائل يطلب طعاما ، فلم يكن لديه اكثر من رغيفين فأمر تلميذه بأن يعطيه رغيفا منها ، فطرق بابه اخر فأعطاه نصف الرغيف الاخر فطرق بابه ثالث فاعطاه النصف الاخر وثمن النصف الاول

ولما طرق الباب رابع فاق التلميذ وقال يا سيدنا لم يعد لنا خبز ولا نقود فماذا اقول للطارق ، فأمره بفتح الباب فإذا بانسان يحمل لهما طعاما

2- الانبا أيليا اسقف طموه :

وقد كان قديسا ذا معجزات منها انه اثناء صلاته القداس الالهي يوم عيد مار بقطر بالجيزة ، وفى منتصف القداس رأى الاسقف نورا عظيما على صورة السيدة العذراء التي في الهيكل ، وشاهده بعده كثيرون من المصلين

3- الاسقف ميخائيل اسقف تنيس :

وكان اسمه ابو صليب ميخائيل ابن بدير الدمنهورى – ترهب بدير ابو مقار ، وكان خاله مينا مهندسا في الدولة – وعن طريقه تعرف بالشماس بقيرة الرشيدى ، وصارا صديقين حميمين

رسم شماسا حيث انشغل بكتابة سير الاباء البطاركة ، فكتب سيرة البطاركة من البابا 56 الى 66 كما ساعد اسقف الاشمونيين الانبا ساويرس ابن الفقع فى كتابة موسوعته عن تاريخ البطاركة

اختاره البابا ابرام بن زرعه ليكون كاتبه ، فكتب السنوديقا ( رسالة الشركة في الايمان ) التي بعث بها هذا البابا الى بطريرك انطاكية واستمر يكتبها تحت رياسة خمسة من الباباوات وتقديرا من البابا خريستوزولوس للراهب الشماس ابو صليب ميخائيل رفاه لدرجة الاسقفية على ايبارشية تنيس مع استمراره فى عمله ككاتب للسنوديقا

4- الراهب بيسبوس :

اشتهر بزهده وكثرة صلاته وصومه وكان من السواح ولم يكن يحب ان يزوره كثير من الناس ومن معجزاته وبركاته ان زاره احد عشر شخصا من الاسكندرية للتبرك منه ، واستضافهم وقدم لهم

 

عاما ثم اتاهم بجرة صغيرة من الماء وبارك عليها وشربوا منها جميعا حتى شبعوا ولم تنقص الجرة  وكان موجودا بدير ابى مقار الذي كان يعيش بالقرب منه ارخن يدعى ابو البدر بن مينا الزرادى ، والح في مقابلته للاعتراف بذنوبه ، ولما ذهب اليه هو وجمع من الاراخنه طلب منهم ان يبيت في الدير بشرط ان يكون منفردا ، فحبسوه في قلايه واغلقوا عليه وركعوا هم خارجا ليستمعوا ويستمتعوا بصلاته ، وما ان ظهر الصباح وفتحوا القلايه فلم يجدوه ، وتبين انه غادر دير ابو يحنس كاما بعد غروب الشمس أي في وقت الذي قابلوه فيه وعاد اليه فى الليل في الوقت الذي كانوا يظنون انه في القلاية المغلقة بمعرفتهم واجرى الله على يديه معجزات كثيرة

ومن هذا المثيل من القديسين بطرس الحبشي في صومعة سنجار ( قرب مدينة بيلا بكفر الشيخ الان ) حيث كان صبعه يصطبغ بالدم عندما في الكأس وقت القداس ويصلى " وهذه الكأس يجعلها دما كريما للعهد الجديد الذي له ..)

وكذلك عاش في هذا الجبل الراهب شنودة والراهب كييل بدير ابو يحنس القصير وكذلك الشهيد بفام بن بقورة الصواف

وكان يبلغ من العمر 22 سنه وارتد عن المسيحية وكان خاله اسقفا فرفضة ابوه وأمه وطردوه عنها ، الا انه ندم وقرر العودة للمسيحية ، فمضى الى كنيسة الملاك ميخائيل بجزيرة الروضة واقام بها اياما ، ثم ذهب هو واصدقاؤه الى دير ابو مقار للاقامة فيه ولكنه فكر كيف اختفى وانا غير مسيحي فعاد الى مصر واعلن انه رجع الى دينه امام كل الناس فامسكوه المسلمون واقتادوه الى الشرطة ، وعذبه الوالي ، فمضى ابوه ليدفع مبلغا لأخلاء سبيله ولكنه رفض من اجل المسيح

فطلب اليه ابوه ان يتظاهر بالجنون فيخلى سبيله ، فلما دخل عليه المحقق فى السجن كلمه بعقل واتزان واعترف انه مسيحي فأمروا بقتله ومات شهيدا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأعياد والاحتفالات الدينية

القبطية في القرن الحادي عشر

تميز العصر الفاطمي الذي شغل مساحة كبيرة من القرنين العاشر والحادي عشر بالسلام الذي شجع العطاء على العلم والفنانين على الفن ، فظهرت كثير من الفنون وتشجيع القديم منها ، كما الف المؤلفون الكثير من الكتب ، واشتهرت مجالس الادب والعلم وارتفع مستوى التعليم والحضارة

وقد نال الاقباط قسط كبير من هذا الاهتمام ، فرممت الكنائس القديمة ، وانشئت كنائس جديدة ، وزاد عدد الرهبان ، ونشطت الخدمة المسيحية الى حد ملحوظ

كما ظهرا لاقباط في الشوارع والمحافل ، بل واظهروا طقوسهم الدينية علانية في غير خفاء سواء في اعيادهم او في مواسمهما ، وزاد اشتراكهم في الوظائف الادارية والمالية

وبلغ الامر اكثر من هذا ، اذ شارك الخلفاء الاقباط احتفالاتهم بمواسمهم وأعيادهم بشكل رسمي ، وشاركت مالية الدولة في ذلك . وكان من الاعياد التي كانت ظاهرة آنذاك : عيد البشارة وعيد احد الشعانين الذي اشتهر باسم عيد الزيتونه وكانوا يخرجون فيه حاملين سعف النخيل ويدورون حول الكنائس ومعهم الورود مترنمين بالحان ذلك اليوم الجميلة والكهنة والشمامسة بملابسهم ولم يوقف هذا التقليد الا الحاكم بأمر الله وكذلك خميس العهد وكان يسمى خميس العدس او خميس البيض وكانوا يأكلون فيه العدس وبها دون اخواتهم المسلمين بالبيض ،

ويقول عنه المقريزى " وسننهم في ذلك ان يملأوا اناء من ماء ويزمزون عليه ، ثم يغسل للتبرك  به ارجل سائر النصارى .. وكان في الدولة الفاطمية تضرب في خميس العدس هذا خمسمائة دينار ، فضمل ضراريب تفرق في اهل الدولة برسوم مفردة .. ويباع في اسواق القاهرة من البيض المصبوغ عدة الوان ما يتجاوز حد الكثرة فيتآمر به العبيد والصبيان والغوغاء ، وينتدب لذلك من جهة المحتسب من يردعم في بعض الاحيان ، ويهادى النصارى بعضهم بعضا ، ويهدون الي المسلمين انواع السمك مع العدس المصفى والبيض "

سبت النور :

كان احتفال كبير ان النور يظهر على قبر المسيح بكنيسة القيامة بالقدس فتشعل مصابيح الكنائس كلها " وتقبل النذور والتبرعات من أموال ومأكولات وحلوى وملابس .

كما كان المتبرعون يتسابقون على الوفاء للكنيسة وخدامها بما يحتاجونه من ستائر ولفائف وسجاجيد وشموع ودقيق ونبيذ ، ويخططون لترميم ما يحتاج في الكنيسة الى ترميم ، وتنحر الذبائح لتوزيعها على الفقراء والعاملين في الكنيسة وتكون البيوت كخلايا النحل ما بين منظف وكاه وخابز وحائك ، الكل يتسابقون على النظافة جسما ومكانا استعدادا لليلة العيد الكبير ( القيامة )

 

 

حد الحدود :

وهو اول احد في الخماسين وفيه يبدأ العمل في تجديد آلات الزراعة والصناعة بعد عطلة ( دامت أسبوعين اسبوع الآلام وأسبوع العيد ) ويبدءون العمل فى المزارع والحقول ، سيما وان الوقت يكون وقت حصاد القمح والفول والحلبة وغيرها ، من الحبوب الأساسية في حياة القبطي

كما يبدأ النساج في ترميم نوله واصلاحه ، واستلام الخيوط من الغزالين والصباغين الذين هم كذلك يفتحون مصابغهم وورشهم ومصانعهم بعد هذه العطلة الطويلة وتبدأ الخماسين المقدسة في بهجة العمل والروحانية ، فكسب روحي وكسب مادي ومن الاعياد الهامة  التي كانت تقع في دائرة اهتمام الدولة مع الاقباط

عيد الميلاد :

ويروى المقريزى " ولم بزل بديار مصر من المواسم المشهورة ، فكان يفرق فيه ايام الدولة الفاطمية على ارباب الرسوم من الاستاذين المحنكين والامراء المطوفين ، وسائر الموالى من الكتاب وغيرهم : الحاجات من الحلاوة القاهرية والمثار التي فيها السميذ ، وقربان الجلاب ، وطمافير الزلابية ، والسمك المعروف بالبوري "

الا انه عاب على الاقباط ادخال بعض الذين اساءوا الى الذوق العام بالرقص واللعب بالنار وشرب الخمور

" وادركنا الميلاد بالقاهرة ومصر وسائر اقليم مصر ، موس جليلا ، تباع فيه الشموع المزهرة بالاصباغ المليحة والتماثيل البديعة بأموال لا تنحصر ، فلا يبقى احد من الناس اعلاهم وادناهم حتى يشترى من ذلك لأولاده وأهله ، وكانوا يسمونها الفوانيس ، ويعلقونها في الاسواق والحوانيت شيئا يخرج من الحد في الكثرة الملاحة ويتنافس الناس في اثمانها ، حتى لقد ادركت شمعه عملت فبلغ مصروفها الف درهم وخمسمائة درهم فضة ، عنها يومئذ ما يتبقى على سبعين مثقالا من الذهب "

وهكذا يروى الشيخ تقى الدين احمد بن على المقريزى انه هاشة مما كان يرى ويرصد                  فيقول ايضا :  " واعرف السؤال في الطرقات ايام هذه المواسم ، وهم يسألون الله ان يتصدق عليهم بفانوس ، فيشترى لهم من صفار الفوانيس ما يبلغ ثمته الدرهم وما حوله ثم لما اختلت امور مصر ، كان من حملة ما يطل من عوايد الترف عمل الفوانيس في الميلاد الا قليلا  .

عيد الغطاس المجيد :

وهو معروف لدينا بعيد الظهور الإلهي ، لان الثالوث تجلى واضحا  في هذا اليوم ولكن بالنسبة لما كان يدور فيه افراح بسلبياتها وايجابياتها ، فتعود الى المقريزى وهو غير مسيحي وشهد هذه الاعياد ، لأنه لم يكتب هذه التفاصيل مؤرخ مسيحي بحجة انها معروفة  له آنذاك ، ولم يكن يظن انها ستطلب للمعرفة بعد أيامه

 

 

 

ويسجل المقريزى فيقول فيه " ... فصار النصارى يغطسون اولادهم في الماء في هذا اليوم ، وينزلون فيه بأجمعهم ، ولا يكون ذلك الا في شدة البرد ، ويسمونه يوم الغطاس ، وكان له بمصر موسم عظيم للغاية "

ويقول مؤرخ اخر هو المسعودى في كتابه مروج الذهب ومعادن الجوهر " ولليلة الغطاس بمصر شأن عظيم عند اهلها ، لاينام الناس فيها ، وهى ليلة الحادي عشر من طوبة

ولقد حضرت سنة ثلاثين وثلاثمائة ليلة الغطاس بمصر والاخشيد محمد بن طفج امير مصر ، في داره المعروفة بالمختار في الجزيرة الراكبة للنيل ، والنيل يطيف بها ، وقد امر فأسرج في جانب الجزيرة وجانب الفسطاط الف مشعل ، غيرها اسرج اهل مصر من المسارج والشمع

وقد حضر بشاطئ النيل في تلك الليلة آلاف من الناس من المسلمين ومن النصارى منهم في الزوارق ومنهم في الدور الدانية من النيل ، ومنهم على سائر الشطوط ، لا يتناكرون كل ما يمكنهم اظهاره من الاكل والمشارب والملابس والات الذهب والفضة  والجوهر والملاهي والعزف والقصف

وهى احسن ليلة تكون بمصر ، واشملها سرورا ، ولا تغلق فيها الدروب ويغطس اكثرهم في النيل ، ويزعمون ان ذلك امان من المرحن ونشزة للداء "

ويقول مؤرخ ثالث اسمى المسيحي " من حوادث سنة سبع وثمانين  وثلثمائه ، منع النصارى من إظهار ما كانوا يفعلونه في الغطاس من الاجتماع ونزول الماء ،واظهار الملاهي

وقال ايضا " في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة للهجرة كان الغطاس ، فضربت الخيام والمضارب والاسرة في عدة مواضع على شاطئ النيل ، ونصبت أسرة للرئيس فهد بن ابراهيم النصراني كاتب الاستاذ برجوان ، واوقدت الشموع له والمشاعل وحضر المغنون والملهون ، وجلس مع اهله يشرب ... الى ان كان وقت الغطاس فغطس وانصرف "  منها سنه احدى وأربعمائة منع النصارى من الغطاس ، فلم يغطس احد منهم في البحر

وكان الرجال يغطسون في النيل والترع ليلا بينما كانت النساء يغطسن في الكنائس في احواض كبيرة تملأ بالمياه بعيده عن اعين الرجال ومعهم الاطفال والبنات وفى صباح اليوم الثاني كانوا يشترون الضأن وينحرونه بهجة وفرح ونذور ، وتباع الفاكهة في ايام الفاطميين

وكان الخلفاء يشاركونهم فرحتهم هذه ويمرون عليهم في كنائسهم وبيوتهم الكبيرة ، وكانوا ينادون بالاتخالط المسلمون النصارى في نزولهم النيل

وكانوا يأمرون بايقاد المشاعل والشموع على حساب الدولة الفاطمية ، وشدد الحراسة في تلك الليل اثناء الصلوات واثناء الغطس في النيل

ومن الفواكه التي كانت تؤكل وتوزع على الناس والفقراء النارنج والليمون واطنان القصب وسمك البوري

 

ومن هذا الوصف نرى ان الدولة كانت تشار له الاقباط فرصتهم ، الا انه لما زادت الفرصة الى ان وصلت الى حد المساخر ، فكان بالطبع ان تؤخذ الامور بالحزم

عيد النيروز :

ربط الاقباط بين النيل وعيد النيروز باعتبار ان النيل مصدر الخير في العام كله ، فكانت احتفالاتهم بالنيروز بجوار نهر النيل حيث كانوا يغطسون فى مياهه ويتراشقون بمياهه كما كانوا يطوفون بالاسواق ، في شكل جماعات من اللاعبين والبائعين والحواة ولاعبي القرود ، وكانوا يوقدون النيران على قطع من الخشب على سطح النيل والترع والمجارى المائية وتنشط حركة البيع والشراء من ملابس حريرية وكتانية وهدايا ، ومأكولات وحلوى ، وكانت اشهر انواع الفاكهة في عيد النيروز : البطيخ والرمان وعناقيد الموز واقفاص التمر القوص ، واقفاص السفرجل والهريسة

كما كانوا يأكلون لحم الدجاج والعنان والبقر وكانت تضرب باسمه بعض العملات من الذهب والفضة ، وكانت الدولة توزعها على اعيان الاقباط ، كما كانت توزع الكساوى على اختلاف انواعها حتى ملابس النساء وعصائبهن الملونة وارتديئهن من الحرير وبعض الحلي

فكانت تهدى هذه كذلك الى دار الوزارة والشيوخ والاصحاب والحواش ورؤساء العشاريات وكانت ليلة النيروز تمض بين الصلوات في الكنائس والغطس في النيل او فى الاحواض الملحقة بالكنائس ، وفى الصباح توزع هذه الهدايا

ويركب فيه امير القاهرة ومعه جمع غفير من المسئولين ويسمى امير النوروز وكانت تصدر المواسم الجديدة والاوامر الجديدة ويجمع الهبات

وكان يجتمع المغنون والفلسيقات تحت قصر اللؤلؤة بحيث يشاهدهم الخليفة وهم في ملاهيهم وترتفع الاصوات بالغناء والدعاء والاكف بالصفين ، وكانت تشرب الخمور في الطرقات مما كان امرا مكروها وسببا في الغاء هذه الاحتفالات فيما بعد وقصرها على صلوات الكنائس

ومن السلبيات كذلك كثرة الراش بالماء والخمر في الطرقات ، وكثرة السكارى والعرايا وارتكاب الموثبات تحت دعوى اللعب واللهو ، كلعبة التصافع بالاقطاع وانقطاع الناس عن العمل عدة ايام ، وازاء هذه المساخر التى دخل ضمن صفوف الاقباط منها الكثير من الخلفاء واللصوص والداعرين والداعرات مما شوه الاحتفال وجر على المسيحيين الكثير من السخط واكده وما ان حل عهد الحاكمة بأمر الله الا ومنع جميع هذه الاحتفالات وجرم من يقوم بها ونالت الكنيسة بسبب ذلك الكثير من اللوم والاخطاء

 

 

 

 

القرن الثانى عشر الميلادى

البطريرك مكاريوس الثاني الـ 69 ( 1102 - 1128 )

كان من رهبان ابى مقار -  جلس على الكرسى البطريركى 26 سنة ، واهم ما حدث في عهدة :

أولا : انه ضم اليه اسقفين مصر ، وأصدر أمرا يقول فيه : يكون الاسقف مختارا من شعبه ، ويقع التراضي من جميعهم عليه ، ويكون معروفا بالأوصاف التي تضمنها كتابهم " ولكن الاساقفة أحسوا أنه يحاورهم حتى لا يرسم أسقفا لمصر ، فاجتمعوا واعلنوه بالا يكون لنصراني زوجتين ، أي لا يجوز ان يكون لنصراني زوجتين ، أي لا يجوز لان يكون بطريركا واسقفا لمصر في نفس الوقت ، وتكاثروا عليه ورسموا لمصر اسقفا هو مرقورة الحبيس

ثانيا : هجمة الصلبيين في حملة بقيادة بولدون على مصر عام 1117 ووصولها الى الفرما واشعلوا فيها النيران

الانبا غبريال بن تريك البطريرك الـ 70 ( 1131 – 1145 )

وهو من اهم البطاركة الذين جلسوا على الكرسي البطريركى في تلك الفترة ، فهو ابو العلا صاعد بن تريك من مدينة مصر من عائلة قبطية عريقة ، كان ابوه قسا وترحل ، ورباه في أحضان الكنيسة ، وعاش عيشة التقشف والزهد كما عاش أبوه ، وكان يعمل في ديوان الانشاء أيام الحافظ لدين الله الفاطمي ، ووقع من نفسة موقعا قريبا ، فكان متدينا ومن كبار الموظفين في نفس الوقت وكان رئيسة الوزير أحمد بن الأفضل حفيد بدر الجمالي ، اتصف بالزهد والتقوى والورع والعطاء بسخاء وحفظ الكثير من الألحان وأجزاء من الكتب المقدسة بجانب عمله في الديوان الذي اشتهر عنه فيه الكفاءة وعفة اللسان وطهارة اليد

أسباب تقاعص الاقباط فى ترشيح البابا ؟؟

وبعد وفاة البطريرك وكثرة اللفط والقيل والقال في البطريركية ظل الكرسى شاغرا لأكثر من سنتين كانت أحوال الكنيسة فيها سيئة للغاية فعاش الأقباط فى فقر شديد الأمر الذي جعلهم يكلون عن دفع مبلغ يتراوح بين ثلاث آلاف الى سته آلاف دينار لخزينة ألدوله لاستصدار مرسوم التنصيب ، ويرجع سبب ذلك:

1- الى الضرائب الباهظة التي فرضت بسبب الحرب الصلبية

2 - وكذلك خشية اراخنة الاقباط من رفضة الوزير التصديق على انتخاب مسيحي بسبب ما هو دائر على الساحة الدولية ( الحروب الصليبية )

3 -  كما ازداد الامر صعوبة بسبب اثنين من المسئولين وكراهيتهما للمسيحيين احدهما مسلم وهو ابن ابى قيراط والاخر سامري ويدعى ابراهيم ، فلجأ الى تضليل الخليفة بالقول

 

بأن الاقباط جمعوا اموال الكنائس واعطوها للفرنجة لمساعدتهم ، وازاء هذا أمر الخليفة

4- بمصادرة أي أموال قبطية سواء كانت خاصة بالكنيسة أو بأفراد الاقباط ، وظل الحال كذلك حتى قتل احدهما في ظل الفوض التي سادت البلاد ، وتقلد بدلها فسبحها كانوا لبكي ، وبواسطة سمح الوزير حفيد بدر الجمالي برسامة بطريرك للاقباط

اختياره

وقبل انه حدثت رؤى لبعض الاباء باختيار ابو العلا بطريركا فرسم في 5 أبريل 1131 / 19 امشير 847 شهداء باسم غبريال الثاني واشتهر بالبابا غبريال بن تريك ذهب ليبقى أياما بدير ابى مقار بعد رسامته بطريركا ، فكان يقدس القداس واذا به يقول في الاعتراف الأخير عن جسد ربنا يسوع المسيح " وصار واحدا مع لاهوته " فانكر الرهبان على هذا التعبير ، اما هو فقال لهم انه يقولها لأنه هكذا استلمها من الاباء الاساقفة يوم رسامته الذين كانوا يلقنوه ، واستمر النقاش بينهم وبينه وانتهى الى ان تكون العبارة " وصار واحدا مع لاهوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير " وقد وافقتهم على ذلك ، وأصدرأمره الى جميع الكنائس بتلاوة الاعتراف بالصيغة الجديدة ، وهذا يدل على يقظة رهبان ديرابى مقار ، كما يدل على المحبة التي يربط بينهم وبين البابا ، ولدراسة القوية التي جمعت بين عقولهم على ما هو حق

وفى عهده ضم كرسى مصر اليه دون اعتراض بعد نياحة اسقفه الانبا يؤنس بن سنهوت بل وأن الشعب كان موافقا على هذا

أما عن علاقته بالدولة ، فكانت طيبة رغم عدم استقرارها بسبب الحملات الصليبية وما تبعها من اضطراب الامن وكثرة القلاقل وقتل الاثراء ورجال الدولة ، كما تميزت بكثرة الصراع بين المسلمين ورجال الجالية الارمنية والتي كان قد جلبها بدر الجمالي لأنه فيهم فقتل البطريرك الأرمني واحرق دير للارمن من فيه من الرهبان ، ونهبت كنائس الاقباط

وصدر أمر بعدم استخدام المسيحيين في الدواوين ، وعادوا الى مسألة شد الزنار على أوساطهم وعدم ركوبهم الخيول ، وضوعفت عليهم الجزية

من اصلاحات البابا غبريال :  كان مصلحا وطقسيا وقانونيا كنسيا :

أ‌- أصدر أمره بمنع دفن الموتى بالكنائس لدرجة أنه أمر باغلاق كنيسة حارة الروم لأن شعبها خالف تعليماته ودفن قمصا فيها ، ولكنه عاد بناء على رجاء الاراخنة فيها ، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل أنه حمل جسد الانبا مكاريوس سلفه الى دير ابو مقار ، وكان مدفونا في الكنيسة المعلقة ،

1-كما أصدر أمره بمنع تقديم ذبيحة على اسم الملاك ميخائيل لأن الذبيحة لا نقدية الا على اسم الله ،

 

 

2- كما منع الكهنة من شرب الخمر ،

3- وحارب السحر والشعوذة والتنجيم والتسرى وبخصوص التسري : امتنع بعض الاغنياء عن تنفيذ تعليماته في هذا الشأن فدعا عليهم ، فلم ينقض زمن طويل حتى بادوا جميعا ،   

4-  حارب السيمونية ورسم في عهده ثلاثة وخمسين اسقف للأيبارشيات القبطية ،

5- كما لم يدع هذا البابا لنفسه أي سلطة على أموال الكنائس وأموال اعانات الفقراء

ب‌- من اهم انجازاته الطقسية

1- ترتيب طقوس اسبوع الآلام ، وكانت القوانين الرسولية حتى زمانه تقضى بقراءة العهدين القديم والجديد مدة هذا الاسبوع بلا ترتيب معين ،

 ولذا فقد كان غالبية الشعب يقرأهالذاته وحده ، أي أنها لم تكن تقرأ على مسامع جميع الشعب ، فجمع هذا البطريرك العلماء ورؤساء الكهنة ، وبعض رهبان دير ابى مقار ووضع ترتيبا ، وعمل كتابا لذلك أسماه " البصخة المقدسة" ولعل من الأمور التي دفعته الى ذلك أن اكثر من كانوا يعملون في دواوين الدولة كانت لا تمكنهم ظروفهم من استكمال هذه الخدمات ، ومما هو جدير بالذكر أن كتاب " البصخة المقدسة " نظمة بصورة أدق الانبا بطرس اسقف كرس البهنسا ( بجوار بنى مزار الان )                          

2- كان البابا غبريال بن تريك هو أول من أصدر أمره إلى جميع الكنائس بقراءة الاناجيل والخطب الكنسية وغيرها باللغة العربية فى الكنائس وذلك بعد قراءتها باللغة القبطية ، لأنه وجد ان الجميع يتكلمون اللغة العربية ، ممن غير العقول الا يفهم المصلى ما يقرأ   

3‌-    وضع البابا غبريال بن تريك ثلاثة كتب تتضمن قوانين كنسية

الكتاب الاول :

ويشمل 38 قانونا تختص بتنظيم امور البيعة ، وعلاقة الشعب بها دينيا ومدنيا ، وواجب الاساقفة نحو رعيتهم ، وكذلك واجبات الكهنة ، ونهى عن سكنى الرهبان في العالم بل أن يمضوا إلى أديرتهم

عدم التقديس الا بواحد من القداسات الثلاثة ( الباسيلى والغريغورى والكيرلسى ) كما ذكر الاباء الاساقفة بانعقاد المجمع المقدس مرتين كل عام ، لكن حرصا على راحتهم امر ان يحضر كل واحد من الاساقفة مرة واحدة في كل سنة الى القلاية البطريركية للمناقشة فى احوال كرسيه

 

 

الكتاب الثاني : يختص بتنظيم امور الاكليروس

الكتاب الثالث : ويختص بالمواريث

كما الف هذا الاب عدة مؤلفات منها ( علم الكنيسة ) وله عدة كتب في تفسير الكتاب المقدس وتتيح هذا البابا بسلام في عام 1145 م /861 ش ونقل جسده الى دير ابو مقار

الانبا ميخائيل الثاني البطريرك الـ 71 ( 1145 – 1146 )

احد رهبان دير ابو مقار – كان حسن السيرة انتخب بالقرعة الهيكلية ، فرسم شماسا فقسا ، ثم قمصا في ثالث يوم ، وكان ذلك في الكنيسة المعلقة بمصر وبعد ذلك رسم بطريركا في الاسكندرية ، ولم يكن على علم بعلوم الكنيسة ، وحفظ القداس بعد عناء

رسم في عهده ثمانية اساقفة منهم اسقف على كرسى شبرا الخيمة وكرسى شبرا دمنهور وكرسى لمنية ابن خعيب بالوجه القبلي ( المنيا ) وكرسى اخميم وكرسى البلينا

الانبا يؤنس ( يوحنا ) الخامس البطريرك الـ 72 ( 1147 – 1166 )

    عاصر الخلفاء : الحافظ والظافر والفائز والعاضد وكان هذا الاخير اخر الخلفاء الفاطميين

    كان راهبا في دير القديس الانبا يحنس القصير باسم يؤنس بن ابى الفتح ، وكان أحد المرشحين للبطريركية أيام اختيار سلفة الانبا ميخائيل ، وكان هناك راهب من دير ابو مقار يسمى يؤنس بن كدران حاول الطعن في اختياره ولجأ الى الخليفة ليصدر امره ببطلان هذه الرسامة ، فاحال الخليفة الامر الى مجلس يضم الاساقفة وقاضى القضاة وبعض كبار رجال الدولة ، وهذا يدل على العدل العظيم في تناول امور الاقباط في دولة اسلامية ، وبعد ان التأم هذا المجلس اقر رأى الاساقفة المجتمعين وقرروا ان " من حضر من الاساقفة والكهنة ليس لهم بطرك الا ما طلبوه ورغبوا فيه ، ولا يكون المرشح هو الطالب او الراغب ، وهذه سنه القوم من أول ما عبدوا الله بدين النصرانية والى هذا الوقت .. اذا صح عندهم ان الرجل الذي يريدوه يقدموه عليهم كامل اوصاف شريعتهم من القدس والدين والعلم والصلاح والعفاف والرحمة وبقية ما يحتاجونه ان يكون فيه على حكم مذهبهم ، اخذوه كرها من غير اختياره ، وقيدوه بالقيد الحديد لئلا يهرب منهم الى البرية الجوانية فلا يقدروا عليه ، لأن قليل هم اهل هذه الصفة وان كانوا الكل اباؤنا واخواتنا ، فأهل هذه الطبقة لا يوجد منهم الا من الالف واحد ، يكون قد توحد وقد تفرد وترك العالم وهرب منهم ، وجعل حياته مع وحش الجبال وسباع البرية ، فنقل الى طبع السباع الكاسرة والوحوش الضارية الى مسالمتة ، وأن الصور اذا رأته تأتى اليه وتسجد عند قدمية ليبارك عليها ويستأنس بها ولا تضره ، لمثل ذلك الشخص يطلب النصارى ان يكون مقدم عليهم ، فإن لم يجدوه قدموا غيره من اهل الاتضاع والعلم والدين ، ومن يشهد له بالعفاف والطهر ، ولا يجوز لهم ان يقدموا عليهم من يرغب فيهم ، ولا من يطلب السلطان .. "

 

 

 

    وقد اجتمع في الاسكندرية جمع كبير من الاساقفة والاراخنة ورجال الشعب واعيد عرض الاسمين في حضور صاحب الخليفة الذي كان يسجل ما يدور في محضر يعرض على الخليفة ، وهنا صرخ الجميع باسم يؤنس بن ابو الفتح ، فثبت على كرسيه ، مظهرا الحب لغريمه يؤنس بن كدر ان الذي حضر لنيافة ، لدرجة انه عرض عليه رسامته اسقفا على سمنود فلم يوافق

أحوال الكنيسة في عهده :

نظرا لضعف الدولة الفاطمية في أواخر ايامها ، فلم تكن قبضتها قوية على احوال البلاد ، فاضطرب الأمن وكثرت حوادث العنف وقتل الوزراء والخلفاء ، ومن ثم فقد نال الاقباط شيء من هذا العنف وقتل بعضهم وبيع البعض الاخر عبيدا فى السوق وقتل بعض الرهبان مثل شنودة من دير ابى مقار الذي رفض تغيير دينه فقتل وحاولوا إحراق جسده فلم يحترق فأخذه الاقباط ودفنوه في كنيسة ابى سرجه بمصر القديمة

حدثت مشكله في عهده في طقوس الكنيسة ، اذا اضاف بعض رهبان ابو مقار وكانوا يقيمون في قلاية بقرية بشيش ( بجوار المحلة ) اضافوا كلمة ( المحيى ) كصفة لجسد السيد المسيح فيصبح " هذا هو الجسد المحيي " فلما بلغ الامر البطريرك من اسقف سمنود الذي كان يعارض هذه الاضافة ، عقد مجمعا محليا لمناقشة الموضوع ، وبعد طول مناقشة وحوار اقروه . وتنيح بسلام في 29 ابريل 1166 ودفن بكنيسة ابى سيفين تم نقل جسده الى دير ابو مقار .

الانبا مرقس الثالث الـ 73 ( 1166 – 1189 )

مكث بطريركا لفترة دامت 22.5 سنه وعاصر نهاية الدولة الفاطمية والخليفة العاضد وبداية الدولة الايوبية زعامة صلاح الدين   كان علمانيا باسم ابو الفرج بن ابى اسعد المعروف بأبن زرعة ، من أصل شريف سوري الجنس ، وكان يتمتع بسمعة طيبة بين الاقباط والمسيحيين ، وكان بتولا عالما في دينة خبيرا في أمور الكهنوت

تميزت فترة بطريركيته بالاضطراب الشديد في الأمن امتدادا لفترة الاضطراب التي سبقته حيث إنها فتره انتقال بين عهدين الفاطميين والايوبيين ، خصوصا مع الهجوم الصليبي على البلاد ، ولنعرف عنها شيئا من التفصيلات :

اشئد التنافس بين الوزراء وقادة الجيش امام الحملات الصلبية على مصر ، وكان وزير الخليفة الفاطمي آنذاك هو " طلائع بن رزيك " الذي كان يلقب بالملك الصالح ، لانه استولى على السلطة لأنه كان قوى الشخصية ، وقتل كل قائد وقف في طريقه او كان يثير الفتن او القلاقل ، الا ان الخليفة العاضد نجح في قتله داخل محله ابنه هو وكان يسمى " العادل " ثم جاءوا الى الصعيد الذي كان يسمى " شاور " وقتل العادل وتولى هو كرسى الوزارة ثم ظهر قائد اخر كان امير البرقة اسمه ضرغام ومعه فرقة من الجند وقتل شاور واعلى كرسى الندارة بما عدة والى الشام المسيحي ( عموري ) فجاء الى مصر كل من عمورى ومعه قواده نور الدين بحمله كبيرة كان ضمنها صلاح الدين الأيوبي والتحم الجمعان الصليبيون والمصريون تحت اسوار القاهرة لعدة ايام عاد بعدها من انى من الشام الى الشام

 

مرة اخرى وتركوا البلاد في حالة فوض

الا ان الشوام اتوا مرة اخرى عندما دخلت عمليه صليبية اخرى وتحاربا على طول النيل حتى المنيا انتصرت فيها القوات العربية وظل صلاح الدين بقواته شفى مصر

شرع صلاح الدين في استماله المصريين اليه خصوصا بعد ضعف الخليفة الناضد الفاطمي لدرجة انه لم يجرؤ على مقابلته ، بل حاول المنتصر ابن يلجأ الى الصلبييين ليهاجموا مصر يخلصوك من صلاح الدين الا ان صلاح الدين انتصر عليهم واصبح هو الخليفة بلا منازع ، الا انه بدا حكمه في شكل وزير حتى يعرف اسرار المجتمع المصري

وكان صلاح الدين قاسى على الاقباط أول الأمر ، وبصلوات البطريرك الانبا مرقس عاد السلام بين دينهم واستخدمهم في ديوانه في مراكز رفيعة وتتيح هذا البطريرك في اول يناير 1189


 

 

الاقباط والحملات الصلبية

بدأ الصليبيون غزوهم لبلاد المشرق في عام 1196 الى 1292 بدعوى استعادة الاملاك المقدسة والبيع من أيدي المسلمين الى أيدي المسيحيين ، وان كان الهدف كان سياسيا فقد تأسست اربع امارات صلبيه هي :

بيت المقدس وانطاكية وطرابلس والرها ، وقد ساعدهم على الانتصار ما كان من انقسام بين الاتراك السلاجقة السنيين في العراق والفاطميين الشيعيين في مصر فضلا عن الشقاق بين الامارات الاسلامية نفسها

وفى الفترة الاولى من الحملات الصليبية على المشرق وهى من 1096 – 1099 عند تأسيس إمارة القدس ( بيت المقدس ) كان يحكم مصر الفاطميون ، الا ان السلطة الفعلية كانت في يد الدنداء كما رأينا

وأصبح من الطبيعي في هذه الظروف الشائنة والتي كان يشوبها الضعف والاستهتار ، ان يتسرب الشك الى قلب الحكام المسلمين في علاقة الاقباط بالصلبيين المسيحيين خصوصا وانهم لم يكونوا يعرفون الخلاف بين المسيحيين الاقباط على المذهب الارثوزكسى وبين الآخرين الكاثوليك ، وان الهوة واسعة بينهما

منذ عام 451 , فألكل امامهم مسيحيون ، لذلك كان على الحكام المسلمين فى مصر أن يراقبوا الاقباط ويزيدوا الضرائب عليهم ، وهذا اول ما نال الاقباط من جراء الغزو الصليبى المشئوم فلم ينعم الاقباط بالراحة طوال وجود الحملات الصليبية فى الشرق ، فالحملات الصلبية التى لم تكن تعرف عن الصليب الا شكله جعلت المسلمين يعادون كل اتباع الصليب سواء كانوا من اللاتنيين او اليونانيين او الاقباط ، ومن ثم بدأت مرحلة جديدة من مراحل تعذيب الاقباط واخطاوهم بالاضافة الى انه رغم هذا كان الصليبيون ينظرون الى الاقباط نظرة من يخالفهم فى المذهب ويشكون فى ولائهم لهم ان هم نجحوا فى غزوهم ، اى ان الاقباط وقعوا بين ضغطين لا دخل لهم فيها

حاول الصلبيون الاستيلاء على مصر فى خلافة الأمر بن المستعلى الخليفة الفاطمى ( 1101 -1130 ) ولكنهم فشلوا ، ولشدة غيظهم من عدم تعاون الاقباط معهم منعوهم من زيارة الاراضى المقدسة

وفى النهاية فانه مما لا شك فيه ان الحملات الصليبية انشات موقفا صعبا بالنسبة للاقباط ، فقد تخالف الجهل مع التعصب فى اتهام الاقباط بمساعدة الصليبين او التخابر معهم بينما كانوا فى الحقيقة شديدى الحرص على ان يكونوا محايدين بل متعاونين فى احيان كثيرة مع المسلمين فى مصر لانهم عصران فى بلد واحد ، اما الصليبين فهم غرباء وغزاه .

 

 

 

 

الفصل الثالث

الكنيسة القبطية فى ظل الدولة الأيوبية







 

تولى صلاح الدين يوسف كرسى الوزارة 1161 م ، وكان مسلما متدينا ، الا انه ضايق الاقباط كثيرا ، فأمر بطردهم من العمل فى دواوين الحكومة وان يعلقوا اجراسا فى اعناقهم ، وأمر بنزع الصلبان الخشب من فوق قباب الكنائس

ولما كان من عادة المسيحيين ان يزفوا الصليب فى عيد احد الشعانين فى الشوارع فى كل بلدة وكل مدينة منعهم من هذا ، وأمرهم بأن تكون اصواتهم منخفضة فى الصلوات فى الكنائس كان هذا مما حرك بعضا من المسلمين الى معاملة المسيحيين معاملة سيئة واغتصبوا بعض الكنائس

ولما تولى صلاح الدين السلطنه سنه 1171 م، وفى اثناء انشغاله بالحروب الصليبية فى سوريا اراد ملك النوبة ان ينتهز الفرصة ويستولى على مصر ، فوصل اسوان واسر كثيرا من المسلمين ، فسير صلاح الدين اليه جيشا حاصر قلعة دير ابريم وفتحها عنوه وخلص الاسرى ونهب المدينة وقتل اكثر سكانها واسر اسقفا وطالبه بمال كثير وكان اثناء حروب صلاح الدين فى الشام ان اناب عنه وزيره بهاء الدين احد خصيانه السود ، فرأى هذا الخصى ان يرمم اسوار المدينة فساق اليها المصريين مسلميين ومسيحيين معا ليشتغلوا فى هذا العمل ، فنقم عليه الجميع ، وصار الاولاد يمثلونه فى الشوارع ويلقبونه باسم قراقوش ، ولا يزال هذا الاسم يستعمل للظالم للأن

وقد تعمد هذا الوزير مضايقة الاقباط ، فما كان منه الا انه رفد كل موظف قبطى من دوائر الحكومة الا من اسلم ، ثم عاد فأرجعهم الى اعمالهم لما استحالت دوائر العمل فى الدواوين على ان تدور ، بل ان السلطان نفسه لما تحقق من امانتهم اتخذ له منهم كاتبا خصوصيا من عائلة قديمة شريفة تعرف بعائلة شرافى ، وكان ابوه من مشاهير رجال الحكومة ايام العاضد ، وكان يسمى بأبى العالى ، ومنحة صلاح الدين لقب الشرف والرئاسة وسماه بالشيخ الرئيس صفى الدولة بن ابى العالى ، وكان محبوبا ، وظل فى خدمته الى ان مات

وكان الارمن الذين هاجروا من مصر قد تركوا كنيسة لهم بالفسطاط ، انعم بها صلاح الدين على فقية دمشقى يسمى بهاء الدين فطلبها صفى الدولة هذا لتكون للاقباط فأعطاها لهم صلاح الدين ، ولما تحقق صلاح الدين من اخلاص الاقباط وهبهم اعظم مكان وهو دير السلطان بفلسطين

بانتصارات صلاح الدين المتكررة على الصلبيين وتعاون الاقباط معه فى صنع هذا النصر مثل عيسى الغواصى الذى كان يغوص بالقرب من سفن الصلبيين ويتعرف على اخبارهم وتبلغها اليه مما كان سببا مهما فى النصر عليهم وسقوط مدينة القدس فى يد صلاح الدين فى عام 1187 تغيرت نفسية الايوبيين واصبحوا اكثر تسامحا مع الاقباط ومنحهم دير السلطان هذا هو مكان قريب وملاحق للقبر المقدسة بالقدس ، وهذا الدير هو الدير الوحيد الذى لا يحمل اسم احد القديسين كما هو معروف عن الاديرة القبطية

 

كما اعاد صلاح الدين الكثير من الاقباط الى وظائفهم العليا فى الدولة ، كما استرد اقباط اخرون اموالهم وممتلكاتهم التى كانوا قد فقدوها بطريقة او بأخرى ،

وهذا يدفعنا الى التسأول كيف عامل صلاح الدين الاقباط بسوء أول الأمر ، اهى داعية من دواعى الامن ام دسية من مريض نفس دسها عليهم عنده وتبين بعدها الرشد من الفى ؟!

فهناك موقف له ان نور الدين صاحب صلب ودمشق كتب يوما الى الخليفة العباس يقول له ( ان المسلمين حكموا خمسمائة عام ولم يسيئوا للنصارى ، اما الان وقد انصرفت هذه الاعوام ، يجب الا يبقى هؤلاء النصارى فى الامبراطورية الاسلامية ، ومن لا يسلم منهم يقتل .. لكن الخليفة كان مسلما تقيا عارفا بدينة فكتب يقول له " انك لا تفهم تماما اقوال النبى من ان الله لا يأمرنا ان تقتل من لم يرتكب سوءا "

وهناك موقف اخر لصلاح الدين مع نصارى القدس بعد ان فتحها ،فلقد نصت شروط التسليم على ان المسيحيين الفرنجة يعتبرون وحدهم اسى حرب وعليهم ان ارادوا فك هذا الاسر ان يدفعوا الديه الحربية ، اما النصارى من اهل القدس الذين ليسوا من الفرنجة فقد طلبوا من صلاح الدين ان يمكنهم من الاقامة فى مساكنهم على ان يدفعوا الجزية فأجابهم الى طلبهم ..)

البطريرك يؤانس السادس الـ 74 ( 1189 -1216  )

كان علمانيا باسم ابو المجد بن ابو غالب بن سويرس وكان من أسرة غنية ويعمل بالتجارة وكانت له وكالة بمدينة مصر وكذلك امتلك مصنعا للسكر وطواجن واملاك اما عن تقواه فيقول عنه ساويرس بن المقفع فى كتابة تاريخ البطاركة ( كان بتولا عالما .. كاملا فى جسده وقامته ، بشوش الوجه حسن الخلق لين الكلام ، ما كان يغفل عن صلوات السواعى الليلية والنهارية محبا ومجتهدا فى ضيافة الغرباء وافتقاد المرضى والمحبوسين " ولشدة محبة المسلمين له توسط فى رسامته قاضيان منهم ، وقبل انه كان متزوجا ولما ماتت زوجته لم يشأ ان يتخذ له زوجة غيرها وأثر العزلة ، ومع ان القانون يحكم ان الذى ينتخب بطريركا يكون اعزبا منذ بداية حياته الا ان علم هذا الرجل وتقواه اكسباه الافضليه على جميع المرشحين وجلس على الكرسى البطريركى فى 4 امشير 905 / 1189 م فى عهد صلاح الدين الايوبى الذى لم يعارض فى انتخابه . وبعد ولايته وصله خبر وفاة مطران الحبشة فعين بديله كيلوس اسقف فوه التى كان شعبها قد قتل بسبب الحروب الصليبية ورقاة الى درجة المطرانية وسافر الى الحبشة حيث قوبل بفرح عظيم يرأسه الملك نفسه ، ولكنه عاش فى بلاد الحبشة عيشة الترف فكان له عشرة قسوس بصفة تلاميذ ،

وحدث مرة انه فقد من كنيسة اكسيوم ( اسم الحبشة القديم ) عاصمة المملكة أنية من الذهب عظيمة القيمة ، فحصر المطران الشبهة فى امين خزائن الكنيسة – وهو احد تلاميذه وامر بضربه حتى مات فثار عليه اهله وارادوا ان يفتكوا به ولكنه لاذ بالفرار واتى الى مصر ، فاندهش البطريرك وسأله عن سبب مجيئة ، فأجابه ان اخا الملكه اغتصب الرئاسة منه لعدم موافقته له فى بعض امور تخل بالدين ، فلم يقبل البطريرك منه هذا السبب اوفدا البطريرك مندوبا من قبله الى الحبشة ليستجلى الامر

 

 

والتحقيق فيه ، بينما حجز هذا الاسقف لديه ، وبعد سنه عاد المندوب وعرض على البطريرك نتيجة التحقيق ، وارسل ملك الحبشة مع هذا المندوب بعض كبار مملكة وقسيسه الخاص ليشهدوا امامه ضد المطران ، كما ارسل ملك الحبشة هدية ثمينه لملك مصر ، وطلب مطرانا غيره . الا ان هذه المسأله نتج عنها مشكلة تقليدية وهى كيف يرسم مطرانا على كرس صاحبه موجود فجمع مجمعا كبيرا من رؤساء الكهنة وكبار الاراخنة ، واحضرا المطران وبعد تلاوة القضية فى حضوره حكم عليه المجمع بتجريدة من رتبته وكل درجاته الكهنونية قبل الشروع فى رسامة اخر ، وقد تقاطر الناس مسلميين واقباط لمشاهدة هذا المنظر غير المسبوق وجرد هذا المطران من ملابسه الرسمية وعاد علمانيا ممقوتا من الجميع ، ورسم مكانه احد رهبان دير الانبا انطونيوس

وحدث ان ترمل فى ايمان قس من البشمور متزوج مرة ثانية فطرده الشعب ففر الى الاسكندرية وجعل يخدم هناك ، فلما وصل خبره الى البطريرك وبخ الاكليروس الذين أووه وسن قانونا يقضى بانه لا يجوز لأية كنيسة ان تقبل كاهنا غير معروف بدون ان يكون معه تصريح رسمى من رئيسه

توفى هذا البابا فى 11 طوبة 932ش / 1216م بعد ان قضى على الكرس 27 سنه فنفاه الجميع اقباط ومسلمين

الانبا كيرلس الثالث ابن لقلق الـ 75 ( 1135 – 1243 )

بعد نياحة البابا يؤانس السادس ، ظل الكرسى البطريرك شاغرا مدة عشرين سنه تقريبا ، بسبب الظروف التى احاطت بالبلاد من جراء الحروب الصليبية

خلافات الاقباط فيما بينهم فى شأن من يصلح للبطريركية

ظهر ثلاث مرشحين للبطريركية لكل منهم فريق من الاراخنة يناصرونه واستعملوا اساليب رخيضة فى الدعاية لهم بعيدة عن اوامر الكنيسة وتقاليدها ، وكان هؤلاء المرشحون هم : القس بولس البوشى والقس داود بن لقلق الفيومى والارشيدياكون  ابو شاكر بطرس ناظر كنيسة ابو سرجه بمصر القديمة التجأ فريق ابوشاكر بطرس الى وسائل غير مشروعة ، وقدموا مبالغ طائلة لبيت المال والسلطان نفسه ، ومع ذلك لم ينجحوا فيما ارادوا ، اما القس بولس البوشى والقس داود بن لقلق فظلا متلازمين يشتركان ويتعاونان فى وضع الكتب الدينية دفاعا عن الدين ، وظل القس داود بن لقلق طوال هذه المدة مثابرا فى اغتنام كل فرصة تواتية للوصول الى تحقيق الجلوس على كرسى البطريركية ،

اما القس بولس البوشى فلما رأى المنازعات على اشدها ، واخذت شكلا يتنافى مع الدين ، سحب نفسه من هذه المناقشة كما انسحب الارشيدياكون ابو شاكر بطرس ، وهكذا خلا الميدان للراهب القس داود بن لقلق الفيومى

حياته

من هو ابن لقلق .. كان من الفيوم حيث العديد من الاديرة وكانت هذه الاديرة مأهوله فى القرن الثالث

 

 

عشر بالرهبان ، فانخرط داود فى احدها ولعله كان باسم دير القديس بقطر ، وكان من زملائه فى هذا الدير اللراهب بولس البوشى ، رسم داود قسا وخدم باحدى كنائس الفيوم ، وما لبث ان حدث خلاف شديد بينه وبين كهنه هذه الكنيسة ، وقام يمله بسبب هذه المنازعات اكابر المسلمين فى المدينة واعتقلوه فضا للمشاكل واستتباب للأمن ، لكنه ما لبث ان اطلق سراحه بواسطة احد اراخنة الكنيسة المدعو ابو الفتوح نشئ الخلافة المعروف بابن الميقاط واحضره الى القاهرة واسكنه معه بداره ، وكان ذلك فى حياة البابا يؤانس السادس ، ومنذ ذلك الحين توطدت العلاقة بين داود بن لقلق ونشئ الخلافة ابو الفتوح ، وكان للراهب ابن لقلق تعاليم تخالف تعاليم الكنيسة فى تلك الاونه تنيح مطران الحبشة وسعى الراهب داود ان يرسم بدله ، وقدم مائتى دينار للملك العادل ليصدر امره للبطريرك برسامته ، فأرسل الملك رسولا من قبله للبطريرك يحمل له هذا الامر الملكى ، لكن البطريرك اعتذر فى لباقة عن اجابة هذا الطلب لأن الراهب داود لا يصلح للمنصب لفساد ايمانه لانه يقول الروم الملكانيون ، وأن ذهابة الى الحبشة قد يجلب مكاره كثيرة ، ولما سمع الملك ذلك عدل عن طلبه ، ورسم البطريرك مطرانا اخر على الحبشة ، وكان فعلا ابن لقلق يقلد الكاثوليك فى اقوالهم ولباسهم

كان العدد الاكبر للراهب ابن لقلق هو نشئ الخلافة ابو الفتوح ، بينما كان اضرار الراهب ابن لقلق ليستعينون على ابن الفتوح بالسلطان الملك الكامل ابن الملك العادل ، ورغم محاولات ابو الفتوح فلم ينجح فى ترشيحة ، فلجأ ابن لقلق الى وسيلة اخرى بأن ارسل الى كراسى الأباء الاساقفة بالوجه البحرى والى اسقف طنبدى فى الوجه القبلى ، فاجتمع سبعة اساقفة فاكرمهم وطلب اليهم كتابة تزكية للراهب داود بأنه يصلح بطريركا

وتصادف ان الملك الكامل خرج من القاهرة فى نزهة صيد الى الاسكندرية ، فعبر بحر ابيار ورأى صومعة راهب حبيس هناك فوقف تحتها وصاح عليه فكلمه ودعاله ، فشكى الملك له من وجع فى قلبه ، فصلى له الراهب الحبيس على ماء وزيت طيب وقال له " اذا ادهنت موضع الوجع فا الله الشافى " وفعلا شفى الملك واصبحت موده بينهما ، فلما كثر النزاع حول ابن لقلق تذكر الملك الكامل الراهب الحبيس بابيار ، وقال للاساقفة انا امر ان يكون حبيس ابيار بطرككم وانا ارضاه لكم ، وكتب فى الحال الى والى الغربية ان يأتية بهذا الحبيس الى القاهرة

فلما سمع نشئ الخلافة ابو الفتوح بذلك الخبر اتفق مع الامير فخر الدين عنان وزير الملك الكامل على ان يقولوا للسلطان عن الراهب الحبيس بابيار انه يسأل مولانا السلطان الايزعجوه ولا ينزلوه من صومعته ، وانفذوا رسلا ارجعوه ثانية الى ابيار بعد ان كان وصل الى قليوب

سمع بهذا الخبر احد الاقباط ويدعى الاسعد بن صدقة وكان من الاراخنة ، فغار غيرة الرب واخذ جماعة من الناس ، ووقف للسلطان وقاوم منشئ الخلافة فى رسامة الراهب ابن لقلق وقال للملك الكامل انه يصانع المال حتى يتقدم علينا وما زخاه ، وقد دفع للملك العادل مالا كثيرا حتى نامر البطريرك ان يجعله مطرانا ولم يصلح ، فهل يحل الله لك ان تجعله علينا بطريركا يفسد ديننا ، ويجعل قبط مصر كلهم روما ، ويخرجها من ايدى المسلمين ، فارسل الملك الكامل الى والى مصر رسالة يقول فيها ان أنت مكنت ابا الفتوح واصحابه ان يقيموا بطريركا بغير امرى شنقتك ،

قام ابو الفتوح بمحأولة اخيرة لرسالة ابن لقلق ، فانتهز فرصة خروج الملك العادل الى الاسكندرية واستاذنه فى رسامة ابن لقلق ، فقال له : اجعله بطريركا والحق به الى الاسكندرية

 

 ولا تبطئ وبالفعل استعد داود بالثبات كهنوتية وحق مع الاساقفة وابو الفتوح الى الكنيسة المعلقة ليرسموه بطريركا ، فاتصل البعض بوالى مصر فركب وجماعة من جنده وجاء الى الكنيسة المعلقة وفرقوهم وفر ابن لقلق وخرج الاساقفة قاصدين كراسيهم ، ومنذ ذلك الوقت لم يعد نشئ الخلافة يتحدث فى امر رسامة ابن لقلق

يأس ابن لقلق من رسامته بطريركا وسكن احد الاديرة القريبة من القاهرة وهو دير القديس فيلوثاوس المعروف بدير النسطور الذى كان يشرف عليه احد اعوانه ، وطال الحال بمصر دون بطريرك حتى لم يبقى من الاساقفة سوى اسقفين بالوجه البحرى واسقفين بالوجه القبلى ، وخلت كنائس كثيرة من الكهنة ، حتى ان مدينة الاسكندرية وبرية شيهات لم يبقى لهم الا كاهن واحد ، ونفذ الميرون ايضا حتى اخطرت اغلب الكنائس ان تأخذ بواقى الميرون ويجعلونه فى المعمودية ، كما اخطرت بعض الكنائس فى القرى الى استخدام زيت الغاليلاون بدل الميرون

اخيرا بواسطة راهب يدعى عماد ، اتفق مع الراهب دأود اول ان يدفع ثلاثة الاف دينار ويضمنه بها لبيت المال ، وكان الملك الكامل بالاسكندرية واتفقوا معه ان تتم رسامة الراهب ابن لقلق بطريركا بالاسكندرية باسم كيرلس الثانى وذلك بواسطة يد اسقفين احدهما اسقف اشمون طناح ( اشمون الشرقية ) والثانى اسقف ميليج ، وكان ذلك يوم 16 يونيو 1235 فى كنيسة انبا شنودة خارج المدينة ، واكملت الرسامة يوم الاحد الثانى 23 يونيه بكنيسة سوتير

 ومن الاخطاء الكثيرة التى تؤخذ على البابا كيرلس الثالث

1- لجؤدة الى سيمونية فى الرسامات الكهنوتية وكان قد تقرر عليه ان يدفع اثنى عشر الف بندقى لبيت المال ( حوالى 3000 دينار ) وكان لا يملك منها شيئا ، فلجا الى السيمونية لسداد هذا المبلغ ، وبطيبة الحال خطأ واضح

2-فإن هذا البطريرك رسم بطريقة غير شرعية ولا تقرها قوانين الكنيسة ، وقيل عنه انه لم يرسم اسقفا او كاهنا او شماسا الا بالسيمونية ، ورسم عددا كبيرا من الاساقفة لأن معظم الكراسى الاسقفية كانت خالية ، وقبل انه فى اقل من سنه رسم اكثر من 40 اسقفا وعدد لايحص من القسوس والشمامسة وكان عزره الذى يقدمه دائما ازاء هذا النقد هو جمع ما يجب دفعة من المال للسلطان ، ويسبب السيمونية ابتعد عنه اكثر من كانوا ملتصقين به ، حتى نشئ الخلافة نفسه ، وقد تعرض لاهانات وحبس بسبب تصرفاتة التى انكرها عليهاالجميع

كما حدثت بعض المشاكل والاحتكاكات من جانب عامة الناس بسبب مسجد كان ملاحقا للكنيسة المعلقة ، وتعمد مؤزن المسجد مضايقة البطريرك ، بل كسرو القلايه البطريركية وسرقوا بعض الاوانى الفضية ، فذهب جمع غفير من المسلمين الى الامير جمال الدين بن يغمر نائب السلطان وشكوا اليه وقالوا يا مولانا هل تغلق المساجد وتفتح الكنائس فأجابهم : هذا حديث لا يسمع ، بل ان الجميع تفتح ابوابها ، ومن اراد المسجد يطلع اليه إلا أنه لا يؤذى احد ، ولا يتعرض احد لأخر ، اما هؤلاء النصارى فهم رعية السلطان ، وانتم ادرى بذلك ، وأن هذا المسجد فقير وانا اقوم به ، إلا ان المقدى فأنا لا امكن احد منه " وكان النصارى مع اخوانهم المسلمين فى سلام وهدوء

 

ظل البطريرك كيرلس الثالث سائرا فى خطته السيمونية حتى ضج الشعب من تصرفاته ، واجتمع جماعة من الاراخنة واتفقوا على مناقشة فى تصرفاته ، وذهبوا الى الكنيسة المعلقة ، ودار بينهم حوار وحديث ساخن وقالوا له ( الى متى تفعل هذه الاشياء التى جعلتها هتكة ومسبة بين الامراء والشعوب ، تسألهم ( وما هى هذه الاشياء التى تتضررون منها ) قالوا له اخذك السيمونية على الكهنوت ، فلما اسمع احتج بسداد اموال السلطان اجابوه ومن احوجك ان تقرر للسلطان شيئا ما كان معين عليك ان تدخل فيه ، ولم تطرح عليك البطريركية بالقوة ، بل انت الذى قدمت رشوة فى سبيلها ، وخطبتها لك وقضيت فيها الى اليوم مدة تسعة وعشرين شهرا حصل الخراب فى اعمال كنيستنا على يديك ، اجابهم البطريك انى لم اخرب كنيستكم بل عمرتها فما كان فيها سوى اسقفين واصبح عددهم اليوم خمسين اسقفا ، كما اصبح عدد الكهنة لا يعد ولا يحصى ، قالوا له ان الاساقفة هم الاخرون يأخذون السيمونية ، فرد عليهم ومن يرضى بهذا للاساقفة ، لو بلغنى ان اسقفا اخذ السيمونية لمنعته ، وختموا حديثهم معه بان يكتب الى الاساقفة بمنع السيمونية

وفى سبل جمعه لمزيد من الاموال اتبع البطريرك جميع الاديرة للبطريركية بعد ان كان كل اسقف مسئول عن ديرة ، كما أنشا مطرانية قبطية على بيت المقدس وبلاد الشام ورسم لها اسقفا يرعى شئون الاقباط هناك باسم باسيلوس ، وكان هؤلاء اول بطريرك يرسم اسقفا للقدس

وإذاء تصرفات هذا البطريرك تقدم اليه البعض بمطالب للاصلاح فى مقدمتها :

1- ايمان الاقباط وابطال السيمونية ، لكنه لم يبال بها ولم يغير من طريقته

2- تطالبوه بعقد مجمع مقدس ، ولما اعبث الاساقفة الحيل مع البطريرك حضر الى القاهرة اربعة عشر اسقفا اغلبهم من الوجه البحرى واجتمعوا بالبطريرك فى كنيسة حارة زويلة فى 3 سبتمبر 1238 م ، ووضعوا قرارات وقعوا عليها وحرموا من يحيد عنها وهى المعروفة بقوانين كيرلس بن لقلق ، وتبدا هذه القرارات باقرار الايمان الارثوذكسى المحدد بواسطة المجامع المسكونه الثلاثة الاولى نيقية والقسطنطينية وافسس وأياء الكنيسة وقوانين الرسل والمجامع المقبولة ، وبعد ذلك وضعت فى اربعة كتب :

-        الكتاب الاول يتعلق بنظام ادارة البطريركية

-        الكتاب الثانى يشمل النشر مع الكامل لعوايد وطقوس ونظام البيعة

-        الكتاب الثالث يتكلم عن الاوقاف والصدقات

-        الكتاب الرابع يتناول موضوعات ظقسيه

هذه القرارات والكتب وضعت بين عامى 1238 – 1239 وقدا ضيف اليها كتاب خامس فى سنه 1240 ويشمل ما اتفق عليه فى مجمع زويلة مع بعض اضافات وقدا شنهر باسم " اتفاق المعلقة "

خرج الاساقفة وعادوا الى كراسيهم بعد انتهاء مجمع زويلة ، لكن البابا كيرلس الثالث بعد ان حدد

 

الانظمة التى تتبع فى ادارة شئون الكنيسة وموافقته عليها هو والاساقفة المجتمعين معه لم يقم بتنفيذها ، فعقد له فى 8 سبتمبر 1240 مجلس فى قلعة صلاح الدين بحضور الوزير معين الدين بن الشيخ والاساقفة وشيوخ الرهبان والاراخنه وبعض المسلمين الذين حضروا مع الوزير ، وقد تقرر فى هذا الاجتماع بحضور كيرلس الثالث ان تسير الامور فى الكنيسة على نحو ماسبق تقريره فى مجمع زويلة واضافوا اليه ما يأتى :

1-    ان يلازم القلاية لابطريركية اسقفان عالمان هما القمص بولس البوشى الذى تقرر رسامته اسقفا على مصر ، والثانى احد الاساقفة العلماء بالوجه البحرى وحددوا اسماءهم ، ويعمل البطرك معهما فى كل ما يتعلق بشئون الكنيسة الادارية

2-    ان تتولى كل كنيسة بمصر والقاهرة والاسكندرية ادارة اوقافها

3-    ان تختصر القوانين التى وضعت فى سنتى 1238 ، 1239 بالاتفاق مع البطريرك والاساقفة الحاضرين ، وتكتب عدة نسخ وتوزع على الكراسى للسير بمقتضاها

فيما يتعلق بالرهبان الذين يخدمون فى كنائس العالم يستمد بالخدمة من كان موجودا منهم حتى نياحة البابا يؤنس السادس ، بحيث لايناول احد منهم النساء من الجسد والدم

وحدثت فى اواخر ايام البابا كيرلس بن لقلق عدة مشاحنات بسبب تجاور مسجد وكنيسة المعلقة واعتدى المسلمون على حائط الكنيسة المجاور للمسجد ، وحدثت بلبلة كبيرة بسبب ذلك ، وكان المسلمون يصعدون الى ظهر قلاية البطريرك ويؤذنون ويكبرون ، وحدثت احداث مؤسفة نتيجة لذلك ، وعلى الرغم من الامير احضر قوما منهم وضربهم بشدة كما حبس والى مصر جماعة منهم الا انهم لم يهدأوا

نصح اسقف مصر النقى انبا بولس البوش البطريرك بأن يلجأ الى حياة الوحدة املا فى الهدوء ولمراجعة تصرفاته والبعد عن العالم وعن الاحتكاك بالناس مما يهيئ له الرجوع الى الصواب فى اواخر حياته ، حتى تتساوى اعماله بمواهبه النادرة ، كما قال فيه ابو شاكر بطرس المعروف بابن الراهب فى كتابه التاريخ ( انه كان رجلا بارعا ذا فنون كثيرة ، الا انه كان يحب جمع المال واخذ السيمونية ، ولهذا عصت عليه اقوام واهانوه وعقدوا له المجالس ، وقد فلح الانبا بولس البوشى فى اقناع البطريرك بذلك ، فاعتزل فى دير الشمع بالجيزة حتى نياحته فى 10 مارس 1243 ودفن بهذا الدير ، وقد عاصر من الملوك الايوبين : الملك الكامل والعادل والصالح والمعظم ،

ومن المؤلفات التى حفظت  له كتاب (المعلم والتلميذ )، ولما تنيح استولى السلطان على جميع مخلفات ، وظل الكرسى البطريركى بعده شاغرا نحو سبع سنوات ونصف

 

 

 

 

من اشهر الشخصيات القبطية

فى العصر الايوبى

امتد حكم الايوبيين فى مصر 1171 – 1250 ، وكانت فترة ثرية بالأحداث سواء على الساحة السياسية ، من جراء دخول الايوبيين مصر وتوليهم الحكم ، أو ورود الحملات الصليبية التى دفع القبط ثمنها ولم يكن لهم فيها جريرة

الا انه يلاحظ انه رغم ما تعرضوا له من ضغوط نبغ منهم الكثيرون فى شعاب مختلفة من العلوم سواء الدينية او الثقافية ومن اهمهم

-    الشيخ الرئيس صفى الدولة ابن ابى العالى المعروف بابن شرافى كاتب سر صلاح الدين الايوبى ، وقد بقى فى خدمته حتى مات ، وكان محبوبا عند السلطان

-    الشيخ نشئ الدولة ابو الفتوح المعروف بابن الميقاط ، وكان رئيسا لديوان الجيوش فى عهد الملك العادل ، وقد لعب دورا هاما فى رسامة كيرلس الثالث

-    الاسعد بن صدقة كاتب دار التفاح وزعيم الفريق الذى قاوم رسامة الراهب داود بن لقلق بطريركا

-     الشيخ ابو سعيد بن اندونه ، كان مستوفيا بالديوان الخاص العادلى فى عهد الملك العادل

-     الشيخ الثقة جبريل وكان من اكابر الاقباط ايام الايوبيين واهتم بتجديد الكنائس التى تخربت

-     الشيخ شرف الرئاسة ابن هيلان كاتب الجيش

-     الشيخ الاسعد ابو الفرج صليب بن ميخائيل ، وكان صاحب ديوان الملك الصالح

-    الشيخ السديد ابو الفضايل المعروف بابن ستمائة ، كان كاتب الامير على بن احمد الكردى ، وكان امينا على خزائنه وأمواله ، وقد جدد عمارة دير ابو سيفين بمصر القديمة وجعلها مقرا للبطريركية

-    الشيخ ابن امين الملك ابن المهذب ابو سعيد يوحنا الاسكندرانى ، وكان كاتبا مجيدا وشاعرا عظيما

-   الشيخ المكين ابو البركات المعروف بابن كنامية

-   امين الدولة ابن المصوف ، كان امينا على أموال الحكومة فى ايام السلطان صلاح الدين

 

 

-    الشيخ ابو المكارم بن حنا والشيخ صنيعة الملك ابو الفرج بن الوزير والشيخ علم السعداء ابو اليمين والشيخ ابو الفرج وجميعهم من عائلة ابو اليمين بن زبنور الذى برز عهد الدولة الفاطمية

-    الشيخ الصفى بطرس مهنا

-    الاسعد صليب بن ميخائيل ويعرف بابن الايقومانس ، كان عالما فاضلا ، فلما احرق الوزير شأور مصر القديمة ، قام هو بتجديد دير مار مينا ، وانشا مدرسة ومنتدى علمى هناك

-    ابو سعيد بن الزيات احد اثرياء الاقباط ، والشيخ يحيى بن هبة الله ويلقب بصنيعة الخلافة ، والشيخ مصطفى الملك بن ابو يوسف ، والشيخ علم الرئاسة ابن الصفر والشيخ فخر السعد بن زيتون

-    الشيخ ابو المكارى ، وكان كاتبا ، ولما توفيت زوجته استقال من خدمة الديوان وترهب بأحد الاديرة ثم رسم اسقفا ،

-    بطرس بن التعبان الراهب ، ويلقب بالشيخ السنى ، وهو استاذا اولاد العسال كان كاتبا ثم ترهب وبقى بدير المعلقة بمصر القديمة إلى ان مات فى شيخوخة كبيرة ، ويبدو انه تزوج اولا ثم ترمل بعد وفاة زوجته ، لانه والد بطرس ابو شاكر ابن الراهب

هذه كوكبه من الشخصيات القبطية الامه فى تلك الفترة ، وتذكر بالتفصيل

كوكبة اخرى مثل :

اولا : اولاد العسال :

تنحدر هذه الاسرة العظيمة الشأن من اصل قبطى صميم ، وهم يتصاعدون فى النسب الى : ابى البشر يوحنا الكاتب الذى ولد ابا سهل جرجس ، وهذا ولد ابا اسحق ابراهيم الذى انجب الشيخ الأجل فخر الدولة ابو الفضائل اسعد والد العلماء الثلاثة الذين اشتهروا من اولاده وهم : الشيخ الصفى ابو الفضائل الأمجد ، والشيخ مؤتمن الدولة ابو اسحق ، والشيخ ابو الفرج هبة الله المعروفين بأسماء : اولاد العسال

وهو ان لم يكن لدينا مصادر وافية عنهم الا انه تعرف انهم درسوا فى الكتاتيب القبطية ، ثم اتصلوا بعلماء الاقباط وكبار رجال الدين المعاصرين ، وكان استاذهم الاكبر الشيخ السنى ابا المجد المعروف بعد رهبنته بالشيخ السنى بطرس بن التعبان الراهب ، ويعتبر من فطاحل القرن 13 ، ويشتهر بأنه قسيس ابى سرجة بمصر القديمة ، وكان اولاد العسال على معرفة بليغة باللغة العربية وعلومها من  احرف ونحو وبيان وعروض ومنطق وفقة وغير ذلك الى جانب اللغة القبطية واليونانية والسريانية .

 

 

كما اشتهروا بجودة خطهم العربى ونسب اليهم الخط الاسعدى فضلا عن خطهم اليونانى القديم

ونعرض لاهم اعمال كل منهم :

أ: الشيخ المؤتمن ابو اسحق بن العسال :

1-   مجموع اصول الدين ومسموع محصول اليقين وهو من اوسع الكتب اللاهوتية

2-   التبصرة المختصرة فى اللغة القبطية

3-   اداب الكنيسة

4-   خطب الاعياد السبدية وغيرها

5-   السلم المقفى والذهب المصفى وهو قاموس قبطى عربى

6 -   مقدمة فى رسائل بولس

ب : الاسعد ابو الفرج هبة الله

1-    مقدمة فى ( اجرومية اللغة )

2-    مقابلة وتصحيح لترجمات الاناجيل الاربعة

3-    رسالة فى مقدمة رسائل بولس التى صنفها اخوه المؤتمن

4-     كتابة فى حساب الابقطى وفيه بعض قواعد فلكيه تاريخية وجدول للبطاركة

5-     ارجوزه فى حساب الابقطى شرحها البابا يوحنا البطريرك ال 107 .

ج : الشيخ الصفى ابى الفضائل بن العسال

1-     كتاب الصحائح فى الرد على النصائح

2-     كتاب فى الرد على المدعين بتحريف الانجيل

3-     جامع اختصار القوانين المعروف بالجموع الصفوى وهو الذى تعتمد عليه الكنيسة اليوم 

4-     الكتاب الاوسط

5-     فصول مختصره فى التثليث والتوحيد

 

6-    حوار على مناظرات الشيخ عيسى الوراق مع ابن عدى واجوبته على اعتراضات عبد الله الناشى وغيره

7-      ارجوزة فى المواريث ، وله كتاب ( كفاية المتبدين فى علم القوانين )

ثانيا : الشيخ المؤتمن شمس الرياسة ابو البركات

الشهير بابن كبر قسيس المعلقة نبغ هذا الفليسوف القبطى والطبيب الذى الف فى الادوية والعطور والعقاقير والسموم تلقى تعليمه الاول فى الكتاتيب القبطية ، وبعد ان نال قسطا من التعليم فيها انخرط فى سلك كتاب الدولة حتى وصل الى منصب كاتب الامير تم انكب على دراسة كتب الاولين فى مختلف العلوم المدنية والدينية واللغوية ، ودرس الكتب الكنسية القديمة دراسة مستفيضة ، وساعده على ذلك تقربه من الباباوات المعاصرين له سيما البابا يؤانس الثامن البطريرك الثمانون ، فأكمل بذلك ثقافته العلمية الدينية

ولما امر السلطان الملك الاشرف خليل بن الملك المنصور قلاوون بعدم اشراك النصارى فى ادارة الدولة واضطهد الحكام منهم اعتزال ابو البركات الخدمة وتفرغ للدراسات العلمية واللاهوتية والتاريخية

وفى سنة 1200 اجمع اراخنة الشعب على اختيارة كاهنا ورسم قسا على كنيسة المعلقة وكانت انذاك هى الكاتدرائية البطريركية ، وكان وقتئذ قد تجاوز سن الثلاثين ، وقام بعد سيامته قسا بالقاء اول عظة كنسية له فى الاجتماع الاول للبابا يؤانس الثامن بدير شوان

وقد كان عصر ابن كبر عصر دراسات وعلم وعلماء ولكنه كان فى القمة ، حيث تفرد المقدرة فائقة على البحث والتعمق فى احوال الاشياء ، فقام بسد النقص الذى فات من سبقوه ومن عاصروه فى كثير من الايمان ، كما انه لم يقصر تأليفة على اللغتين القبطية والعربية بل الف باللغات اليونانية القديمة والعبرية والسريانية ، وكان له السبق فى معرفة ترتيب الطقوس الكنسية والعقائد الدينية وبجانب هذا النبوغ كان تقيا مصلحا ومحافظا على المعتقدات الارثوذكسية السليمة للكنيسة القبطية

مؤلفاته :

قام الشيخ المؤتمن شمس الرئاسة ابو البركات بن كبر بتأليف موسوعات فى العلوم الكنسية واللغة القبطية والفلسفية الدينية المسيحية حتى اصبحت مرجعا فيما بعد للاكليروس وللدارسين وكان اخر عهدة بالتأليف سنه 1320 م ومن اشهرها :

1- " كتاب مصباح الظلمة لايضاح الخدمة " وهو عبارة عن دائرة معارف كنسية يحوى 24 بابا ، وعدة فصول فى العقائد المسيحية واخبار الرسل

2- كتاب مرات وخطب ورسائل ومكاتبات " وهو باللغة العربية يحوى 51 موضوعا طبع منها 23 موضوعا فى ( كتاب الجوهرة النفسية فى خطب الكنيسة )

 

3- ( معجم اللغة القبطية ) المعروف باسم السلم الكبير ، وهو مبوب لعشرة ابواب تحوى 32 فصلا جمع الالفاظ القبطية المصطلح عليها ، وترجم كل منها بالعربية الصحيحة

4- كتاب جلاء العقول فى علم الاصول : الملقب بكتاب كشف الاسرار الخفية فى اسباب المسيحية ، يتضمن 18 فصلا فى المعتقدات المسيحية وحدانية الله تثليث اقانيمة وتجسد الابن .. الخ

5  -   ( ردود على اليهود والمسلمين )

6-  ( رسالة البيان الاظهر فى الرد على من يقول بالقضاء والقدر وفضلا عن هذه الكتب العميقة فى صلب الديانه المسيحية نجده يؤلف فى التاريخ الاسلامى ( كتاب زبده الفكرة فى تاريخ الهجرة ) فشهد لكتاباته المؤرخون المسلمون مثل المقريزى وابو المحاس بن تغرى بردى

وفاته :

لما وقع اخطها وكبير فى نهاية حياته على المسيحين اختفى ابن كبر وقضى بقية ايامه فى عزلة تامة فى داره ، ورتب مرتبه لنفسة عندما احس بالضعف الشديد وقرب نهاية أجلة ، حيث تنيح بسلام يوم 10 مايو 1234 فى عهد البابا يؤانس التاسع ودفن على الارجح فى الكنيسة المعلقة

ثالثا : ابن كاتب قيصر :

واسمه بالكامل ( صفى الدولة ابى الفضائل كاتب قيصر ) وقبل ( علم الرئاسة ابن كاتب قيصر او العلم بن كاتب قيصر ويرجع تلقيبة بان كاتب قيصر لأن اباه صفى الدولة كان كاتب الامير علم الدين قيصر ، وقد ورد اسمه فى كتاب الاعلام للزركلى " علم الدين قيصر بن ابى القاسم عبدالغنى الاسفونى الملقب بتعاسيف ، وهو عالم رياضى مهندس ولد باسفون من صعيد مصر ( قرب المطاعنة باسنا ) وأقام زمنا فى جماه ، فخدم صاحبها محمود المظفر وبنى له ابراجا فلكية وطاحونا على العاصى نقش فيها صورة أسد تاتئة فى حجر ، وحجر الماء بحواحز ليعلم اصحاب الاريحية فى حماة سيرار حيتهم اذا طفى النهر ، فمتى غمر الاسد بالماء لم يتقى رحى دائرة ، ومتى غاص عنه الماء مشت الارحية ، ولاتزال اثار هذا البناء باقية الى الان تسمى ( الغزاله ) ، وضع للمظفر ايضا كرة من الخشب مدهونه رسم عليها جميع الكواكب المرصودة ومات فى دمشق

وكان ابن كاتب قيصر معاصر الاولاد العسال ، والمعلومات ثمة ليست كثيرة اهم مؤلفات :              تفسير رؤيا القديس يوحنا اللاهوتى تفسير انجيل متى وتفسير رسائل القديس بولس                        ورسائل الكاثوليكون

رابعا: الانبا بولس البوشى .

اسقف مصر وقد سبق ذكرة ، له سبعة معاصر فى الاعياد السيدته ، وفى تاريخ البطاركة ، وله كتاب تصحيح الاعتقاد فى الام السيد المسيح وبيان الحق فيه على الوجم الصحيح

 

 

وكان قد ترهب بأحد اديرة الفيوم مع داود بن لقلق (البابا كيرلس الثالث)، الا أنه كان من علماء عصره الذين امتازوا بالتقوى الى جانب العلم ، لازم صديقه ابن لقلق قبل توليه الكرسى البطريركى ، ولما راى المجلس المنعقد فى المعلقة سنة 1240 تصرفات البابا كيرلس بن لقلق ، قرر ان يلازم القلاية البطريركية اسقفان احدهما بولس البوشى واحد اساقفة الوجه البحرى وترك الكثير من المؤلفات له كما شارك البابا كيرلس الثالث فى تأليف كتاب " المعلم والتلميذ "

 خامسا : الانبا يوساب اسقف فوه

كان راهبا قبل اسقفيته بدير القديس انبا يحنس ، وكان نائبا لرئيس الدير عرف عنه الاتزان والقدرة على حل المشاكل ، رسم اسقفا على مدينة فوه 1235 لما عرف عنه من صفات التقوى والعلم ، ولعل اهم ما يذكرله الى جانب نشاطه الطائفى فى حياة البابا كيرلس الثالث واختيار خليفة الانبا اثناسيوس الثالث المعروف بابن كليل

سادسا :جرجس ابن العميد :

يعرف باسم ابن الحكيم ، كان كاتب جيوش المنصورة ، كان عالما فاضلا اهم مؤلفاته كتاب فى التاريخ باسم الحاوى وهو من جزئين دائم كتاب تاريخ الطبرى والاخر ايضا يتضمن رد على الاعتراضات التى توجه الدين المسيحى

سابعا: بطرس ابو شاكر بن الراهب :

كان شماسا فى كنيسة المعلقة ، وعندما تنيح البابا يؤانس البطريرك ال74 رشح نفسه للبطريركية ، ولجأ المتحمسون له الى استعمال اساليب غبر شرعية كدفع الرشاوى لبيت المال ، كما كان واحدا من المرشحين ايام داود ابن لقلق وبولس البوشى, وجهه همه بعد فشله فى الترشيحات البطريركية الى التاليف ، فألف كتابا هاما فى اللاهوت اسماه ( الشفا فى كشف ما استتر من لاهوت المسيح وما اختفى ) كما وضع مقدمة فى التثليث والتوحيد ، وكتابا فى الحساب الابقطى وكتاب المجامع السبعة المكانية وغيرة من الكتب

ثامنا : القس بطرس السدمنتى

كان راهبا فى دير مارجرجس بسد منت الجيل بنى سويف ، له 4 مؤلف اهمها ( التصحيح فىالام السيد المسيح ) واخر عظيم يتناول بالتوضيح كل ما يتعلق بالام المسيح وصلبه وكتاب اخر باسم التأملات الروحية

تاسعا: سمعان بن كليل

راهب ببرية شهييت بدير الانبا يحنس القصير بعد ان كان كاتبا فى ديوان الجيش ايام صلاح الدين له كتاب عنوانه ( روضة الفريد وسلوة الوحيد )

 

عاشرا: الانبا ميخائيل الاتربى

كان اسقفا لمليج منوفية به كثير من المؤلفات اشهرها : كتاب السنكسار القبطى وكتاب الطب الروحانى وعدة رسائل اخرى

احد عشر : يوحنا بن زكريا ابن سباع

احد رجال القرن الثالث عشر ، اهم ما ينسب اليه كتاب " الجوهرة النفسية فى علوم الكنيسة ويقع فى 113 فصلا

اثنا عشر : انبا يوحنا نعمة الله اسقف البرلس

وضع مقاله فى قيامة السيد المسيح وقيامة الاجساد كتبها سنه 1218 وله ترجمة لسيرة القديسة دميانه

ثالث عشر : معانى ابو المكارم بن بركات

كاتب قبطى من اهالى المحلة الكبرى واقام بها ، وقد يكون من اهل سريانى حيث كانت فى كل من سنباط والمحله الكبرى جالية كبرى من السريان اختلطوا بالقبط وتناسبوا معهم واصبح نسلهم قبطيا

عمر ابو المكارم طويلا ، وكتب سيرتى البابا مرقص بن زرعة البطريرك 73 والبابا يؤانس البطريرك 74 ، وكتب حوادث الدولة الايوبية وتداخل حروبها مع تاريخ البطاركة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

 

القرن الرابع عشر

كانت مصر خلال هنا القرن تحت حكم المماليك ، وقد توالى عليها خلاله ثلاثة منهم هم : الملك الناصر بن قلاوون ، والملك الصالح ، والملك المنصور

اولا : الملك الناصر قلاوون من سنه1299

عندما تولى الملك تفشت فى مصر عدة امراض فتكت بالانسان والحيوان ، فأوعز احد القضاه المسلمين اليه بأن هذه الأدواء بسبب وجود المسيحيين فى البلاد ، وكان هذا القاضى ابنا لا حد المسيحيين واسلم ، وكان يكره المسيحيين فرض على كل فرد من الاقباط دينارا سنويا زيادة على الجزية التى كانوا يدفعونها بالاضافة الى ما كان يحيى من كل من المسلمين والاقباط ( زكاة الدولة ) زائد نفقات الاحتفال بوفاء النيل وغير ذلك ، واشتد الاضطهاد وتباعا حتى عاد واللبس العمائم الزرق وشد الزنانير على اوساطهم ومنعهم من ركوب الخيل

وقد اختلفت الاراء حول ما اصاب الاقباط ، فمنهم من قال انه بفضل هذا القاضى ومنهم من قال انه بسبب تكبر بعضهم وركوبهم الخيول المطهمه واذلال المسلمين ومنهم من يقول انه نتيجة تذمرهم وشكاياتهم من الظلم الذى وقع بهم ، وهذا ما دفعهم الى العناد ولبس العمائم البيض وتأنقوا فى لباسهم وظهر بعض الموظفين منهم فى الشوارع وهم راكبون الخيول فاشتد النكير عليهم من المسلمين

وقد راى احد زوار القاهرة من مسلمى المغرب هذا المنظر فاستنكره وذهب ليشكو حال المسلمين وذلهم ازاء الاقباط راكبى الخيول فانقلبت الدائرة عليهم فردوا من وظائفهم واستهذا الرعاع بهم فى الشوارع وجعلوا يلقونهم بالحجارة وتحطمت الكثير من الكنائس

كما كان النصارى يحتفلون فى شبرا الخيمة ( الخيام ) بعيد وفاء النيل الذى سموه عيد الشهيد  لانهم كانوا يجتمعون فى منطقة شبرا الخيمة الان على شاطئ النيل بجوار كنيسة كانت هناك ويضربون خيامهم لعدة أيام حيث يلقون بصندوق يحوى اصبع احد الشهداء فى النيل كى يزيد فيضانه ( ولذلك سميت شبرا الخيام ثم شبرا الخيمة ) . وفى هذه الايام منعوا من اقامة هذا العيد اعتبارا من عام 1302

وحدث انه لما خلع الملك الناصر وتولى بعده بيبرس الجانكيز ولقب بالملك المظفر ثم قام بيبرس وقتله واسترد عرشة ، وفى هذه الحالة تاب الى رشده واحس بأن ما حل به هو من ظلمة للاقباط ، فعاد ليحميهم من ظلم المماليك وتعصب الجهله من المسلمين الإ ان تغير موقف الملك الناصر الى صف الاقباط لم يرق بعض المتعصبين من المسلمين فجعلوا يتصيدون لهم الاخطاء وكى يواقعوا بهم  ، وحدث انه لما اراد الملك الناصر ان ينشئ ميدانا فسيحا فيما يعرف الأن بالناصرية ، وكانت تشغل

 

 

المكان كنيسة كبيرة جميلة البناء ومتينة فاشار عليه بعض المتعصبين بهدمها ، اما هو فلم يواقفهم اول الامر ثم امر بأن يحفر حولها حتى تسقط وجدها ، الا انه لمتانه مبانيها لم تسقط فاغتاظوا وفكروا فى امر اخر فلجأوا الى استصدار امر بهدم بعض الكنائس لبناء عمارات بانقاضها تعطى البلد رونقا جميلا فهدموا الكثير من الكنائس والاديرة فى القاهرة وامتدت يد الهدم الى الكنائس حارة زويلة والموسكى وبابليون فسار اليهم السلطان بنفسه ليهدئ الاحوال ويمنعهم من مواصلة هذه الاعمال وامر بفرقة من الجند للتعرض لهم وانقاذ من بقى من الاقباط الذين كانوا محاصرين فى قصر الشمع بل اسرع هو بنفسه اليهم ومعه اربعة من الامراء ولم يقو عليهم حتى انهم كانوا يقاومونه بإلقاء الحجارة عليه ، وفى النهاية هجم عليهم هجمة شديدة ففروا من امامه هاربين ويصف المقريزى هذه الايام بالصعوبة وان كثيرا من الكنائس هدم فيقول " خرب من الكنائس كنيسة بخرائب التتر من خلقة الجبل وكنيسة الزهرى فى الموضع الذى فيه الان بركة الناصرية وكنيسة الحمراء وكنيسة السبع سقايات وكنيسة بحارة الروم وكنيسة بالنبدقانيين وكنيستان بحارة زويلة وكنيسة بخزانه البنور وكنيسة بالفندق واربع كنائسبثغر الاسكندرية وكنيستان بدمنهور الوحش واربع كنائس بالغربية وثلاث كنائس بالشرقية وست كنائس بالهنساوية وباسيوط ومنفلوط ومنيةالحطيب ( المنيا حاليا ) ثمان كنائس ، وخرب من الديارات شئ كثير .. "

وقد رد بعض الاقباط على هذا العنف باحراق بعض الاماكن فى القاهرة الا انه قبض عليهم واعدموا ، واستمرت المظاهرات واستعمال العنف والارهاب فتره طويلة واعادوا الاقباط الى لبس الزى الخاص بهم فى ازمان الاضطهاد

ولم يخف اضطهاد الاقباط الا عندما ارسل ملك الحبشة بعد ان وصله خبر ما جرى للاقباط انذار للملك فى مصر بأنه ان لم يوقف هذا التيار فإز سيحل بمسلمى الحبشة ما يحل بالاقباط فى مصر

من اشهر الاقباط :

كان من اشهر الشخصيات القبطية الانبا رويس الملقب بابى فريج ولد فى احدى قرى الغربية ، وترك موطنه فى سن العشرين وتوجه الى صعيد مصر وعاش ناسكا زاهدا فأحبه الناس ثم عاد الى القاهرة حيث قبض عليه مع من كان يقبض عليهم والقى فى السجن الى ان اطلق سراحة بتدخل الاب البطريرك ، فطاف يعلم ويصلى حتى تنيح بسلام فى عام 1397 واودع جسده بدير الخندق المعروف الان بدير الانبا رويس بالعباسية

 

 

 

 

 

 

الاباء البطاركة

الانبا يوحنا الثامن البطريرك الـ 80

    اختير بمجمع من الاساقفة والشعب وكان رئيسا لدير شهران بحلوان وهو من مواليد المنيا حدث فى ايامه اضطهاد وكبير للاقباط وزيادة فى الضرائب كما راينا ، ولما ضجروا واشتكوا اراد بعض المسلمين الرد عليهم بهدم الكنائس خصوصا وانهم بدأوا يستعملون العنف للدفاع عن انفسهم وحاول هذا البابا تهدئه الموقف ولم يفلح ، وتنيح فى 1320 م

البابا يوحنا التاسع البطريرك الـ 81

كان من المنوفية وسيم بطريركا فى عام 1321 فى عهد الملك الناصر وفى عهد شب حريق كبير فى القاهرة اتهم فيه بعض الرهبان ووقفعت فتنه زادت من وطأة العنف الذى كان سائرا بين الاقباط والمسلمين ، فقبض على البابا الا انه برئت ساحته بعد اهوال من الاهانات واعيد فى حراسة مشددة الى الدار البطريركية ، وظلت الكنيسة فى عهده فى اضطهاد الى ان تنيح بسلام فى 1328 م

الانبا بنيامين الثانى البطريرك الـ 82  

بعد 43 يوما من نياحة الانبا يوحنا اجمع الاساقفة فى اجتماعهم فى البطريركية على انتخاب راهب من دير البقل بجبل طرة مرشم هذا البطريرك فى 15 بشنس 1043 ش/ 1328م ودعى بنيامين

ورغم ما كان سائرا من الاضطهاد الا انه استطاع بتجديد دير الانبا بيشوى بوداى النطرون وعمره بعض الرهبان ، وتنيح يوم عيد الغطاس من سنه 1339 وظل الكرس خاليا بعده لمدة عام

الانبا بطرس الخامس البطريرك 83  ( 1340 – 1348 )

الانبا مرقس الرابع البطريرك 84  ( 1349-1363 )

الانبا يوحنا العاشر البطريرك 85  ( 1363 – 1369 )

الانبا غبريال الرابع البطريرك 86  ( 1370 – 1378 )

الانبا متاؤس الاول البطريرك 87  ( 1378 – 1409 )

 

 

 

 

 

القرن الخامس عشر

الانبا غبريال الخامس :البطريرك الـ 88

اختاروه الاباء والشعب فى اجتماع لهم بالدار البطريركية وكان راهبا بدير القلمون بالجيزة ، واقيم بطريركا فى 1409 فى عهد الملك السلطان الناصر فرج بن برقوق ، وكان هذا الاب يعمل قبل رهبنته كاتبا فى الدولة

وقد عانت الكنيسة فى عهده كثيرا من الفقر لدرجة ان خزينتها فرغت وعاش هو على احسان اولاده بالاضافة الى أن الكنيسة الحبشية قد وفقت ارسال معونتها التى كانت ترسلها اليه ، بالاضافة الى تهديد الاحباش للتجار المسلمين هناك مما انعكس على الكنيسة فى مصر بسوء المعاملة ، فكتب اليهم وهو فى هذه الحالة ليمنعهم من هذه التعديات ، الا انه لم يجب الى طلبه

ورغم فقرة وظروفة القاسية التى مر بها هو وكنيسته الا انه الف كتاب فى الطقوس الكنسية وتنيح بسلام فى سنه 1428

الانبا يوحنا الحادى عشر البطريرك الـ 89

هو ابو الفرج احد سكان القاهرة ، وكان مشهور بالفضيلة والعلم ، وكان يقوم بالتدريس فى مدرسة قبطية عظيمة بالمكس ، وانتخبة مجمع الاساقفة والشعب لسيرته الطاهرة ، رغم تقدم راهب اخر معه كان بدير البطريركية بعد نياحة سلفه وكان اسمه ميخائيل سيم ابو الفرج بطريركا فى 1428 باسم يوحنا الحادى عشر واستمر فى كرسيه حتى عام 1453 حيث تنيح بسلام

وفى عهده حاول ملوك الافرنج وعلى رأسهم ملك القسطنطينية مقاومة المسلمين ، ورأوا ان هذا لا يتاتى الا اذا قامت وحده بين مسيحيى الشرق والغرب وازالة الخلاف الدينى ، واقترح عقد مجمع فى فلورنسة فى ايطاليا بمحضره اسقفا روما والقسطنطينية ونواب عن الشعوب الارثوزكسية فارسلت الكنيسة القبطية نائبا عنها وللاسف وصل بعد ان انقضى المجمع لانه كان متأخرا ، وانتهى هذا المجمع عودة اتحاد كنيستى الرومان واليونان على ان تلحق الكنيسة القبطية بهذا الاتحاد فى دورته القادمة التى كانوا اتفقوا عليها ، ولكن هذا الاتحاد فشل بسبب سوء حالة الكنيسة الكاثوليكية

الانبا متاؤس الثانى البطريرك الـ90 (1453 - 1466 )

الانبا غبريال السادس البطريرك الـ 91 ( 466 – 1475 )

الانبا ميخائيل الرابع البطريرك الـ 92 ( 1477 – 1478 )

الانبا يوحنا 12 البطريرك الـ 93 ( 1480 – 1484 )

 

 

الفصل الخامس

الأقباط فى عصر دولة السلاطين المماليك 1250 - 1587م

انتهت الدولة الأيوبية بموت الملك الصالح أيوب ، حيث قامت دولة المماليك البحرية منذ عام 1250 الى عام 1381 ، ثم تلتها دولة المماليك البرجية ( الشراكسة ) منذ عام 1381 حتى فتح العثمانيين لمصر فى عام 1517

وكان هؤلاء المماليك ( ومفردها مملوك = رقيق او عبد ) عبيدا بيضا يشترون بالمال من تجار النخاسة فى اسواق الرقيق ، أو من أسرى الحرب ، وممن يختطفون من الاطفال او الشباب بأساليب الخداع والاستيلاء من جلابة الرقيق أو من يبيعونهم أهاليهم خشية فقرا ، وكان معظم الجلابة او تجار الرقيق فى تلك الفترة من الاقاليم الجبلية الكائنة فى شمال وشرق اوربا الوسطى ، وكانوا فى معظم من اصل تركى اولئك كانوا ابشع الناس آنئذ طباعا وتعاملا

وهكذا كان المماليك لا ينتمون الى جنس بعينه أو الى أصل واحد ، فمنهم الاتراك ومنهم من حول بحر القلزم او من القوقاز فى اسيا الصغرى وبلاد (ارمينيا جورجيا وما جاورهم الان ) وكان منهم عدد قليل من اوكرانيا ومن فارس وبلاد ما وراء النهر ( دجله )

وكانت مصربحكم موقعها وضعف القوات فيها وكثرة خيراتها والاطماع فيها كل هذا دفع الى تشجيع تجار الرقيق هؤلاء فى التواجد فيها فراجت تجارتهم النكراء هذه وأصبحت (بورصة) للمضاربة على اثمان هؤلاء البشر التعساء ، ومن ثم نشأ هؤلاء امام كل هذه العوامل والاجتماعية فى شكل بناء نفسى فاسد جعل منهم شخصيات لا يمكن الجزم بكنهها وانما كانوا مجموعة من امراض نفسية انعكس ظلها على التعامل بينهم وبين الشعوب التى حكموها وبخاصة من حالتهم فى الدين الذى فرض عليهم ( الاسلام ) خاصة وان منهم من كان يدرك انه من اصل مسيحى

ومن هذا النسيج النفسى المتباين لم يكن سهلا على هؤلاء المماليك مشاركة الشعب المصرى آماله ولغتة العربية التى يجهلونها ، والاسلام الذى ادخلوا عليه وانتموا اليه بسطحية وليس عن ايمان ، بل كل ما كانوا يتدربون عليه هو الطاعة العمياء ( لاستاذهم ) او قائدهم او من اشتراهم واطعمهم من جوع وأنهم من خلاف ، يخملوا شخصية فى شخصيتهم وطباعة بين طباعهم ، وماتوا فداءه

ولم يدخل الجلابة برقيقهم الى مصر فجأة وانما شجعهم الملوك الايوبيون فى اواخر عهدهم على الشراء منهم ليكونوا حرسا له وجنودا مخلصين فى جنسهم ، فاشترى الصالح نجم الدين ايوب الفا منهم جندهم لخدمته ، بل ودفع منهم الكثيرين فكانوا امراء الدولة وحاجبها (وزراءها) وظل عددهم يتكاثر شيئا فشيئا وقويت شوكتهم ، والغوا حيشا جرارا عظيما هددا من الدولة المصرية فى اواخر عهده ، واستغل الصراع الدائم بين البيت الايوبى ، فشعر المماليك بكيانهم ، وقبضوا على ازمة الامور فى مصر ، وانهم ارقى من المصريين واقوى من سادتهم الايوبيين ، واستطاعوا بذلك إنشاء دولتهم على حطام دولة بنى أيوب

 

إلا أنهم إزاء تكوينهم هذا وأصولهم المختلفة ظلوا فى صراع متباين جعلهم ينفصلون الى قسمين قسم سكن حول ضفاف النيل فى منطقة جزيرة الروضة التى يحددها النيل وكان يسمى البحر الاعظم فسموا بالمماليك البحرية ، والقسم الاخر تخص باراج قلعة صلاح الدين بالجبل قسموا بالمماليك البرجية ولشعورهم بأنهم حماة بنى ايوب فأحسوا بانهم اعلى قدرا من المصريين جميعا ، وظلوا منفصلين عنهم بشكل عام وتعالوا على الاقباط منهم على وجه الخصوص ، على الرغم من ان بعضا من هؤلاء المماليك قد تزوجوا من بنات المسيحيين الاقباط ، الا انها لم تكن علاقة قوية بينهم ، وظلوا محتفظين بشخصيتهم المتعالية وما تميزوا بهم من كبرياء ، اورتهم صراعا حادا وداميا مع بعضهم البعض ، وكانوا فى صراعهم يتداخل معهم المصريون علهم يلقمونهم عظمة من اسلابهم وللاسف كم اشتركوا معهم فى اضطهاد الاقباط تحت دعوى رابطة الدين

وضع الاقباط فى تلك الفترة :

كان وضع الاقباط سيئا للغاية فى نهاية عصر الايوبيين وبداية عصر المماليك للاسباب السابق ذكرها ، الا اننا نضيف سببا أخر ، وهو سوط الحروب الصليبية الذى لم يصب المسلمين بقدر ما اصاب الاقباط بشكل مباشر وغير مباشر

فموجة اضطهاد الاقباط الاخيرة كانت عميقة وكبيرة وطويلة ، فقد بدأت منذ عهد الحاكم بأمر الله الفاطمى وانحسرت شيئا ما فى نهايته لترتفع مرة اخرى فى العصر الايوبى والعصر المملوكى وهذه الطفرة الاخيرة كانت بسبب الحروب الصليبية ، فعند ما رأى المسلمون فى الشرق محافل الجيوش الاوربية حاملة الصليب لم يفرقوا بين صليب واخر واعتبروا الجهاد الدينى على كل المسيحيين فى مصر وخارجها ، بالاضافة الى اساليب الاوربين ومنهم اليهود فى استنفار الحكام المصريين على الاقباط تهديد لهم وانتقا ما منهم كى يقفوا فى صفوفهم ضد المسلمين ، بينما حسب الاقباط المسألة وحسموها إذ كيف يقفون أمام بقية نسيجهم فى مواطنهم فى صف الاجانب الذين لا يعرفونهم وبينهم نار مجمع خلقيدونية 451 ، وظلوا كاظمين غيظهم منهم وصامدين جراحهم من المصريين المسلمين والحكام الايوبيين وغيرهم انتظارا لا انتهاء الازمة ، وان كان قد كلفهم هذا الشئ الكثير : من قتل وهدم منازل وكنائس مصادرة ممتلكات وبيع البعض فى سوق النخاسة .. الخ ثم جاء المماليك بهذه الطبقة القليلة العدد بل كانوا يعاملوهم كجزء من الأمة نظير ما كانوا يقدمونه لهم من خدمات كبيرة فى الواقع وهى تقدير الضرائب وجمعها وامانتهم فى ذلك ، وفى نفس الوقت كان المماليك الحكام يمكنهم بسهولة ابتزاز اموال القبط دون ان يخشوا منهم مقاومة او ثورة مضادة ، فرتبوا مصير الاقباط حسب هواهم . وقد استطاع بعض الكتبة الاقباط ان يشغلوا بعض الوظايف الكبرى فى الدولة لمهارتهم وعلمهم وامانتهم فى العمل ولأنهم كانوا يشكلون الطبقة المتعلمة فى المجتمع ، مما أدى الى تمتعهم بالجاه والسلطان والثروة الواسعة انذاك

فالاقباط بمقدراتهم تلك قد وصلوا الى ما دخلوا اليه هذا ، الا ان الحاقدين من عامه الشعب كانوا يظهرون غضبهم بمجرد رؤيتهم قبطيا ، لانه لم يكن يقبل ان تكون يده فوق يده .

 الا ان القبطى ، وسط هذه الاعتبارات كلها ، استطاع ان يعيش ويتقدم لان اخاه المسلم لم يكن

 

 

حائزا عليها ، ورغم كل هذا كان القبطى يشعر بانه شخص غير مرغوب فيه ، وبذلك اصبحت الاقباط يدربون بعضهم البعض على العلوم المطلوبة ليظلوا داريتهم لهذا الجاه

ففى عصر السلاطين المماليك قاس الاقباط كثيرا ، وان لم يتعرض المماليك لأرائهم ومعتقداتهم الدينية ، ولكن لم تكن سياسة المماليك فى معاملاته واحدة ، والحق ان الاقباط كانوا ذوى نشاط ظاهر فى دواوين الحكومة ، وكانت خدمتهم ضرورية لحسن سير الامور الملوكية فى البلاد فى حين ان الحكومة كانت بتبعدهم عن الوظائف بين الحين ةالحين تجنبا للشغب الذى كان يقوم به الشعب المصرى ضدهم ، وتجنبا للعامة ، وارضاء لروح التعصب ، ولكن هذا الابعاد كان عدد قصيرة ، لأن وجودهم فى تلك الوظائف كان ضروريا وحتى لا يتوقف سير العمل فى البلاد ، وان الحكام المماليك كانوا يشعرون بخلل فى الادارة الحكومية اثناء بعد الاقباط عنها وبخاصة النواحى الماليه والضرائب

الا انه رغم كل هذا كان شعور المماليك يثور على الاقباط بسبب العداء بين المماليك والصلبيين ويحدث ما سبق الاشارة اليه ، ويظهر هذا فى شكل اضطهاد الاقباط وهجوم المسلمين عليهم احيانا واعتدائهم على النساء والاطفال ، كما كانت الاعياد الاسلامية الكبرى فرصة لهجوم الجنود على احياء الاقباط بدعوى البحث عن الجنود

الاقباط فى الحكومة بين الاخذ والرد :

احس المماليك فى اول عهدهم بعلم الاقباط وامانتهم فعينوهم فى كبرى الوظائف ، فهذا السلطان ( أيبك ) وهو اول من تولى الحكم فى دولة المماليك البحرية عين ( شرف الدين ابو سعيد هبة الله ) وزيرا ومنحة سلطان واسعة ، وان كان المقريزى يشيروا الى اعتناق هذا الرجل الاسلام وجازئفة اخر سلاطين الدولة الايوبية وعمل بينهم كطبيب ، الا انه صلب على باب القلعة ايام السلطان قطز ، وفى ايام المماليك وقبل صلبه اظهر براعة فى التشريع الضريبى لجمع اكبر كم من الاموال باسم قانون ( الحقوق السلطانية ) وحصلت الدولة المملوكية به على المال الكثير ، ومن هنا بدا المماليك يستعملون الاقباط فى دواوينهم بكثرة

اما الرد فنجده فى عام 1265 ايام السلطان بيبرس ، والذى وجد الخزينة خاوية نتيجة الحروب ضد الصلبيين ( وهذه كارثة الحروب الصلبية على الاقباط مصر ) وكانت فى حاجة الى سبعين الف دينار كما يروى لنا المقريزى ، يورد المؤرخ " الفضل بن ابى الفضائل فى كتابه " تاريخ مفضل ابى الفضائل ج 12 " لما قدم السلطان من الشام ، امر النصارى واليهود ، فمسكوا عن بكرة ابيهم واوقدت لهم النار بالاحطاب فى جورة كانت بالقلعة التى بناها دار للملك السعيد ، واراد احراقهم ، فاشتراهم الحبيس الراهب بخمسمائه الف دينار يقوم بدفعها فى كل سنه بخمسين الف دينار ، وكان هذا الحبيس فى مبدى امره كاتبا فى صناعة الانشاء ، ثم ترهب وانقطع فى جبل حلوان ، فيقال انه وجد فى مغارة مالا  كان للحاكم العبيدى احد الحلفاء المصريين ، فلما حصل له هذا المال وفد به الفقراء والصعاليك من سائر الاديان ، فاتصل خبره بالسلطان الملك الظاهر ، فأحضرة وطلب منه المال فقال له : ان طلب منى السلطان شيئا ادفعة من يدى فلا ولكنه يصل اليك من جهة من تصادرة وهو لا يقدر على ما يطلب منه فانى اعطية واساعده على خلاص نفسه منك ، فلا تـعــجـل ، فـلـمـا كــانـت هذه الواقعة ضمنهم من

 

 

السلطان بذلك المال المقرر على النصارى وكان يدخل الحبوس ويطلق منها من كان عليه دين وهو عاجز عن وفائه ، ثقيل كان او خفيف ، وكذلك لما طلب من اهل الصعيد المقرر من اهل الذمة ، سافر اليهم وأدى عنهم ما طلب منهم او كذلك سافر الى الاسكندرية فراى اهلها منه ما هالهم ... وقيل احصى ما وصل الى بيت المال فى جهة على تلك الوجوه المقدم ذكرها فى مدة سنتين فكان ستمائة الف دينار مصريا خارجا عما كان يعطية من يده سرا للناس وما خلص به من الحبوس

ثم مالبث الظاهر بيبرس هذا ان اقال جميع الاقباط الذين كانوا يعملون فى ديوان الحرب واصل المسلمين محلهم وفى نفس يوم تنفيذ هذا القرار هدم دير الخندق الكائن خارج القاهرة بالقرب من باب الفتوح ولم يترك فيه حجر على حجر

اما فى عهد الملك المنصور قلاوون 1284 م عدل عن التزيد فى الضرائب على الاقباط وساوى بينهم وبين المسلمين فى ذلك واعادهم الى وظائفهم ، الا انه فتح اذنية لضعاف النفوس من المسلمين وعاد الى العنف مع الاقباط فنجده يدفن قبطيا حيا لتزوجة من امراة مسلمة

وبمرور السنين تمرد بعض المماليك عليه ، فغضب غضبا شديدا اعمى بصيرته وافقده صوابه ونشر الذعر بين المصريين جميعا دون تفريق بين مسلم وقبطى ونال الشعب منه الاذى الكثير ، واذ تقدم اليه علماء المسلمين طالبين الرحمة بالرعية ناب الى رشده وقرر ان يكفر عن اخطائه ، فبنى التكايا والاسيلة والمستشفيات واضافة الى ما ظنه ثوابا ان اضطهد الاقباط واشتد عليهم وعاد الى الامر بركوبهم الحمير وشد الزنانير والا يحدث نصرانى مسلما وهو راكب دابته ولا يلبسون ثيابا مصقوله ، وظل على ذلك حتى ولاية ابنه الاشرف الذى زاد من اضطهادهم ، الا انه دهش من صمودهم وثباتهم بل ورشموا ايديهم وازرعهم بعلامه الصليب المقدس واصبحت هذه العادة الى اليوم

الاشرف خليل بن قلاوون وجازته عن الغزال السمسار (1290 م )

لم يجد قلاوون فى اوارخ امامه الا ان يعيد الاقباط الى وظائفهم بعد ان توقعت حركة العمل فى الدواوين ، وكذلك سار على نهجة ابنه الاشرف ، الا انه لما كان فعل له رد فعل ، فان الاقباط لم تتسع الدنيا بهم من الفرحة عندما عادت اليهم حقوقهم كمواطنين وكمتعلمين وامناء ، الا ان الضغط الذى لاحقهم فى الماضى والعسف الذى عاشوا فى كنفه جعلهم يستغلوا وظائفهم ليستعيدوا ما فقدوه من ابهمه وعظة ككبار موظفين ، وهنا يقول المقريزى ، ان هؤلاء النصارى اصبحوا العاملون المسلمين بأنفة ، وارادوا ان يظهروا اهميتهم بارتداء الازياء الثمينه ، ويروى ان احد النصارى وكان اسمه " عين الغزال " " صدف يوما فى طريق مصر سنه 682 ه سمسار شونه مخدومه ، فنزل السمسار عن دابته وقبل رجل الكاتب ، فأخذ يسبه ويهدده على مال قد تأخر عليه من ثمن غلة الامير ، وهو يترفق له ويعتذر ، فلا يزيده ذلك عليه الا غيظة ، وامر غلامه فنزل وكتف السمسار ونص به والناس تجمع عليه حتى صار الى صليبة جامع احمد بن طولون ومعه عالم كبير ، وما منهم الا يساله ان نجلى سبيل السمسار وهو يمتنع عليهم ، فتكاثروا عليه والقوه عن حمارة واطلقوا السمسار ، وكان قد قرب من بيت استاذه ، فبعث غلامة لينجده بمن فيه ، فأتاه بطائفة من غلمان الامير فخلصوه من الناس ، وشرعوا فى القبض عليهم ليفتكروا بهم ، فصاحوا عليهم ما يحل ، ومروا مسرعين الى ان وقفوا تحت

 

 

القلعة  نصر الله السلطان ، فأرسل يكتشف الخبر فعرفوه ما كان من استطالة الكاتب النصرانى على السمسار وما جرى لهم ، فطلب عين الغزال ورسم للعامة بإحضار النصارى اليه ، وطلب الامير                 " بدر الدين بيدرا " النائب الامير سنجر الشجاعى وتقدم اليها بإحضار النصارى جميعا بين يديه ليقتلهم ، فما زالا به حتى استقر الحال على ان ينادى فى القاهرة ومصر ان لا يخدم احد من النصارى واليهود عند أمير ، وامر الامراء باجمعهم ان يعرضوا على من عندهم من الكتاب النصارى الاسلام ، فمن امتنع من الاسلام ضربت عنقة ، ومن اسلم استخدموه عندهم ، ورسم للنائب بعرض جميع مباشرى ديوان السلطان ليفعل فيهم ذلك منزل الطلب لهم وقد اختفوا فصارت العامة تسبق الى بيوتهم وتنهبها حتى عم النهب بيوت النصارى واليهود بأجمعهم واخرجوا نساءهم مسبيات وقتلوا جماعة نايديهم ، فقام الامير بيدرا النائب مع السلطان فى امر العامة ولتلطف به حتى ركب والى القاهرة ونادى من نهب بيت نصرانى شنق ، وقبطى على طائفة من العامة وشهرهم بعد ان ضربهم فانكفوا عن النهب بعد ما نهبوا كنيسة المعلقة بمصر وقتلوا منها جماعة ، ثم جمع النائب كثيرا من النصارى كتاب السلطان والامراء ، واوقفهم بين يدى السلطان عن بعد منه ، فرسم للشجاعى وامير جاندرا ان يأخذا عدة معهما ويتزلوا الى سوق الخيل تحت القلعة ويحفروا حفرة كبيرة ويلقوا فيها الكتاب الحاضرين ويضرموا النار من الحطب ، فتقدم الامير بيزرا وشفع فيهم فأبى ان يقبل شفاعته وقال : لا اريد فى دولتى ديوانا نصرانيا "فلم يزل به حتى سمع بأن من اسلم منهم يستقر فى خدمته ومن امتنع ضربت عنقة . فاسلموا "

الا انهم استغلوا اسلامهم فى الانتقام مما حل بهم وببقية الاقباط فيقول المقريزى " صار الذليل منهم باظهار الاسلام عزيزا يبرى من اذلال المسلمين والتسلط عليهم بالظلم ما كان يمنعه نصرانيا من اظهاره " ولكن لم تمنع هذه الاعتبارات المسلمين من استعمال العنف في معاملة اهل الذمة ، وكانوا في هذا إنما ينقمون لانفسهم من الاقباط كلما غزا بعض القراصنة الأوربيين سواحلهم ، أي اخذوا القبط بذنب الكاثوليك الغازين !!

ثم حدثت حادثه اخرى كانت كارثة على الاقباط اكثر ، ففي عام 700 ة ( 1301م ) وصل الى القاهرة وزير صاحب المغرب في طريقة للحج ، فيقول المقريزى " وبينما هو ذات يوم يسوق الخيل تحت القلعة ، اذ هو برجل راكب على فرس وعليه عمامة بيضاء وفرجية مصقولة ، وجماعة يمشون في ركابه وهم يسألونه ويتضرعون اليه ويقبلون رجليه ، وهو معرض عنهم وينهرهم ويصبح بغلمانه ان يطردهم عنه ، فقال بعضهم " يا مولاي الشيخ بحياة ولدك النشو تنظر في حالنا " فلم يرده ذلك ، فرق المغربي لهم وهم بمخاطبته في امرهم فقيل له " وانه مع ذلك نصراني " فغضب لذلك وكاد ان يبطش به ثم كف عنه وطلع الى القلعة " حيث اجتمع بالملك الناصر محمد بن قلاوون ونائبة يومئذ الامير سلار ، فتحدث الامير بيبرس الجانكيز في امر اليهود والنصارى وانهم عندهم في غاية الزلة والهوان ، وانهم لا يمكن احد منهم من ركوب الخيل ولا الاستخدام في الجهات الديوانية وأنكر حال نصارى الديار المصرية ويهودها بسبب افخر الثياب وركوبهم الخيل والبغال واستخدامهم في اجل المناصب وتحكيمهم في رقاب المسلمين ، وذكر ان عهد ذمتهم قد انقضى منذ سنة 600 الهجرية النبوية

فكان لكلامه اثره في نفس الامير بيبرس الجانكيز ، فامر بجمــع الــنــصـــارى واليـــــهود ورسم

 

الا يستخدم احد منهم في الجهات السلطانية ولا عند الامراء ، وان تغير عمائمهم فيلبس النصارى العمائم الزرق وتشد في اوساطهم الزنانير ، ويلبس اليهود العمائم الصفراء والتزام العهد العمرة اما عن بالكنائس والاديرة ، فقد قفلت الكنائس لفترة ايام وان الاديرة الموجودة في الضواحي لم تمس بسوء وفى الإسكندرية هدمت الكنائس وبيوت الأقباط ، والقى الملط محمد بن قلاوون والأمير بيبرس الجانكيز عيد الشهيد بشبرا ، وفى سنه 755 ه تحرك المسلمون على النصارى وهدمت كنيسة الشهيد بشبرا واخذ إصبع الشهيد ( القديس يحنس السنهوتى) في صندوق خشبي واحرقة الملك الصالح في ميدان بالقرب من القلعة وزوى رماده في البحر ويطلب منذئذ عيده وهدمت كنيسته

موقف المماليك من الكنيسة القبطية :

أتسم عهد السلاطين المماليك بالظلم والخيانة ، وانتشار الجهل والفتق بين المماليك بعضهم وبعض وبينهم وبين رعاياهم ، فهم كما عرفنا من احول مختلفة ومستويات متباينة لا تجمعهم أية علاقات ومن ثم كان استمرار وجودهم مرهونا بهذه الحيل من اجل البقاء ، أما مصر بشقيها مسلمين وأقباط فهم الذين دفعوا الثمن

ولما لم يكن لهم ظهير يحميهم كتراث أو أهل أو صحب ظنوا أن العنف والقسوة إنما هي التي توقع خشيتهم في نفوس المصريين وتثبت أقدامهم

وبسبب السياسة العقيمة هذه وتعطيل الأعمال لاسيما الزراعة لان معظم الأراضي واجودها كانت قد نزعت من يد أصحابها أعطيت للأمراء ، فأغلقوا أبواب الرزق أمام العامة ، فكثر الفقر وانتشرت الجريمة وزاد عدد الأوباش والحرافيش خصوصا في مدينة القاهرة

ولما كثر إقبال الاقباط على الإسلام خوفا من جهة وحفاظ على وظائفهم . كانوا هم أيضا وسيلة ضغط على المسلمين بان شددوا عليهم الأحكام وقسوا في تنفيذها ، واصبحوا موضع شكوى المسلمين من جديد ولذلك اصدر السلطان أمرا ألا يبقى منهم أحد في دواوين الحكومة حتى ولو اسلم ، والايكرهوا بعد ذلك على الإسلام منعا للانتقام لانفسهم عن طريق إسلامهم وتوليهم الوظائف العليا ، وإذا اسلم أحد منهم من تلقاء نفسه فلا يبرح باب أحد المساجد ، بل يعيش من إحسان المسلمين أهل الخير

وكان هذا الحكم الصارم موجبا لطمع عامة المسلمين في الأقباط ، فهجموا على بيوتهم وخاصة الأغنياء منهم الذين فقدوا جاههم بطردهم من خدمة الحكومة ، ولا يستبعد إن يكونوا آسوا معاملة أصاغر المسلمين تشفيا لهم من مكايد غيرهم بالتظاهر بالأبهة والافتخار والظلم

هدم الكنائس :

لما شرع الملك الناصر محمد بن قلاوون في بناء ميدان فسيح فى الجهة المعروفة ألان " بالناصرية " في أخر شهر وبيع الأول من عام 721 ه كان الحفر إلى جانب كنيسة الزهري وهى كنيسة واسعة جميلة البناء سكن حولها عدد كبير من الأقباط وما يزالون يسـكنون ( وهى المنطقة التي

 

تحوى الأزهر وحارة زويلة وحارة الروم والغورية حتى منطقة الأنبا رويس بالعباسية ) فأشار عليه المغرضون والمتعصبون بهدمها لأنه لا يصح أن تكون للنصارى كنيسة ظاهرة بهذه الكيفية ، أما هو فلم يرد أن يهدمها ، بل أمر أن تحفر حول جدرانها حتى تنهار من تلقاء نفسها ، إلا أنها لما كانت على جانب عظيم من المتانة استمرت قائمة ولم تهدم فاغتاظ المسلمون ونقموا على الأقباط لما رأوا السلطان يدافع عنهم ، وكثرت في هذه الفترة العمارات في القاهرة ، فتواطأ المسلمون مع بعض الأمراء المماليك على هدم الكنائس انتقاما من الأقباط من ناحية وليستخدموا أنقاضها وادواتها في بناء عماراتهم

ويصف المقريزى الموقف بقوله : اخذ الفعلة في الحفر حول كنيسة الزهري حتى بقيت قائمة وسط الموقع الذي عينه السلطان ليحفر وهو اليوم بركة الناصرية ، وزاد الحفر حتى تعلقت الكنيسة وكان القصد من ذلك أن تسقط من غير قصد لخرابها ، وصارت العامة من غلمان الأمراء العاملين في الحفر وغيرهم من الغوغاء المتعصبين يصرخون على الأمراء في طلب هدمها ، وهم يتغافلون عنهم إلى إن كان يوم الجمعة التاسع من شهر ربيع الأول من هذه ألسنه وقت اشتغال الناس بصلاة الجمعة والعمل في الحفر متوقف ، فتجمع عدد من الغوغاء بغير مرسوم السلطان وقالوا بصوت عال " الله اكبر " وامتدت أيديهم نحو كنيسة الزهري وهدموها حتى بقيت كوما وقتلوا كل من كان من النصارى ، واخذوا جميع ما كان فيها ، وهدموا كنيسة مارمينا التي كانت بالحمراء ، وكانت معظمة عند النصارى من قديم الزمان ، وموضع اعتبارهم وبها عدد من النصارى قد انقطعوا فيها أي أقام حولها كثير من الرهبان والراهبات ويحمل إليها نصارى مصر سائر ما يحتاج إليه الشعب ، ويبعت أليها بالنذور الجليلة والصدقات الكثيرة ، فوجد فيها مال كثير ما بين نقد ومصاغ وغيره ، وتسلق العامة إلى أعلاها ، وفتحوا أبوابها واخذوا منها مالا وقماشا وخربوا واهلكوا كل ما فيها ، فكان أمرا مهولا ، ثم مضوا إلى كنيسة الحمراء بعد ما اهدموها إلى كنيستين بجوار السبع سقايات تعرف إحداهما بكنيسة البنات ( دير الراهبات ) كان يسكنها بنات النصارى وعدد من الرهبان ، فكسروا أبواب الكنيستين وسبوا البنات ، وكن زيادة على ستين بنتا ، ونزعوا ثيابهم وسلبوا كل ما وجدوه معهن ونهبوا سائر ما ظفروا به وحرقوا وهدموا تلك الكنائس كلها بعد ذلك أطلقوا النار في بيوت النصارى القائمة حول كنيسة مارمينا ، وحرقوا الكنائس الثلاث هذا والناس في صلاة الجمعة

فعندما خرج الناس من الجوامع شاهدوا هولا كبير من كثرة الغبار ودخان الحريق ومرج الناس وشدة حركاتهم ومعهم ما نهبوا مما شبه الناس الحال لهوله بيوم القيامة ، وكانت أخبار تلك التعديات قد وصلت إلى مسمع السلطان وقيل ان لم تسرع في إنقاذ الأقباط في بابليون هلكوا عن أخرهم ، وذلك لان الغوغاء لم يكفهم ما حدث بل قاموا إلى بابليون التي يسكنها اكثر الأقباط وأعيانهم قاصد بالفتك بهم ، ولكن هؤلاء شعروا بهم قبل وصولهم واغلقوا باب الحصن القديم وكان داخل سوره سته كنائس ، واستعد الأقباط للدفاع عن أنفسهم   كما بلغ السلطان وجود عصابة أخري تسعى إلى هدم كنائس الموسكى وحارة زويلة ، وفى قلعة الخيل سمع السلطان ضجة عظيمة ورجة نكرة أفزعته فبعث لكشف الخبر فلما بلغه ما وقع انزعج انزعاجا عظيما وتعجب من جرأة العامة وأقدامهم على ذلك بغير أمره

وامر الأمير ايدغمش أمير اخور أن يركب بجماعة لم الاشاقية وبتدارك هذا الخلل ويقبض على من فعله ، فأخذ أيد غمش يتهيا للركوب وإذا بخبر ورد من القاهرة أن العامـة ثارت في القاهرة وخربت

 

كنيسة بحارة الروم وكنيسة بحارة زويلة وجاء الخبر من مدينة مصر أيضا بان العامة قامت بمصر في جمع كثير وزحفت إلى كنيسة المعلقة بقصر الشمع فاغلقها النصارى وهم محاصرون من بها وهى على وشك أن تؤخذ ، فتزايد غضب السلطان وهم أن يركب بنفسه ويبطش بالعامة ثم تأخر لما راجعه الأمير ايدغمش ونزل من القلعة مع أربعة من الأمراء إلى مصر وركب الأمير بيبرس الحاجب والأمير الماسي الحاجب إلى موقع الحفر ، وركب الأمير طينال إلى القاهرة وكل منهم معه عدد وافر من الرجال ، وقد أمر السلطان بقتل من قدروا عليه من العامة بحيث لا يقعد عن أحد ، فقامت القاهرة ومصر القديمة على ساق وهرب الغوغاء الغاصبون فلم يظفر الأمراء منهم ألا بمن عجز عن الحركة لما غلبه من السكر بالخمر الذي نهبه من الكنائس .

ولحق الأمير ايدغمش بمصر القديمة وركب الوالي إلى المعلقة قبل وصوله ليخرج من زقاق المعلقة من حضر للنهب فأخذه الرجم حتى فر منهم ولم يبق ألا أن يحرق باب الكنيسة ، فجرد ايدغمش ومن معه السيوف يريدون الفتك بالعامة فوجدوا عالما لا يقع عليه حصر وخاف سوء العاقبة ، فأمسك عن القتل وامرا صحابه بإرهاب العامة من غير إهدار دم ، ونادى منادية من بقى حل دمه ففر من اجتمع من العامة ثم مضى والتزم والى مصر أن يبيت بأعوانه هناك ، وترك معه خمسين من الاوشاقية أما الأمير الماسى فانه وصل إلى كنائس الزهري ليتداركها فإذا بها هدمت عن أخرها وتحولت ألي أكوام من التراب وليس بها جدار قائم ، وينهب الناس ما بها ، وعاد الأمراء فردد الخبر على السلطان ، وهكذا هدمت كنائس مصر والفسطاط فلم يجسروا على الخروج من بيوتهم وبقوا محبوسين فيها أياما ، وبعضهم تركها وسكن بابليون لحصانها وعدم إمكان الهجوم والتغلب عليها بسهولة

ثم حدثت أحداث أخري مماثلة نتيجة دعوة المتعصبين لهدم الكنائس وتخريب بيوت المسيحيين ، فهدموا كنيسة أخري في القلعة وأخرى لمار مينا في الزاوية الحمراء والقاهرة وكنائس حارة الروم والبند قانيين وكنيستين بحارة زويلة

أما عن أخبار هدم كنائس الإسكندرية فيقول المقريزى " ومن يوم الأحد ثالث يوم الجمعة الذي حدث فيه هدم كنائس القاهرة ومصر القديمة ، ورد الخبر من الأمير بدر الدين المسني والى الإسكندرية ... وقع صباح هدمت الكنائس فركب المملوك من فوره فوجد الكنائس صارت كوما من التراب وهدمت عن أخرها وكان عدد الكنائس التي هدمت أربعة في الإسكندرية واثنين في البحيرة وفى نفس اليوم ذكر عن مدينة قوص .. هدمت ستة كنائس وعدد من الأديرة وكذلك كنائس دمياط والغربية والشرقية ودمنهور والبهنسا وأسيوط وأسوان " فأشتد ضيق السلطان على العامة خوفا من فساد الحال أدرك أن هذه الحوادث دبرت قبل حدوثها واراد ان يقاضى مدبر بها فامر السلطان بالبحث عن رؤساء العصابة التي تسببت في هذه الفعلة الزميمة واحضارهم لدية ليجازيهم بما يستحقون على هذا الاعتداء والافتراء فخافي بعضهم افتضاح الامر اذ كانت لهم يد فيها في تسكين غضبه ، وقالوا هذا الامر ليس من قدرة البشر فعله ، ولو اراد السلطان وقوع ذلك على هذه الصورة لما استطاع ، وما هذا الا بامر الله سبحانه وتعالى وبقدرته لما علم من كثرة فساد النصارى وزيادة طغيانهم ليكون ما وقع نقمة وعذابا لهم أما الطرق والشوارع في ذلك اليوم كانت مريعة جدا لأنها كانت غاصة بالنهابين الحاملين منهوبات الكنائس وبيوت النصارى "

 

 

كما هدمت الكنيسة في طنطا وتحولت الى مسجد سنة 1320 فاضطروا الى الالتجاء الى كنيسة سبرباى للصلاة في كنيستها

حريق القاهرة :

بعد ثلاثين عاما على هذه الأحداث المؤسفة ، وقعت حادثة اضخم منها جميعا إذ يروى المقريزى " قبض على راهبين وجدا خارج مدرسة فتحقق ظن الصائحين وسلموها الى السلطان فأمر بتعذيبها ولم يكد ينطق بالحكم أتوه براهب أخر وجدوه في جامع الازهر ومعه عدة اكياس فيها نفط وقطران ، وبتعذيبهم اعترفوا بأنهم رهبان من دير البطل بجهة طره وأنهم اربعة عشر وقد تعاهدوا على احراق مصر والفسطاط انتقاما من المسلمين على هدم كنائسهم وانهم اقتسموا القاهرة ومصر القديمة فجعلوا للقاهرة ثمانية ولمصر القديمة ستة

وفى اثناء ذلك اندلعت النار في دار القاضي " كريم " وهو من عائلة قبطية الاصل واسلمت من مدة ، فاستدعى إلية بطرك الاقباط ، وإذ تأكدا انه لا يعلم شيئا عن هذه الحوادث ، وتأسف له قائلا : انما هذه الحوادث فعل سفهاء المسلمين والنصارى ولالام على الحكومة إذا أدبت مرتكبيها فسر كريم الدين بهذا الجواب الذي ازال الشك من جهة تواطؤ النصارى عموما على ايقاع الاذى بالمسلمين ، وامر بإعداد بغلة يركبها البطرك في العودة الى داره

وفى صباح الغد بينما كان كريم الدين سائرا الى الديوان حسب عادته سخط عليه العامة وأتهموه بالكفر واجتمع حوله المسلمون واحاطوا به وأوسعوه سبا وشتما لأخذه بناصر النصارى بعد أن ثبت له ادانتهم على احراق بيوت المؤمنين ، فلم يعبأ بهذه المظاهرة ولا بهذه التهديدات وظل سائرا في طريقة الى ان وصل الى دار السلطان واعلمه بما تحقق من ان هذه الحرائق لم يكن الامن بعض سفهاء  النصارى الذين ارادوا الانتقام من المسلمين على ما ارتكبوه ضدهم من الفظائع ، فأمر السلطان باستمرار تعذيب الرهبان حتى يعترفوا باسماء الاغنياء من الاقباط الذين حرضوهم على هذه الفعل ، ولكن الرهبان استمروا يحتملون العذاب بصبر ، ولما لم يتحولوا عن كلامهم ارسل السلطان وهجم على دير البطل واتى بكل من فيه من الرهبان وأمر بحرق اربعة منهم امام ذلك الجمع المحتشد وانفجر بركان غيظ المسلمين على اثر هذه الحادثة ، وجالوا يبحثون عن الاقباط في كل مكان ليوردوهم موارد العذاب دون ان يراعوا أوامر الحكومة ، فهجموا على بيوتهم ونهبوها وقتلوا من بها بغير رحمة ، ومن هرب منهم قتلوه في الطريق وكانوا اذا عثروا على واحد قبطي في الشوارع يسلبونه ماله ويذبحونه ، وقد ادت بهم الجرأة الى ان اجتمع منهم كثيرون تحت قصر السلطان واحتجوا لمعامله النصارى بالرفق ، فرآهم حينما كان نازلا من القلعة الى الميدان وسمعهم يصيحون " نصر الله الاسلام " ويطلبون من السلطان ان يساعدهم على نصرته فلم يهتم بهم وسار الى الميدان ، وقبل وصوله اخبر ان اثنين من الاقباط قبض عليهما وهما يحرقان منزلا فأحتدم غيظا وأمر بحرقها أحياء امام الجموع وبينما هم يحرقونها إذ بكاتب ديوان الامير " بكتمر الساقي " قد مر يريد بيت مولاه وكان نصرانيا فعندما عاينه العامة القوه عن دابته على الارض وجرادة من جميع ما عليه من الثياب وحملوه ليلقوه في النار ، فصاح بالشهادتين واظهر اسلامه واطلق " ... واستمر هذا الخراب مدة طويلة هدم ما هدم وقتل من قتل .

 

ويحصى المقريزى الخراب الذي حدث " كنيسة في خرائب التتر لقلعة الجبل وكنيسة الزهري في الموقع الذي فيه بركة الناصرية ، وكنيسة الحمراء وكنيسة السبع سقايات وكنيسة بحارة الروم وكنيسة البندقايين ، وكنيستان بحارة زويلة ، وكنيسة بخزائن التتر وكنيسة بالخندق ، واربعة كنائس بثغر الاسكندرية وكنيستان بدمنهور واربع كنائس بالغربية وثلاث كنائس بالشرقية وستة كنائس بالبهنساوية وباسيوط ومنفلوط ومنية الحطب وثمان كنائس بقوص واسوان احدى عشر كنيسة وبأطفيح مركز الجيزة كنيسة وبقطر الشمع ومصر القديمة ثمان كنائس ، وضرب من الديارات شئ كثير وظل دير شهران ودير البطل مدة ليس فيها أحد من الرهبان ، وقد حدث هذا الخراب وتلك المصائب فى وقت كثير جدا بالقياس على التحويلات التاريخية الاخرى إذ لم يقع مثلها عبر التاريخ البشرى أو الثورات العالمية في مثل هذا الوقت القصير ، وقد هلك من الانفس وتلف فيها من الاموال وخرب فيها من الاماكن ما لا يمكن وصفه لكثرته ، بالاضافة الى ذلك وخاصة بعد حالة الهدوء التي اعقبت فترة الحرائق العامة اصدرت الاوامر بمنع النصارى من التظاهر بالابهة وركوب الخيل والتجمل بلبس الثياب المصقولة والعمائم البيضاء "

ردود الفعل العالمية وقتذاك :

امر الملك الناصر قلاوون بغلق جميع كنائس النصارى ، وبقيت مغلقة اكثر من ستة ونصف ، وفى هذه الفترة جاء الى مصر ملك برشلونه ( اسبانيا ) يحمل فدية لأسير كان قد أسره السلطان ، فلما شاهد رجال هذا الوفد ما يقع على رؤوس الاقباط من الظلم والبلاء انذهلوا ، فطلبوا من السلطان فتح الكنائس مقابل مبلغ من المال يدفعونه له ، وقد توسط ملك القسطنطينية وملك اسبانيا وقاما بارسال وفد فأذن السلطان بفتح كنيستين إحداها للاقباط والثانية للروم الارثوذكس

وكذلك في سنة 1329 لما علم ملك الاحباش بما حل للنصارى ارسل رسلا بكتاب منه الى السلطان يعاتبه فيه على هدم الكنائس وقتل الابرياء ويذكره بالمعاهدات التي بين اسلافه ملوك مصر السابقين ، وطلب منه ان يعيد بناء ما خربه ، والأ سوف يقوم بهدم جوامع المسلمين التي في بلادة ، الا ان السلطان اعاد الرسول بلا جواب

وبعد مضى فترة صرح للنصارى بأن يبنوا بعض الكنائس التي هدمت بناء على طلبهم بشرط الا يتوسعوا فيها أو يزيد عليها شيئا ، حتى أن بعضها هدم بعد إعادة بنائية بدعوى انهم ازادا على ما كان قديما أو اضافوا اليها بعض الزخارف من كما حدث في إعادة بناء كنيسة القديسة بربارة

رد الفعل على الكنيسة ونشاطها :

كانت هذه الاضطهادات التي شنها المماليك على الاقباط تحول دون سيامة الرعاة ، كما ان تحول الكثيرين من المسيحيين الى الاسلام اصلاح فلة دخل الكنائس وفقر الرعاة ، كما حال دون شغل منصب البطريركية مما ادى الى اضطراب كثير من الأهالي الاقباط في حياتهم الدينية ، وقد تسبب ذلك في دفن كثير من الموتى دون الصلاة عليهم ، وتكفين اجسادهم في الحفر لعدم وجود بعدم وجود اكفان تكفى او الفقر الشديد لشراء الاكفان ، كما ادت هذه الى زواج كثيرين دون طقس الإكليل .

 

 

واذا ما سيم كاهن فانه كان يسام كاهنا دون كفاءة ، وبدون علم بأصول تعاليم المسيحية او تفسير للانجيل او دون تعليم على الاطلاق فقلت العناية الروحية بالشعب المسيحي

كما ان ما تعرضت له الاديرة من هدم وتخريب الى تبديد الثروة ، واذا كان قد بقى فيها عدد من الرهبان فقد عمدوا الى اخفاء ما تبقى ، ولكن اذا ماتوا لا يعرف ابن خبأوها ، فانحط المستوى اجتماعيا واقتصاديا وروحيا

كما تدخل السلاطين في كثير من الاحيان في انتخاب الاساقفة وحالوا دون اقامتهم كما فعل الظاهر بيبرس حين امتنع عن الموافقة على انتخاب مطران للحبشة مما أدى الى لجوء الامبراطور الحبشي الى بطريرك السريان كى يرسل اليه مطرانا للحبشة لرعاية الشعب وتوجيهه

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل السادس

الأقباط فى العصر العثمانى

منذ بداية القرن السادس عشر اخذ السلاطين العثمانيون يتطلعون نحو الشرق العربي الإسلامي ، وفى خلال سنة واحدة ( 1516 – 1517 ) دخلت اربعة اقاليم اسلامية عربية هامة تحت لأوائهم هي : الشام ثم مصر فالحجاز ، الى جانب أجزاء من اليمن ، فضلا عن دخول العراق عام 1534وبعض الدول المطلة على الخليج العربى وبعض امارات وميشخات هذا الخليج العربى  

وكان نتيجة هذه الفتوحات العثمانية أن اصبحت الدولة تضم من بين رعاياها طائف دينية مختلفة ، فالى جانب الطوائف الاسلامية كانت هناك طوائف ( ذمية ) منها : الروم الارثوذكس ، والارمن ، والاقباط ، والموارنة ، والكاثوليك والبروتستانت وغيرهم من المسيحيين واليهود ، وقد تحدد موقف الدولة العثمانية تجاه تلك الطوائف غير المسلمة من خلال مبادئ واحكام الشريعة الاسلامية ، طبقا للمذهب الحنفي التي كانت الامبراطورية العثمانية ملتزمة به

كانت كل طائفة من الطوائف الدينية في الدولة العثمانية تسمى ( ملة ) ، وكان لكل ملة رئيس ديني ينظر في المسائل الدينية يسمى ( ملة باش ) ويقوم مستعينا ببعض المساعدين بالفصل في قضايا الأحوال الشخصية الخاصة باتباع ملته دون تدخل من جانب الدولة التي تركت لرئيس كل ملة ممارسة هذا الاختصاص ، وقد منح نظام الملل الرعايا غير المسلمين كيانا ذاتيا خاصا ، وكان الروم الارثوذكس اتباع الكنيسة الارثوذكسية الشرقية اليونانية اهم ملة بعد الملة الاسلامية في الدولة العثمانية ، ويتدرج تحت هذه الملة : اليونانيون والبلغار وسكان البوسنة والهرسك والجبل الاسود وبعض الالبانيين وغيرهم ، وكان مقر رئيس هذه الملة في اسطانبول ويسمى البطريرك ، ثم كانت هناك ملة الكاثوليك ويتدرج تحتها : الاوربيون المقيمون في البلاد من بنادقه والمان وفرنسيين وانجليز ، وكانوا اقل شانا من الروم الارثوذكس ، كذلك كانت هناك ملة الارمن وملة اليهود .

وكانت معظم الطوائف غير الاسلامية في الدولة العثمانية تتبع كنائس اربع تدين بالمعتقد الارثوذكس هي : الكنيسة الشرقية اليونانية الارثوذكسية في اسطانبول ، وكنيسة الاسكندرية التي تضم الاقباط ، والكنيسة المارونية في سوريا ولبنان ، واخيرا كنيسة اورشليم ، وكان لكل كنيسة من هذه الكنائس بطريرك خاص بها

الدولة العثمانية والاقباط :

بدأ السلاطين العثمانيون منذ فتحوا الشرق ان يحفظوا لأهل الذمة حقوقهم بشكل رسمي ، فهذا السلطان سليمان القانوني ابن السلطان سليم الاول يصدر فرمانا بتاريخ اوائل يناير 1523 جاء فيه بالنسبة لهم " .. فرسمنا بأن تكون جهتهم على الدستور القديم فرعية على الدوام وذمتهم محفوظة بذمة الاسلام .. رعاية منا لسوالف العهود وغاية السوابق من غير عدول عن معناه ولا خروج عن فحواه .." أي ان والده سبق ان اصدر فرمانا حفظ فيه حقوق اهل الذمة وهو يسير على نهجة .

 

 ثم اتبعة بفرمان اخر في 19 مايو 1525 يحمل نفس عبارات تقديم المرسوم السابق ، مؤكد فيه من جديد ما اورده في المرسوم الاول ، وقد جاء فيه " ... بأن يكونوا محمين مرعيين على الدوام وذمتهم محفوظة – بذمة الاسلام على الحكم المرعى والقانون المرعى ، لا يسهم سوء ولا ضرر ولا تشويش ولا كدر ، داعون دولتنا القاهرة وثبات اعوام سلطتنا الباهرة ..."

وعلى الرغم من ان السلطان العثمانية الحاكمة في مصر كانت تحرص دائما على الالتزام بالعدالة تجاه الاقباط عملا بالدين الإسلامي او ما اصدره من فرمانات ، الا انها كانت في بعض الاحيان تمارس ضغوطا كثيرة عليهم ارضاء لعلماء الدين الإسلامي ذوى النفوذ الواسع آنذاك من جهة ، ومراعاة لمشاعر العامة من جهة اخرى .

فقد جدث انه بعد ان فتح السلطان سليم الاول مصر صدر الى اسطانبول عددا كبيرا من الحرفيين والصناع المهرة وكان عدد كبير منهم من الاقباط ، ويذكرا بن إياس " ... وتوجة الى اسطانبول جماعة من طائفة اليهود والسمرة ، ومن طائفة النصارى : بانوب الكاتب في الخزائن الشرقية ، وابو سعيد أمين الدولة ، ويوحنا الصغير ، ويوسف بن هبول وشيخ المكين السكندري وولده وآخرون من اليهود ومن النصارى ما تحضرني اسماؤهم .. ففارقت الناس اوطانهم واولادهم واهاليهم ، وتغربوا الى بلد لم يطؤدها وخالطوا أقوما غير منعهم " وظلوا هناك ثلاث سنوات وعادوا الى مصر  الا انه عموما يمكن القول بأن الادارة في اسطانبول نظرت الى الاقباط على انهم احد عناصر رعايا السلطان يشتركون مع غيرهم من أهل الذمة في الحقوق والالتزامات باشكالها كانواع الضرائب المختلفة بالاضافة الى الجزية التي كانت مفروضة فقط على اهل الذمة من اقباط ويهود .

الجزية  ( الجوالى )

وهى اكثر الالتزامات المالية أهمية بالنسبة للاقباط ، وكانت التزاما على كل الاقباط ، ويعفى منها العناصر غير المنتجة : كالنساء والاطفال والشيوخ احيانا ، والرهبان ومرض الجز ام والبرص والمشلولين – وغيرهم ، وكانت بمثابة ارتباط بين الاقباط والسلطة نظير الدفاع عنهم ولم تكن نسبة المدفوع ثابتة بل كانت تزيد حسب الاحوال ، الا انها عموما لم تكن وجدها بشكلها عتبا ثقيلا على الاقباط ، الا انها اصبحت عبئا اذا ما اضيف اليها ضريبة البراني وابتزاز رجال الادارة ، والضرائب الاضافية الاخرى ، هذه كلها اصبحت عبئا اقتصاديا بلا شك على القبطي وتحدثنا المصادر القبطية عن زيادة قيمة ضريبة الجوالى في عام 1734 " كانت أيام شدة وحزن على كاهل الفقراء وارباب الصناعة وان المباشرين الاقباط الاثرياء يشترون الفقراء من حبش الجوالى ويخلصوهم " أي انهم يسددون الضرائب عن فقراء الاقباط ، الذين كانت الادارة تلقى القبض عليهم حتى يسددوا الضرائب ، مما يوضح ان المعاناة كانت تضايق الفقراء اكثر من الشرائح الاجتماعية الاخرى من الاقباط ، وتزداد المعاناة شدة في ايام الازمات الاقتصادية وهى ايام المجاعات والغلاء والاوبئة الشديدة

تركات الاقباط :

كانت مواريث الاقباط في بداية العصر العثماني يخضع لاشراف الدولة استمرار لما كان متبعا في

 

 

عصر المماليك ، الا انه ظهر في سنة 1525 قالون ( عامه مصر ) الذي اخضع كل رعايا الدولة لتنظيم واحد ، فإنه اذا مات مسلم او نصراني او يهودي ، اخبر اهل الميت صاحب بيت المال في الحال ، فيسرع الى مكان الميت ويأخذ من تركه ما يعود الى بيت المال ان وجد ، ثم يصرح بدفنه بعد ذلك

القيود على الاقباط :

فرض على اهل الذمة في مصر الاسلامية العديد من القيود الشكلية ، تبدو مظاهرها في القيود المفروضة على الازياء ، من حيث اختيار اللون الازرق في الغالب للمسيحيين ، واللون الاصفر لليهود وكان يسمى بلبس ( الغيار ) ، رأى الزي المغاير لزي المسلمين ، مع لبس الزنار ، وهو حزام اقرب الى الحبل يشد به الوسط ، واختلاف لون عمامة المسلم عن المسيحي واليهودي ، حيث كانت عمامة المسلم بيضاء وعمامة المسيحي زرقاء ، وعمامة اليهودي صفراء ، واحيانا كان يقيد حق اهل الذمة في اقتناء العبيد والجواري ، كما حظر عليهم ركوب الخيل .  ولان هذه الامور لم تكن مستحبة من كلا الطرفين المسلمين والاقباط ، فكثيرا ما كان يتجاوز عنها من جانب الادارة الاسلامية ، سواء بعدم الالتفات اليها ، او غض الطرف عنها فى مقابل من المال كان يدفع للادارة

وقد ظهرت بعض التغيرات المرتبطة بهذه المظاهر في العصر العثماني ، فحل اللون الاسود كلون مميز لعمائم الاقباط ، وترجع المصادر التاريخية حدوث ذلك الى عهد حكم حسن باشا الخادم ( 1580 – 1582 ) تقريبا ، لكن ذلك لم يستمر طويلا اذ سرعان ما عاد التغيير في اللون عمامة الاقباط : على الا يزيد طول الشال على عشرة اذرع ، حتى لا تكون للقبطي عمامة كبيرة لان عظم حجم العمامة دلالة على عظم مركز صاحبها  

ونادى المحتسب في القاهرة في سنة 1677 بأوامر عديدة منها الزام النصارى بصبغ عمائمهم باللون الاسود ، ونادى بعض رجال الادارة في القاهرة عام 1732 باتخاذ الاقباط للشيلان الزرقاء لعمائمهم ، ولكن ذلك لم يستمر طويلا ، إذ سرعان ما تحلت الادارة عن معظم القيود التي فرضتها على الاقباط ، ومنها لون العمامة ، وذلك نتيجة توسط اعيان الاقباط لدى الوالي العثماني ، لا انه عموما لم يكن هناك خط موحد للون وشكل العمامة حتى تذوب اوامر الوالي

وينطبق الامر نفسه على الوان وانواع ازياء الاقباط ، فأول اشارة عن قيود حول الازياء عن الاقباط والوانها ترجع الى عام 1677 حيثما نادى المحتسب بمنع الاقباط من لبس الجوخ والاصواف ولبس ( الازار ) ، وهى الملاءة الفضفاضة التي تلبسها المرأة فوق ملابسها ، على الا تكون بيضاء وانما لون اخر يخالف لبس اللون الابيض وهو ما تلبس المرأة المسلمة ،

الا انه رغم كل هذا فلم تكن الدولة متزمتة في تنفيذ هذا الا في الايام العصيبة أما قيود ركوب الخيل على الاقباط فكان استمرار لما كان سائدا عليهم في العصر المملوكي السابق على العصر العثماني ، فكانوا يركبون البغال والحمير بالأكفأ عرضا أي من ناحية واحدة ، وفى العصر العثماني استمرت هذه القيود مفروضة على الاقباط ، وكان عليهم النزول اذا مروا على احد الوجهاء او امام بيت القاضي ، وكانت نساء الاقباط مستثناة من النزول .

 

 

دخول الحمامات العامة :

من القيود التي كانت مفروضة على الاقباط في العصر المملوكي حرمانهم من دخول الحمامات العامة دون علامة في اعناقهم ، وكانت هذه العلامة هي " الصليب "

وفى العصر العثماني صدر الامر في القاهرة عام 1677 بعدم دخول النصارى الحمامات العامة الا بعد تعليق جلجلا واليهودي جلجلتن في عنقه ،

الدولة والكنيسة :

لم تكن الدولة تتدخل في اختيار الاب البطريرك الا اذا ادعت الفردرة ذلك وبناء على طلب الاقباط انفسهم كما حدث في تولى البابا ( متاؤس 102 ) او ( بطرس 104 ) ، وبينما لم تتدخل الادارة تدخلا مباشرا في عملية اختيار البابا البطريرك ، فانها تخلت عن ذلك احيانا بالتعرض للبابا القائم ، بالعزل او بالسجن او بترجيح كفة منافسيه

وكان من اختصاص البابا سيامة الاساقفة والكهنة ، فلم تكن الدولة تتدخل في هذا الانباء على شكوى احد الاطراف لتعيد الحق الى نصابه ، او قد تكون في جانب خصم دون اخر بناء على ما يقدم هذا الخصم من الادلة

وقد مرت الكنيسة في عهد الدولة العثمانية بلحظات صفاء ، قدمت الادارة فيها للكنيسة المساعدة المرجوة ، مثل الاعتراف بحقوق البابا بطرس 104 في تطبيق تشريعات الكنيسة القبطية الخاصة بالاحوال الشخصية للاقباط ، واستعانة الكنيسة القبطية في عام 1738 بالادارة لموجهة المبشرين الكاثوليك ومحاولتهم كثلكة الاقباط ، وكان الملاحظ ان ذلك يرتبط باستقرار امور الحكومة او بمعرفة نجاح المساعى الحميدة لكبار المبشرين الاقباط كعامل اتصال بين الحكومة والكنيسة .ولقد سارت العلاقة بين الكنيسة والحكومة فى اواخر القرن الثامن عشر ، لاسيما فى فترة الاضطراب التى صاحبت حملة حسن باشا على مصر ، ويده القوية التى بطشت بجميع المصريين حتى ان البابا القبطى انذاك             ( البابا يوحنا 107 ) هرب من كرسيه ، كما هرب جميع الاساقفة الاقباط ، وخلع البابا والاساقفة ملابسهم الكهنوتية ، وتنكروا فى ثياب اخرى كى لا يعرفوا وقد تمنعت الكنيسة القبطية بالاوقاف العديدة التى اوقعت على الكنائس والاديرة والتى شملت المبانى والحوانيت والاراضى الزراعية وغيرها ، وكانت السمة السائدة هى حفاظ السلاطين على هذه الاوقاف ، ولو ان حدث احيانا تعدى بعضهم على هذه الاوقاف

دور الاقباط فى الادارة فى العصر العثمانى :

كان من اهم الوظائف التى شغلها الاقباط هى وظيفة ( المباشر ) سواء فى الادارات الحكومية مثل ديوان الروز تامة المختص بمالية البلاد او لدى الامراء ، او حتى لدى ( المعمار باش ) اى المختص بمراقبة الشئون المعمارية فى البلاد ، كما عملوا مباشرين لدى بعض ( المتنفذين ) من العناصر المحلة ، ونقصد بهم قبائل الهوارة فى الصعيد مثل : يوحنا المباشر النقاوى كاتب الامير ريان الهوارى ، كما عمل لدى الشيخ همام الهوارى نفسه بعض العمال الاقباط لجباية الضرائب .

 

لعب الاقباط ايضا دورا هاما فى دار ضرب العملة ( سك العملة ) وفى ادارة الجمارك ، وفى ديوان الجوالى المختص بشئون الجزية ، وديوان الحسبة والمحتسب ، والذى تنبع وظيفته من مفهوم اسلامى ، الا اننا نجد قبطيا هو : برسوم النصرانى مباشر للحسبة ، كما لعبوا دورا هاما فى ادارة شئون المالية مثل : المعلم جرجس بن شنودة ايليا المباشر بخدمة دولار أغا  ناظر الدشيشة ( اوقاف الغلال المخصصة للحرمين ) ، وعملوا فى الاوقاف الاسلامية مثل : رزق بن عبد السيد الذى كان يقوم بجمع ايجار الاراضى الزراعية التابعة لوقف السلطان قايتباى

وقد تبع انتشار الاقباط هذه انتشارهم جغرافيا فى اماكن وجود هذه الادارات ، على طول البلاد وعرضها ، فلم يكونوا ممركزين فقط فى القاهرة ، وانما انتشروا فى مواقع الموانى المصرية عندما عملوا فى الجمارك فنجد لهم تركزهم وكنائسهم فى الاسكندرية ودمياط ، واماكن دواوينهم فى جباية الضرائب سواء فى الدلتا او فى الصعيد

من اهم الشخصيات الادارية القبطية :

لما كان الاقباط يمثلون العصب الادارى فى العصر العثمانى نذكر منهم : يوحنا بن المصرى مباشر الروز تامة وكان يشترك فى توزيع اجمالى الضرائب المقررة فى عام 1691 – 1692 ، ويضيف عبد الرحمن الجبرتى فى كتابة عجائب الاثار " المعلم واصف القبطى " بأنه " احد الكتاب المباشرين المشهورين ، ويعرف الايراد والمصاريف ، وعنده نسخ من دفاتر الروز تامة ويحفظ الكليات والجزئيات ، ولا يخفى عن ذهنه شئ من ذلك "، وعند نهاية القرن الثامن عشر يذكر ان المعلم ابراهيم الجوهرى رئيس الكتبة الاقباط بمصر .. كان هو المشار اليه فى الكليات الجزئيات ، حتى دفاتر الروز تامة والميرى وجميع الايراد والتصرف وجميع الكتبة والصيارف من تحت يده "،

وكذلك نجده فى ولاية الدقهلية عند اعداد حسابات الاموال المقررة والضرائب العامة يذكر المعلم بشارة بن غبريال مع حاكم الولايات والشاهد ورجال الادارة المحلية

ومن اهمية عمل الموظفين الاقباط ان اعتمد على دفاترهم  واحصاءاتهم نابليون عندما رحل بحملته وكتب عنها وصف مصر

ولقد وصل الامر ببعض كبار المباشرين الاقباط ان استخدموا اختاما خاصة بهم ، فألأخوان الشهيران ابراهيم وجرجس جوهرى كانت لهما اختام تختم بها الاوراق الصادرة منهم ، وكانت علامة خاتم المعلم ابراهيم جوهرى هى ( يا قاضى الحاجات وكافى مهمات ابراهيم جوهرى ) وكان خاتم اخيه جرجس جوهرى يقرا منه ( عبده جرجس جوهرى )

الاقباط فى الحياة الاقتصادية :

شارك الاقباط فى الحياة الاقتصادية بعضهم كمصريين فى بلادهم ، فتجاوروا مع اخواتهم المسلمين فى زراعة الارض وتعاونوا فى الرى والبذور والحصاد وفى التجارة والصناعة والنقل

 

 

أ - فى الزراعة :

زرع القبطى ارضة سواء كانت ملك له او استاجرها : وكان الايجار مباحا فى ذلك العهد العثمانى بين الاقباط والمسلمين ، فتحمل الوثائق فى المحكمة الشرعية فى صعيد مصر ان خمسة افراد من اسيوط يشتركون معا فى استئجار ارض زراعية من وقف مسلم ليقوموا بزراعتها على ان يتضامنوا معا فى سداد الايجار

ولم يقتصر نشاط الاقباط على فلاحة الاطيان بالزراعة فحسب ، وإنما امتد الى العمل فى مجال حدائق الفواكة والنخيل ، وخصوصا فى ضواحى القاهرة والجيزة نظر الاستهلاك هذه المحاصيل فى جو المحروسة اكثر من الارياف ، ودخل الاقباط فى عمليات بيع وشراء الحدائق ، وكانت الحرفة تقرن بالاسم فوجد فى الوثائق اسم " اسحق بن عبد السيد النصرانى اليعقوب الغيطانى "

ب - التجارة والحرف :

نشط القبطى فى التجارة والحرف فى المدن اكثر من الريف وفى المحروسة ( القاهرة ) اكثر              من اى مكان اخر ، وتلاحظ انه كانوا يزيدون عددا فى بعض التجارات والحرف عن غيرها ،                        وكلها لم تصل الى حد الاحتكار اذ لم يكن يسمح لهم بذلك ، وبمثل سوق الصاغة الرئيسى فى القاهرة   ( شارع المعز لدين الله بالغورية ) منطقة التركز للصياغ الاقباط ، وكذلك نجد تركوا اخر كان فى خط طولون واخر فى الدرب الاحمر ، وثالث فى سوق السلاح ، كما انتشر تجار الذهب فى الاقاليم ايضا فى الوجهين البحرى والقبلى

وتمثل حرفة الخياطة الحرفة الرئيسية للاقباط ، وانتشر الخياطون الاقباط فى انحاء القاهرة بشكل ملحوظ ، وكان تركزهم فى قصر الشوق وبين القصرين ووكالة ابو طاقية بالقرب من الصاغة ، قوصون والمشطيين ، وفى خط امير الجيوش بالحمزاوى ، وفى الموسكى وقنطرة الامير حسن وغيرها من المناطق التى كانت تقترب من الاسواق لتصريف المنتج

ومن الحرف التى استهوت الاقباط النجارة وهى المرتبة الثالثة بعد الخياطة ، وكانوا يشتغلون بتجارة الطواحين والسواقى والات الزراعة ، ويسمى المتخصص فيها بالنجار الحقاوى اى الخشن ، اما نجار الابواب والشبابيك وادوات المنزل كالطبالى وادوات الطبخ من ملاعق ومغارف كان يسمى بالنجارالدقى اى الدقيق

واتصلت بحرفة التجارة مهنة تجارة الاخشاب وكان تاجرها يسمى " الخشاب " وكانت وكالاتهم فى بولاق بالقرب من ميناء بولاق ( قرب كوبرى ابو العلا الذى لم يكن موجودا ) حيث ترد الاخشاب على السفن

وقد احترفوا كذلك البناء والعمارة ، والمنسوجات بما فيها من غزل وصباغة وتجهيز ، وكذلك تبعا للمنسوجات احترفوا التقصيب والعقادة وصناعة الملايات وكان كل صاحب مهنة يسمى اسمه بها كالمعصباتى والعقاد والملاياتى .

 

اشتغلوا ايضا بالعطارة واشتهروا فيها لأنها لم تقتصر على تجارة الاعشاب وانما على التقصيب بها ووصف العلاج للامراض ، فكان العطار يورث ابنه ليس فقط تجارة العطارة وانما يعلمه وصف الادوية على الحالات المرضية المختلفة ، كما اشتغلوا كثيرا بتجارة الخمور وتفننوا فى تقطيرها وبخاصة فى الصعيد ، وفى الصعيد ايضا تاجروا فى الحبوب وصدروها الى الوجه البحرى

ومن الحرف الصغيرة التى شاركوا فيها : الحلاقة وصناعة الاحذية ودباغة الجلود وصناعة القرب لصناعات الالبان ونقل المياه والسوائل الاخرى ،

ومن الطريف ان كانت هذه الحرف ثورت ، ومن ثم كانت الاسرة كلها تحمل اسم الحرفة فكان يقال عائله الخياط ، وعائلة الصايغ وعائلة النجار وهكذا

الاقباط فى الحياة الاجتماعية :

كان تعداد الاقباط قليل فى هذا العهد ، وقد تضاربت التقديرات فى هذا ، الا انه فى النهاية لم يكونوا سوى بضع الاف لا يتجاوزون الربع مليون وتركيزهم فى المدن اكثر ، ثم كانت ظاهرة الهجرة الى القاهرة واضحة حيث الامن والقرب من الادارة والتجارة والصناعة وكسب المال سريعا ، وكانوا يعيشون متجاورين حول كنيسة او دير ، وكان هذا التجمع يسمى حارة النصارى فتركزوا فى القاهرة حول بركة الازبكية ، حيث وجد اهم الاحياء القبطية فى القرن 18 وهو حى المقس ( المقسم ) شمال بركة الازبكية ، كما وجد حى اخر فى جنوب غرب بركة الازبكية وهو ما كان يعرف بحارة النصارى برجية التين او خط اللوق السعيد ( مكانها الان جامع الكخيا بالقرب من باب اللوق وسميت برجية التبن لان الجمال كانت تحمل احمال التين لتباع فيها ) وكذلك حارة النصارى بحارة زويلة وحارة السقايين وفى حارة الروم حيث الكنائس القديمة وكذلك حارة النصارى بخط طولون بقلعة الكبش

وكان الاقباط يتركزون كثيرا فى فسطاط مصر القديمة حيث الاديرة والكنائس وميناء                       مصر العتيقة  وكانت حارات النصارى كذلك فى الاقاليم حيث تركزوا فى مناطق معنية عرفت بحارات النصارى ولكنها اقل عددا من العاصمة ، وكانت تحميها كنيسة وكان الكاهن وكبار الاقباط هم المسئولون عن النصارى فيها من حيث جمع الجزية او التواجد امام السلطان الادارية

اما عن الحياة داخل حارات النصارى فكانت لا تختلف عن خارجها حتى ان بعض الصناع او التجار او الحرفيين المسلمين كانوا يشاركون فى العمل فيها ، وكان الاقباط يحاولون الاكتفاء ذاتيا بكل شئ ، ففى مشكلاتهم يحاولون حلها برئاسة الاب الكاهن داخل حاراتهم  الا اذا كانت هناك مشكلة كبيرة او فيها طرف لا يريد الطاعه لامر الكاهن ، او حدوث جريمة كبيرة كالقتل او السرقة بالاكراى او شجار بين المسلمين والاقباط

وكان التعليم داخل نطاق الكنيسة كالقراءة والكتابه والحساب واللغة القبطية وحفظ الالحان ، وكان تدريب القراءة والكتابة لا يخرج عن الكتاب المقدس ، الى ان اتى عهد المدارس فى نهاية العصر العثمانى واسس البابا كيرلس الرابع (ابو الاصلاح ) المدارس للبنين والبنات وللكل مسيحيين ومسلمين

 

اما عن التعامل العام ، فكان الاقباط غير منعزلين اجتماعيا عن المجتمع المصرى ، وانما شاركوا فى وضوح مع اخوانهم المسلمين فى الزرع والتجارة والحرف والصناعة ، شاركوهم فى رؤوس الاموال ، وتعرضوا معهم للمكسب والخسارة ، دخلوا بيوت بعض دون تحرج لهم لا فى بعض الاحوال التى كان المتعصبون اثارة الفتن التى سرعان ما كان العثمانيون يحثوونها حرصا على الصالح العام

ولم يلجا الطرفان الى القضاء الا فى حالات الضرورة ووقوع جريمة او الاستئثار بالمال             او المكسب لطرف دون الاخر


 

 

القرن السادس عشر

الانبا يوحنا 13 البطريرك الـ  94

رسم بطريركا فى عام 1484 وهو من بلدة صدفا مدرية اسيوط ، ومن اهم ملامح فترته هو فتور العلاقة بين كنيسة الاسكندرية وكنيسة الحبشة بسبب اغارات ملوك مصر على بلاد الحبشة ، ولم يجد ملك الحبشة فى ذلك الوقت بدا من التحالف مع البرتغالين الذين كانوا يجولون البحار فى تلك الفترة بحثا عن مستعمرات لهم هناك ، فنزح كثير منهم الى الحبشة وحدث ان البرتغاليين عندما دخلوا هناك كان كرسى مطرانية الحبشة خاليا ، فطلبوا من ملكها ترشيح احد البرتغاليين مطرانا عليها على ان رسم بمعرفة بابا روما وفعلا رشح احد البرتغاليين واسمه ( يواس برمودز ) ورسم فى روما ودعاه البابا بطريركا الاسكندرية فاحتجت كنيسة الاسكندرية على هذا الاجراء وبطلانه ,   كذلك قام هذا البطريرك ببعض الاصلاحات والف بعض الكتب وتنيح بسلام 1524م

الانبا غبريال السابع البطريرك الـ  95

وكان اسمه روفائيل من قرية منشاة الدير المحرق ، وترهب بدير السريان ورسم بطريركا سنه 1526 ، وكان مهتما بعمارة الاديرة فعمر ديرى القديس انطونيوس والقديس بولا وعمر دير المحرق ولما هب بربر الصحراء وهدموا عمارته فى دير الانبا بولا وقتلوا وشتتوا بعض الرهبان اعاد عمارته مرة اخرى

وفى ايامه طالبه السلطان سليم الاول العثمانى بمبلغ كبير من المال فرحل الى الاديرة بوادى غربة ليجمع المال هناك ، وبينما هو يعبر النيل من جهة الميمونة ادركه الموت وتنيح بسلام سنة 1570 ولم يوجد بعده مال خلفة حتى تدفع منه الكنيسة فساد حالها

الا انه حدث فى ايامه ان مات ملك الحبشة الذى كان قد لجا الى البرتغاليين كما اسلفنا ، وتولى مكانه ابنه اقلاديوس ، فسالم البرتغاليين اول الامر وارتض بالمطران برمودزالرومانى فى بلاده ، ولكن القوات الاسلامية العثمانية فى غزوها لجنوب البحر الاحمر هددته فعاد الى الكنيسة المصرية واعلن المطران الكاثوليكى باعتباره ضيفا فى الحبشة واجب اكرامه فقط اما الحبشة تعود الى كرسى الاسكندرية ، وارسل وفدا حبشيا الى البابا غبريال يطلب منه رسامة مطران جديد ، فرسم له البطريرك كاهنا يدعى يوسف فذهب الى هناك حيث قوبل بالترحاب ، وعادت بذلك العلاقات جيدة بين مصر والحبشة

اما البطريرك الكاثوليكى فعاد الى بلادة ، ولكن الكاثوليك لم يسكتوا على هذا الوضع ، وارسلوا وفد من احد الاراخنة هناك وكاهنين الى الحبشة للتفاوض لاعادة برمودز ، وقد لقيهما الملك الحبشى بالترحاب واستكافهما وافهمها فى رقة انه لا يخضع الا لكرس مارمرقس فى الاسكندرية ، وامعانا فى المعاملة الحسنة سمح لهم بالاقامة فى بلادة وهو واثق من ثبات شعبة على ارثوذكسيتهم ، الا ان مات وخلفة اخوه مينا فاستاء من وجود هؤلاء الكاثوليك فى الحبشة واغلظ معاملته لهم ، فاغتاظ الكاهنان

 

واغريا احد كبار قواده على اتباع الكاثوليكية ثم حسنا له عقد محالفة مع المسلمين ضد الملك ، فاغتاظ الملك مينا من هذا السلوك وسعى الى تأديبهم ووصل الخبر الى بابا روما بفشل ارساليته ، فأرسل فورا بابا روما الى بطريرك الاسكندرية يطلب منه انضمام كنيسة الاسكندرية للكنيسة الكاثوليكية ، فرد البطريرك الاسكندرى من ارسلهم البابا بلطف وبقراره انه لا يمكن ان يحيد عن عقيدته الارثوذكسية ،

فعاد البابا الكاثوليكى وارسل مبعوثين من طرفه الى ملك الحبشة يرجوه الا يمس الكاهنين بسوء من اجل خاطر بطريرك الاسكندرية ، فسمح لها الحبشى بالاقامة فى بلادة دون اى عمل كاثوليكى هناك ، الا ان بابا روما استدعاهما وعادا اليه

الانبا يوحنا 14 البطريرك الـ 96

سيم بطريركا فى 1574 ، وهو من منفلوط ترهب فى دير البرموس ببرية شهيت بوادى النطرون   وفى عهده عاد بابا روما يحاول ضم كنيسة الاسكندرية اليه ، مستغلا اضطهاد العثمانيين للاقباط بشكل كبير ، وتفضل كاثوليك روما عليهم فارسل اليهم بعض رجاله واجتمعوا بالبابا يوحنا وكان شيخا متواضعا محبا للسلام ، وعرضوا عليه حمايتهم له وللاقباط من العثمانيين مقابل ان يخضع لسلطان كنيسة روما ويبقى هو بطريركا على الامة كما هو فدعا الاساقفة واخبرهم بأمر بابا روما ، وببساطة ابدوا اريتاحهم الى الاتحاد بين الطوائف ، ولكن لما انعقد المجمع وسمع الاساقفة اراء نواب اسقف روما هاجموا وعارضوا ذلك معارضة شديدة وصرخوا فى وجه وفد روما قائلين " ان موافقتنا على طلبات اسقف روما نظر فى المستقبل باستقلال الامة الدينى الذى اشتراه ابؤنا بدمائهم " ونظرا لشيخوخة البطريرك يوحنا وبساطته كان يميل الى حماية الكاثوليك الا ان الاساقفة وقفوا ضد هذه الرغبة وتوفى البطريرك فى هذه الايام وطويت هذه الصفحة

الانبا غبريال الثامن البطريرك الـ 97

رسم سنه 1590 وكان راهبا فى دير الانبا بيشوى وفى عهده ارتاح الاقباط حيث ان السلطان مراد كان فى حاجة اليهم فى الوظائف وفى عهده تجددت مساعى بابا روما ليحمله على الاعتراف بسيادته عليه ولكن البطريرك الذى استقل مع رسله اللطف اول الامر اظهر رفضه تماما لهذا الطلب 

 

 

 

 

 

 

القرن السابع عشر

الانبا مرقس الخامس البطريرك الـ  98

سيم بطريرك سنة 1602 وكان بلدة البياضية التابعة لأسيوط  . و انتشرت فى عهده عادة سيئة بين الاقباط وهى تعدد الزوجات واتخاذ زوجات غير شرعيات لاسيما فى منطقة حول دمياط ، وان مطران دمياط جاهر بأن تعدد الزوجات غير ممنوع فى الانجيل ، ولما لاحظ ذلك الانبا مرقص اصدر منشورا يحرم كل من يمارس ذلك ، وكذلك حرم المطران نفسه ، فانفق المطران مع بعض الاقباط الذين كانوا يشتغلون مناصب كبيرة فى الحكم فى سلطنة محمد بن مراد واشتكوا البطريرك للوالى جعفر باشا ، وقد جدها هذا الاخير فرصة لازلال النصارى فى رئيسهم فأحضر البابا وامر بضربة حتى اشرف على الموت وعزله من منصبه وحبسه فى برج الاسكندرية

اما المطران المحروم وحزبه من الاقباط فأحتلوا على راهب من البياضية واقامواه بطريركا ، وصرح لهم هذا البطريرك بتعدد الزوجات وبعد فترة ثار اهالى القاهرة وجمعوا وفدا ليقابلوا الوالى واقنعوا بأن يرد البطريرك المسجون الى كرسيه لأنه على حق فرده ، وبذلك اصبح على الكرسى بطريركان كل منها لم حزبة وظلا كذلك الى ان ضعف حزب الراهب الفاسد وانحل من نفسه ، فمضى الراهب الى بستان وجعل يعمل فيه حتى مات ، وظل الانبا مرقص الى سنه 1613 حيث تنيح

وفى عهده ايضا استانف بابا روما محادثاته معه فى شأن انضمام الكنيسة القبطية ولكنه رفض ، واستغله الارساليات الكاثوليكية فترة الصراع بينه وبين مطران دمياط وما تلاها من احداث وزاد نشاطها فى مصر وفى الحبشة ، وهناك بعض الاراء تسند ما حدث للبطريرك مرقس انها دسيسة من هؤلاء المرسلين الكاثوليك ، الا ان كنيسة الاسكندرية قاومتهم فى مصر وفى الحبشة حتى حبس الاحباش المرسل اليسوعى هناك ، ورغم هذا استمر اليسوعييون هناك يدعون للكاثوليكية بزعامة            ( بيدوفيز ) الذى ظل يثابر على التاثير على الامبراطور حتى سمح له بالوعظ فى بعض الكنائس ، فوعظ بالغة الحبشية التى اتقنها وفى النهاية تاثر به الامبراطور نفسه واعطاه هامشا اكبر من الحرية فى التحرك هناك فثار عليه الاحباش بزعامة المطران القبطى هناك ، واحتكم الامر فى النهاية الى القتال ، فقامت الحرب التى قتل فيها الامبراطور وعين مكان امبراطور اخر ، فوقع هذا الاخير تحت تأثير البشر اليسوعى وارسل من يتعملون فى روما المذهب الكاثوليكى ، وهنا اعلن المطران القبطى هناك حرم كل من يتبع هذا المذهب ، واشتد هياج الشعب هناك ضد الامبراطور مرة اخرى ولكن هذه المرة انتصر الامبراطور واعلن المذهب الكاثوليكى ، ولكن الله عجل بموت بيدوفيز فهدات الاحوال

يوحنا 15 البطريرك الـ  99

سيم بطريركا فى عام 1613 ، وكانت الكنيسة فى ايامه تمر بضيقات من كل ناحية فى الداخل و الخارج ، فجعل همه الافتقاد لكل ابنائه ، وفى اثناء مروره على ابنوب وجد احد اغنيائها لديه محظة فنصحة وارشده ثم هدده بالحرمان فدس له السم ومات فى 1623م .

 

 

وفى عهده مات ملك الحبشة الذى اعلن المذهب الكاثوليكى فى بلده وتولى بعده ابنه الملك باسيليوس فاضطهد الكاثوليك وتابعيهم وشل حركة المبشرين وتركهم فى الحبشة بشرط عدم الدعوة للكاثوليكية ، ولما شعر بأنهم يسعون لاستدعاء جيش من البرتغاليين لمساعدتهم امرهم بمبارحة الحبشة ، ولكنهم اتفقوا مع احد الامراء المناوئين له الا ان هذا الامير باعهم فى النهاية عبيدا للاتراك وقتل الاحباش من بقى منهم وهكذا ظلت الحبشة فى صراع وقتال حوالى ست سنين

الانبا متاؤس 3 البطريرك الـ  100 ( 1623 – 1642  )

الانبا مرقس السادس البطريرك الـ 101  ( 1646 بعد خلو الكرس خمس سنين – 1656 )

الانبا متاؤس 4 البطريرك الـ  102  ( 1661 – 1675 )

الانبا يوحنا 16 البطريرك الـ  103

فى 1676 سيم بطريركا ، وكان يدعى اولا ابراهيم بن المغربى من طوخ دلكه منوفية ، وترهب بدير الانبا انطونيوس ، وفى اثناء رئاسته قام بافتقاد ابنائه فى الوجهين القبلى والبحرى ، وزار القدس وكان فى صحبته رجل من اكابر المسيحيين هو جرجس الطوخى الذى ساعده فى عمارة ما تهدم من الكنائس والاديرة وبخاصة دير الانبا بولا الذى كان قد تخرب عدة مرات فعمره هذا الاب البطريرك واعاد اليه الرهبان بعد ان ظل خاليا حوالى مائة سنة ، وبنى دار البطريركية بحارة الروم ، وارسل رجلا من افاضل المسحيين وهو المعلم لطف الله الى السلطان لدفع الجزية عن حارة الروم ، كما كرسى الميرون المقدس سنه 1419 ش

وقد حلت فى ايامه بالكنيسة الكثير من الكوارث فاحتملها فى صبر ، وتنيح بسلام فى سنه 1718 بعد ان ظل فى الكرسى حوالى 42 سنه

علاقته بالكاثوليك :

زار مصر فى عهده قنصل فرنسى سنه 1692 اسمه ( مولييه ) وكتب كتابا عنها ذكر فيه عن الاقباط " انهم اقل جهلا وغشومة ، ولكنهم متشبسون بما يحسبة غيرهم هرطقة " وقال ايضا " ان المرسلين اللاتين مع ما كانوا عليه من المهارة والجدارة لم يستطيعوا ان يجذبوا اليهم واحدا منهم رغما عن طول بقائهم بينهم وعمل كل ما فى وسعهم لاقناعهم "

" وانه لم يقو المرسلون على اجتذاب القبط اليهم بالاقناع دبروا حيلة اخرى فصاروا يوزعون صدقات نقدية على من يحضر منهم الى كنيستهم ، فالتجأ اليهم جمع من الفقراء ولما استبدل رئيس الدير بغيرة الغى التصديق بهذه الكيفية ولذلك لم يعد من الفقراء من يقترب من كنيسة الافرنج "

ومما رواه هذا القنصل عن شده تمسك الاقباط بعقيدتهم هو " ان لويس الرابع عشر ملك فرنسا طلب منه ان ينتخب ثلاثة شبان من الاقباط الاذكياء من عائلات طيبة ويرسلهم الى فرنسا ليتعلموا على

 

نفقة الحكومة الفرنسية ، فلم يرضى اغنياء الاقباط او فقراؤهم ان يسلموا اولادهم خوفا من أن بغيروا معتقدهم ، وكان المرسلون اللاتين قد فتحوا مدارس لتعليم الشباب القبطى ، فمجرد اشاعة الخبر منع الاقباط اولادهم منها ، فاصبحت خاوية ، ولم يبق مع الكاثوليك سوى عدد قليل ، وهم الذين اخذوهم من والديهم وهم اطفال من اولاد الفقراء وربوهم منذ نشأتهم على المعتقد الكاثوليكى ، غير ان هذه الطريقة التى عمدوا اليها لم تنجح ايضا ، فإن كثيرين من اولاد الاقباط الذين علموهم فى رومية عندما عادوا الى اوطانهم شق عليهم ترك عقيدتهم الاصلية مقادوا اليها مرة اخرى

فضلا عن ذلك فإنه لما ادرك الاقباط ان المرسلين الكاثوليك لا يأخذون اولادهم اشفاقا عليهم ، وانما ليلقونهم المعتقد الكاثوليكى ، فامتنعوا عن تقديم اولادهم لهم حتى الفقراء منهم " وحتى الذين كانوا جوعى وكنا نعطيهم طعاما امتنعوا عن المجئ الينا خوفا على عقيدتهم

وكان بعض الاقباط التابعيين لاسقف روما قد غشوه بأن بطريرك الاقباط اظهر رضاه عن دراس الايطاليين وانه امر ابناء رعيته بتعليم اولادهم فيها ، فلما اطلع مولبية على الحقيقة افهمه بأن البطريرك لم يكن يعترف بأعمال ولا بوجود المرسلين الايطاليين بل كان يفترض عدم وجودهم بالمرة فى البلاد . ولما رأى الكاثوليك فشل ساعيهم فى مصر تحولوا الى الحبشة مرة اخرى ، فبعد ان ارسلوا ثلاث ارساليات اخرى سنه 1706 ، ارسلوا بايعاز من الملك لويس 19 ملك فرنسا طبيبا الى الحبشة يدعى ( دى رول ) ليدبر بحسن سياسته مع ملكها تمهيد الطريق لليسوعيين لقبولهم فيها وكان معه ترجمان سورى يسمى الياس فلما وصلا الى ستار قبض عليهما حاكمهما وحجز عنده الطيب واطلق الترجمان كى يذهب الى الملك ويطلب منه السماح بدخولها الى الحبشة فرد عليه الملك انه يسمح لها اذا كانوا سياحا اما غير ذلك فلا ، فلما رأى ملك سنار رد الملك قام بقتل اليسوعى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأقباط فى القرن الثامن عشر

اشهر البطاركة :

البابا بطرس السادس البطريرك الـ  104

سيم بطريركا فى 15 مسرى 1434 / 1718 م وكان اول امره يدعى مرجان وكان من اسيوط وكان قسا على دير الانبا بولا ، وكان ذا سمعه طيبة وخادما امينا ، على علم بما كان يدوب فى البلاد نظرا لأنه كان كثير الطواف فيها ، ولما سيم بطريركا حافظ على شعبة محذرا أياهم مما يخالف الدين فى خصوص الزواج والطلاق ، حيث بدات تتفشى ظاهرة الطلاق بين المسيحيين

واستمر على كرسيه سبع سنين وستة اشهر وأيام حيث تنيح فى 26 برمهات 1442 – 1726 م

الانبا يوحنا 17 - البطريرك الـ  105

كان اسمه عبد السيد - من ملوى ، ترهب فى دير الانبا بولا وسيم بطريركا فى 6 طوبة                        1443 ش / 1727 م ، وفى عهده منع عادة استلام الصليب من يد السلف الميت لانه فزع منه ، وفى اثناء بطريركية بنى كنيستيين احداهما فى دير الانبا انطونيوس والاخرى فى دير الانبا بولا

وفى سنه 1743 ارسل امبراطور الحبشة وفدا الى هذا البابا ليرسم لهم مطرانا عقب وفاة المطران خريستوزولوس مطران الحبشة ، وكان الوفد مؤلفا من ثلاثة اشخاص احدهما قبطى وكان يدعى جرجس والاخران حبشيان اسم احدهما تاوضروس والاخر ليكانيوس ، ولما وصلوا الى مصوع قبض حاكمها عليهم ، وسلب منهم نصف النقود التى كانت معهم ، واكرههم على الاسلام ، فاختفى القبطى ، واعتنق الاسلام ليكانيوس ، اما تاوضروس فرشا بالمال الذى كان معه الحراس وفر الى القاهرة ، وطلب من البطريرك رسامة مطران لبلاده فاجيب الى طلبة ورسم له البطريرك مطرانا سنه 1745 وعاد به الى الحبشة ، الا انه وهو فى طريق عودته صادف فى مصوع ما صادفهم اول مرة ، والقيا فى السجن ، غير ان تاوضروس تمكن بحيلة ان يسهل اخراج المطران سرا ليفر الى الحبشة ويرسل اليه مالا دفعه ليخلى سبيله اشتد الكرب على الاقباط  فى عهده فقد زيدت الجزية ، بل فرضت على من كانوا يعفون منها فكان يدفع عن الرهبان والكهنة في الصبيان والفقراء

في ايامه ايضا تمكن المرسلون الكاثوليك من يصطادوا في الماء العكر وينتهزوا هذا الكرب ويدخلوا البلاد ويجعلوا لهم مراكز في جنوب البلاد في المنيا واسيوط وابو تيج وصدفا واخميم وجرجا والاقصر واسوان وفى دير النوبة ايضا ، وفى عام 1731 ارسل البابا كلمنت الثاني عشر بابا روما يخص رؤساء ارسالياته هذه على بذل اقص جهودهم في ارسال انباء الاقباط ليتعملوا في روما ليعودوا اكليريكين كاثوليك ، الا انهم فشلوا فى ذلك حتى بعد ان لجأوا الى اساليب التهديد والانضمام الى الولاة ضد الاقباط !!

 

 

     وازاء هذا الفشل ارسل بابا روما صراحة وفى تبجح الى الاب البطريرك يوحنا على يد الكاردينال بلوجا - احد المرسلين الكاثوليك- يطلب منه ان يقبل هو وكنيسته الخضوع لسلطانه ، ولكن هذه الدعوة رفضت بالطبع

وفى عهد بابا روما التالي وهو بندكت 14 انكسر وجود اتحاديين كنيسة الاقباط وبين الكنيسة الكاثوليكية ، واقفل باب الدعوة لهذا بالشكل الودي ، ولجأ الى اسلوب اخر ، فقد كان بمدينة القديس قس قبطي كاثوليكي اسمه القس اثناسيوس ، فرسمه مطرانا في 1741 على مصر ، الا انه خشي المجيء اليها لتربص الاقباط به فظل في اورشليم ، وكان له نائب في مصر هو القس يسطس المراغى ، وكان يوجد ايامها شاب قبطي اسمه  روفائيل الطوخى من جرجا اخذه الكاثوليك بالقوة وهو صغير ، وارسلوه ليدرس اللاهوت في روما ، وبعد اتمام دراسته عينه الاسقف الكاثوليكي اسقفا على الفيوم ثم استدعاه اليه ثانية ليساعده في تأليف كتب باللغة القبطية وتصحيح كتب الطقوس الكنسية

وفى السنين الاخيرة من اقرن الثامن عشر تمكن الكاثوليك من استمالة اسقف جرجا القبطي الى مذهبهم ، ولما مال اليهم حرم من الكنيسة القبطية ، بل ونقم المسلمون عليه ايضا فهرب الى روما حيث ظل بها الى ان مات في سنه 1807

كان من نتيجة الغزو الكاثوليكي الهمجي على الاقباط ، وانضمام بعض الاقباط اليهم ان نشأ نشوز بين افراد العائلات وظهرت الانقسامات بسبب الشركات والاموال والزواج واشتكى كبار الكتاب لمخدوميهم من الامراء ، من سوء تصرفات الكهنة الكاثوليك وتعديهم على حقوق بطريركهم ، فعقد لذلك مجلس بحضورهم وحضور البطريرك القبطي وقسيس الكاثوليك بالمحكمة الشرعية الكبرى ، وبعد سماع اقوال المشتكي واحتجاج المشتكي عليهم ، تقرر التصريح لبطريرك الاقباط باستعمال السلطة الدينية على ابناء ملته ، والتصرف فيهم بما توجبه قوانينه المرعية ، وعدم التعرض له ، او التعدي على حقوقه ، وتحررت بناء على ذلك حجة من المحكمة وسلمت ليد البطريرك

وقد نشر المندوب الكاثوليكي البابوي بمصر رسالة على جماعة الكاثوليك الذين كانوا كلهم في الوجه القبلي ، وذلك تنفيذ للمعاهدة التي تمت بينه وبين البطريرك القبطي سنه 1794 عند معتمد دولة النمسا ، وفيها يوصى الاقباط الذي دخلوا الكاثوليكية بمدن : جرجا واخميم وفرشوط ونقادة ، بذلك الاتفاق الذي عقد بينه بصفته كيرلس رئيس عام رهبان المرسلين الكاثوليك والخواجة كركور وشتى قنصل النمسا والاب اكليمندس رئيس عام سابق ، وبين البطريرك انبا يؤانس والمعلم ابراهيم الجوهري والمعلم جرجس اخيه رؤساء طائفة الاقباط بمصر ، وكان الاتفاق على ما ياتى :

 

اولا :المتزوجون من الفريقين لهم حرية الصلاة في اية كنيسة ارادوها : فبطية كانت ام كاثوليكية

ثانيا : من الان فصاعدا لا ينبغى ان يتزوج الاقباط من الكاثوليك ولا الكاثوليك من الاقباط

ثالثا : لا يدخل قسوس الكاثوليك بيوت الارثوذكس ليكرزوا لهم ولا قسوس الارثوذكس بيوت الكاثوليك

 

رابعا : لا ينبغى ان قام احد ليصلى بكنيسة معينة ، بل يترك لكل واحد حق اختيار الكنيسة التي يحب ان يصلى فيها

خامسا : لا يصح فيما بعد اذا حدث خلاف ان يرفع الامر الى رجال الحكومة بل الى الرؤساء من الكنيستين ، ولهم حق مقاطعة المعتدى

ولما بلغ السلطان العثماني ان الارساليات الكاثوليكية وهى بالطبع اجنبية في نظرة بدأت ترسخ اقدامها في البلاد ، خشي امتداد سطوة الاجانب في بلاده ، فارسل الى بطريرك الكنيسة اليونانية ، وطلب منه ان يحذر جميع افراد رعيته من دخول الكنائس الكاثوليكية وكان معظم الذين اعتنقوا المذهب الكاثوليكي من السوريين الذين ارادوا ان يحتموا بهذا المذهب من تعدى المسلمين عليهم ، وسن السلطان غرامة الف كيس على الذين يذهبون لمعابد المرسلين اليسوعيين ، فجمع السوريون هذا المبلغ وسلموه للسلطان وفيما بعد قبض احدا امراء المماليك على اربعة من المرسلين الكاثوليك ، ولم يفرج عنهم الا بعد ان دفعوا غرامه كبيرة

وهكذا عانت الكنيسة في ايام هذا البطريرك الكثير من هؤلاء الكاثوليك الى ان تنيح في 1745

الانبا مرقس السابع الـ  106

سيم بطريركا في 1745 وكان اصلا اسمه سمعان من بلدة قلوصنا مركز سمالوط المنيا ترهب في دير الانبا بولا ، تميز بطلاقة لسانه وحسن صوته وسيرته الحميدة ، وظل بطريركا 24 سنه حيث تنيح في عام 1769 بدير السيدة العذراء بالعدوية ودفن بحارة البطربرك بآبي سيفين

الانبا يوحنا 18 البطريرك الـ 107

وكان اسمه يوسف من الفيوم وكان راهبا بدير الانبا انطونيوس رسم بطريركا فى عام 1770 ، وقد وقعت فى عهده شدائد نتيجة سوء معاملة الوالى العثمانى له وهو حسن باشا الذى وصل به الامر ان ضبط خزينتة وصادر امواله ، الا انه رغم هذا فقد شارك المعلم ابراهيم الجوهرى فى اعمار الكنائس والاديرة

وفى عهده لم يسكت الكاثوليك ، وعملوا جهدهم لجذب الاقباط من جديد ، ونشروا كتاب ( اعمال مجمع خلقيدون ) ووزعوه على البلاد الشرقية ولا سيما مصر ، كما ارسلوا مندوبا كاثوليكيا الى البطريرك المصرى من بابا روما يدعوه فيها الى الاتحاد معه ، فسلمت الرسالة الى الاسقف الانبا يوساب الابح اسقف جرجا ، وطلب منه البطريرك الرد عليها ، وكان هذا الاب عالما فى العلوم اللاهوتية فدافع عن الكنيسة القبطية الارثوذكسية وله كتاب ( سلاح المؤمنين ) وله كتاب اخر اسمه ( الادراج ) ، فكتب ردا فند فية كل مزاعمهم

     واستمر البابا يوحنا على كرسيه حوالى 27 سنه وتنيح بسلام فى 1796

 

 

الانبا مرقس الثامن البطريرك الـ  108

من مواليد طما بمديرية جرجا وكان يسمى يوحنا ، وكان من اسرة متدينة ، وترهب فى دير الانبا انطونيوس ، ثم عاش فى الدار البطريركية مع البابا يوحنا الثامن عشر ، وحضر ما حل بها من ويلات ، وبعد وفاة البابا يوحنا وافق الاساقفة على ان يكون بطريركا على الكنيسة ووقعت عليه القرعة الهيكلية ، ورسم بحارة الروم فى يوم الاحد 28 توت 1513ش ، 1797م فى عهد السلطان سليم الثالث ، وفى عهده وصلت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت ، كما حضر هذا البابا السنوات الاولى لحكم محمد على باشا

 ولم يكن وصول الحملة الفرنسية الى مصر مكسبا للاقباط كما قد يظن ، وانما جرت عليهم الكثير من الويلات ، فبسببها نقل مقر البطريركية من حارة الروم الى الازبكية بالدرب الواسع اذا حرقت فى تلك الفترة الكنيستان العليا والسفلى بحارة الروم ، وكان الميرون الذى عمله سلفه موضوعا فى اعلى دهليز الكنيسة السفلى بحارة الروم فحرق ، وكان باقيا من هذا الدهن المقدس فى بعض الكنائس بمصر القديمة الذى عمل منذ عهد البابا متاؤس الثانى ومن ايام البابا يوحنا 16 ، وقبل حرق الكنيسة ثمانى سنوات فى رياسة البابا مرقس انتقلت القلاية البطريركية من حارة الروم الى حارة الازبكية ، والسبب فى نقلها انه عندما دخل الفرنسيون اهان المسلمون الاقباط بسببهم ، فانتقلت البطريركية الى الازبكية فى مواضع كان قد بناها المعلم ابراهيم الجوهرى قبل وفاته وترجع ملابسات بناء هذه الدار التى اقام فيها البطريرك ان المعلم ابراهيم الجوهرى استطاع ان يحصل على فرمان ببناء الكنيسة ، واودعه فى القلاية فى يدة حبرية البابا يوحنا 18 ، وبعد ذلك اشترى عدة محلات وهدمها ، وبدا بوضع اساسات الكنيسة وبجوارها اماكن اقام فيها الانبا مرقس ، ولم يكن الحصول على فرمان بناء الكنيسة امر سهلا ، الا ان المعلم ابراهيم الجوهرى استغل مركزه وتقدير السلطة له ، وانتهز فرصة قدوم احدى قريبات السلطان العثمانى فى زيارة لمصر من القسطنطينية فى طريقها الى الحج ، فكان فى استقبالها بحكم ينصبه الرفيع فى ذلك الوقت ، واشرف بنفسه على ما قدم لها من خدمات ، وعندما استحسنت الاميرة ما فعل ، سألته مقابلا لما قدمه لها ، وهنا التمس منها المساعدة فى استعداد فرمان سلطانى بالترخيص بانشاء كنيسة كبرى فى الازبكية حيث كان يقيم هو ايضا ، كما التمس منها التوسط لدى السلطان ان يرفع الجزية عن الرهبان وغير القادرين ، وقبلت رجاوه ، وفعلا صدرت هذه الفرمانات الى ان الاجل لم يمهله وكما سنرى فى حياته ومات ابراهيم الجوهرى ولم يستكمل البناء فاكمله اخوه المعلم جرجس

وعندما دخل الفرنسيون بحملتهم الى مصر قامت حرب بينهم وبين العثمانيين فى القاهرة بعد ثمانية عشرة شهرا من وصولهم ، واستمرت هذه الحرب اربعة وثلاثين يوما وكان الصوم الاربعين المقدس ، فعمل البابا مرقس جمعة البصخه المقدسة وعيد القيامة فى فناء الكنيسة القديمة بحارة الروم لانها كانت قد احترقت هى وما حولها من محلات وكانت كارثة اذ امتدت يد الحرافيش الى نهب الكنائس بسبب هجوم الفرنسين على الممتلكات الاسلامية وايذاء المسلمين والازهر ، حتى امتد النهب الى الاسكندرية ، فنهب كنيسة مارمرقس ولم يتبن الا بعد خروجهم بمساعدة المعلم ابراهيم الجوهرى ايضا وكرسها البابا مرقس على اسم مارمرقص عوضا عما هدمه الفرنسيين

 

 

تعود الى البطريرك الذى كان يشتهر ايضا بعلمه بجانب تقواه ، فوضع الكثير من المواعظ لتقرأ فى الكنائس وكانت اشبه بقواعد اصلاحية لما لحق النظام الكنسي من خلل في اوقات الصلوات ، فزجر فيها من كانوا يتكلمون اثناء الصلاة في القداس الكنسي ، وعظات عن التماس الادب والاحتشام في الكنيسة ، ومنع فيها دوران الفقراء في الكنيسة مع اطباق التبرعات ( أنا اسألكم بلين المسيح وتواضعه ان تبطل دورة الاطباق ولا يدور الفقراء ، فالأطباق يقفون بها في الخورس التحتاني وذلك في وقت التسريح ، ومثل ذلك الفقراء بجانبهم بأدب ووقار ) وغير ذلك من الرسائل في موضوعات دينية ومواد للتعزية ( ان الكتب الشرعية يا أبني الحبيب عزى الله قلبك بعزاء الروح القدس المعزى تدعونا الى تعزية بعضنا بعضا ، والعقل والادب والمحبة ، والعادة مجمعه على ذلك فقد صار مستحبا وفرضا ، وما هذا الا لان المباشر بذاته الالم والحزن قد يعدم الرأي الصائب عند حلول المصائب ،              او نيس الامر الواجب الاستيلاء الاكتئاب عليه فيحتاج الى من يذكره ، لذلك كتبت هذا اليك )

وقد روى عن هذا البابا انه كان شديد الاهتمام بأمر الكنائس والاديرة واصلاح ما تخرب منها ، وكان مقدرا لمنفعة الوعظ ، فثابر على القاء العظات بنفسه ولم ينقطع عن التعليم في أي وقت ، وقد رسم جملة اساقفة ومطرانا للحبشة

اشتهر كذلك لعمل الخير تقديم الخدمات والاحسان ، وكان قصير القامة شديد التقشف ، كثير الهجوم مصفرا بسيطا في اكله وملبسة ، تنيح في 13 كيهك 1529 / 1810 وكان اول من دفن في كنيسه الازبكية من الاباء البطاركة بجوار المذبح في الكنيسة الصغرى .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل السابع

أهم الشخصيات القبطية فى القرن الـ  18

المعلم رزق :

كان سكرتير الفربخانة ( دار سك العملة ) المصرية ايام على بك الكبير زعيم المماليك ، ولحسن خلقه وأدائه رقاه على بك الى مدير حساباتها ، اذ كانت له دراية بالعلوم والحسابات وعلوم الفلك ، وكانت له شخصية وكان مسموع الكلمة ، وكان يجيد اللغات الاجنبية سيما اللغة الانجليزية فكان مرشدا لم يأتوا مصر من الزوار او العلماء او السائحين منهم مستر بروسي العالم الجغرافي الذي ساهم في كشف منابع النيل

حدث ان كان في دمياط تاجر مشهور هو الحاج عمر عبد الوهاب الطرابلسى الذي حدثت بينه وبين احد التجار المسيحيين شجار انتهى بالسب واللعن كل منها للاخر ، فبيت عمر النية للايذاء بهذا التاجر ، فأتى الى القاهرة وتقدم بشكوى الى القاضي بأن هذا التاجر سب له دينه ، فأمر حكم القضاة على حرقه ، الا ان كبار الشخصيات القبطية سعوا سعيا حميدا لدى القضاة وكان على رأسهم المعلم رزق هذا حتى صدر عفو عنه

وفى نهاية عهد على بك الكبير وقتله على يد محمد بك ابو الذهب عزل المعلم رزق من منصبه ، ويقال أنه قتله وابطل العملة التي ضربت على عهده

المعلم ابراهيم الجوهري :

من مواليد قليوب في اواسط القرن الثامن عشر ، وكان يعمل ابيه في حرفة الخياطة ، تعلم القراءة والكتابة الكنسية في اطار معرفة الكتاب المقدس ثم تعلم من اقاربه صناعة الكتابة والحساب ، وتقلد بذلك أول وظيفة له عند احد المماليك ، كان قلبه مفعم بالايمان ومحبة المسيح ، فكان ينفق ربع راتبه في اعمال البر ونسخ الكتب وايقافها على الكنائس ، فكان بين الحين والحين يأتى للبطريرك بكتاب ويسلمه له ، فسر منه الاب البطريرك وباركة ودعا له بالتوفيق في حياته وفى ظروف غير معروفة ترك ابراهيم عمله لان المماليك كانوا قلبوا بطبعهم ، ولما اخبر الاب البطريرك بهذا ، طلب الاخير من رئيس الكتبة الاقباط ان يقبله كاتبا خاصا له ، فقبله هذا الرجل ، ولما توفى هذا الكبير اقر رأى الجميع على ان يخلفه تلميذه ابراهيم لما عرف عنه من الاستقامة وطهارة اليد

صار ابراهيم الجوهري رئيسا للكتبة ، وبلغ اسمى رتبة كان يتطلع اليها قبطي آنذاك فبالغ في انكار ذاته واظهار تواضعه ، وقدم الخير للكل دون تمييز بين مسلم ومسيحي ، فوصل خبره الى الوالي ابراهيم بك فعزز مركزه واكرمه ، واختصه بثقته ، فلما رأى ابراهيم الا فرصة ان سانحة امامه ليقدم خدمة لأمته شرع يعمر الكنائس والاماكن الخيرية ، واشترى املاكا كثيرة واوقفها عليها ومازالت وثائقها موجودة الى اليوم

 

وقد رزق ابراهيم الجوهري بابن واحد اسماه يوسف واوقف على اسمه وقصته كبيرة الا ان الرب اختاره الى جواره وهو شاب في مقبل العمر ، وكانت وفاته ليلة زفافه اذ وهو في وسط محبيه الذين دعاهم لليلة الزفاف ان همس احد الخدم في اذنه بوفاة ابنه ، فكانت صدمة له ولزوجته ، حتى كادت زوجة تحزن اما هو فكان اكثر تجملا ، وكانت الكنيسة تصلى من اجل تعزيته ، فظهرا القديس انطونيوس لزوجته في حلم وعزاها وطلب منها الكف عما تفعله ، فلما اروت الحلم لزوجها تعزيا معا

الا ان ابراهيم اغلق الدار التي كان قد خصصها للفقيد بما احتوته من منقولات جديدة كان قد اعدها لبيت الزوجية ، وكسر السلم الموصل اليه

لما أشتد ظلم الواليين ابراهيم بك ومراد بك ارسل السلطان العثماني حسن باشا قبطان ليقاتلهما ، وفعلا انتصر عليهما ولاذا بالفرار الى سعيد مصر ، واخطر المعلم ابراهيم الجوهري الى مرافقتهما ، فلما صادر حسن باشا املاكها صادر معها املاك المعلم ابراهيم وامر بإحصاء ما اوقفة على الكنائس ، وبسبب اختلال الاحوال وعدم ائتمان الناس على اموالهم وارواحهم نتيجة هذه الحرب وظاهرة المصادرات ، اختصت زوجة المعلم ابراهيم في بيت حسن بك لتخذ الدين على بك امين الحساب الذي كان زوجها عليه واثر كثيرة ، الا ان العثمانيين قبضوا عليها وارغموها على ان تخبرهم اين زوجها واين يخبئ امواله فدلتهم عليها واخرجوها فإذا هي اموال من ذهب وآواني من ذهب وفضة فأخذوها وباعوها ، ووشى بعضهم على مكان المعلم ابراهيم فذهبوا اليه وقبضوا عليه واستولوا حتى على فراشه وامتعته واثوابه واثوابها الى حسن باشا فباعها بالمزاد الذي ظل لعدة ايام

الا انه لما عاد الحكم الى يد ابراهيم بك ومراد بك وعادا من الصعيد رجع معهم المعلم ابراهيم الجوهري ، وكان هو الوحيد من الاقباط الذي نجا من اضطهاد حسن باشا ، وتمكن بحسن سياسته ان يحفظ لنفسه مركزه في اعين المصريين جميعا مسلمين واقباطا ، وارتقى ثانية لدرجة عظيمة واستأنف جهاده في افتقاد الكنائس والفقراء والمساكين حتى انه لم يكن يعتبر ماله ملكا خاصا به ، بل كان يصرفه في كل عمل خيري ، وللان توجد كنائس كثيرة كان قد شيدها هذا الرجل العظيم ، كما كان مهتما بأحوال الرهبان الذين كان يرسل اليهم كل ما كانوا يحتاجونه ، ولا يزال الترمس باقيا مما كان يرسله ابراهيم اليهم في بعض الاديرة ، وهذه الكنيسة الكبرى بكل أوقفها في الازبكية تشهد بذلك

من مآثر هذا الرجل :

تروى عن هذا الرجل مآثره كثيرة ، فحدث ان اخاه المعلم جرجس الجوهري كان يركب حصانه ويسير في احد الشوارع ، فأهانه احد الشيوخ ، وشتت الاهانة على نفسه ، فشكى لأخيه المعلم ابراهيم بما حدث له وطلب منه ان يعاقب ذلك الرجل فوعده بذلك ، ولما استدل المعلم ابراهيم على منزل هذا الرجل ارسل اليه كمية كبيرة من الهدايا والأطعمة المختلفة دون علم اخيه ، وافهم الخادم ان يعلم هذا الشيخ ان هذه الهدايا من المعلم ابراهيم شقيق المعلم جرجس الجوهري ، فلما مر المعلم جرجس مرة اخرى على هذا الرجل ، انهض واقفا اجلالا واحتراما له ، وابدى الترحيب كله ، فتعجب جرجس من هذا وسأل اخاه ، فأهمه ما فعل وقال " ان جاع عدوك فاطعمه وان عطش فاسقيه ، فانك بذلك تجمع حجر نار على رأسه " ( رو 12 : 20 )

 

 

    وذات مرة جاءت ليلة عيد واذا بزوجة احد مشاهير المعلمين هو المعلم فانوس الكبير انتها امرأة وشكت سوء حالها ، اذ كان زوجها في السجن واولاده يبكون لعدم وجوده معهم في هذا اليوم الكبير ، وقد يحكم عليه بالاعدام ، فأرسلت زوجة المعلم فانوس كل ما تحتاج العائلات في الاعياد الى بيت هذا الرجل المسجون بل ارسلت من اعلم زوجة بأن تستعد بكل هذه اللوازم لان زوجها سيكون في بيته الليلة

ولما جاء المعلم فانوس الى بيته ليلا عيد خروجه من الكنيسة لم يجده مضيئا كالعادة فاند هش لذلك ، بل وجد زوجته حزينه ، ولما عرف ما وصلها من ابناء المعلم المسجون وقالت له زوجة أيليق ان نفرح نحن وتلك الاسرة باكية وعائلها مطروح في السجن ، فإن كنت تريد ان تسعد بالعيد فلتسعى لاطلاق سراحه ، فأجاب حي هو اسم الرب ليكن لك ما تريد ، وذهب مسرعا الى المسئولين ، وتمكن من استصدار عفو عن الرجل الذي عاد الى بيته لتعود معه البهجة الى بيته وبيت المعلم فانوس كذلك ولما كان هذا الامر قد استغرق منه طوال ليلة ، فقد استغرق في لأمة ولم يستيقظ كعادته يوم العيد ليقدم التهنئة الى البطريرك مع المعلم ابراهيم الجوهري ، فلما ذهب اليه وعلم منه السبب ، حزن جدا كيف لا يشاركه هذا العمل الجميل وينفرد هو بالاجر وحده ولما حكما البطريرك في الامر قال البطريرك للعلم ابراهيم : لا تحزن ان كان فانوس قد اطلق سراحه فعليك انت ان توجد له عملا

وبشكل عام كان ابراهيم الجوهري مثالا للمحبة والعطاء والاحسان ، ارسله الله ليكون علامة في المجتمع المسيحي ، كما كان مثالا للاحتمال خصوصا في وفاة وحيده ليلة زفافه ،

ومات المعلم ابراهيم الجوهري سنه 1209 ه فكان لموته رنة اسى وحزن كبير ورثاه كل من عرفوه من اكليروس وعلمانيين

المعلم جرجس الجوهري :

لما مات اخوه المعلم ابراهيم الجوهري قلده ابراهيم بك منصبه ، فسار على نهجه واقتدى بشقيقة في كل شئ حتى نال ثقة جميع المصريين ، وكان بين الكتبة تحت يده كاتب مسيحي من اصل سوري يدعى ( يوسف كساب ) سولت له نفسه الشريرة ان يسعى لدى مخدومها اسماعيل بك بوشاية ضد المعلم جرجس واتهمه بما هو ليس فيه ، ولأن المعلم جرجس كان من اتباع على بك الكبير خصم اسماعيل هذا ، صدق اسماعيل وشاية يوسف ، وغضب على المعلم جرجس ، وانزله من درجة الوظيفة وعين بدله رئيسا اخر للدواوين ، ولكن بعد فترة ظهر له كذب يوسف كساب ، فأمر باغراقه في النيل واعادة المعلم جرجس الجوهري الى منصبه مرة اخرى

علاقة جرجس الجوهري بنابليون :

لما غزت الحملة الفرنسية مصر وانتصر الفرنسيون على المماليك ، ووصلوا الى بولاق كلف المعلم جرجس رئيس المباشرين بأن يعد بيت الألفي لنزول نابليون فيه ، مجهزة وفرشة وأقام فيه نابليون ، ومن هنا عرفه نابليون ، واهداه جبه مزركشة بالنصب ليلبسها في ايام التشريفة ، ولـــما

 

 

سافر نابليون الى السويس متبعا ابراهيم بك استصحب معه بعض الاعيان والمديرية وفى مقدمتهم المعلم جرجس الذي كان يعتمد عليه في المهام الكبيرة ، كما رافق الفرنساوين هو وبعض اعيان القبط الى الوجه البحري لاقرار الصلح بين المقاتلين ويذكر المؤرخ عبد الرحمن الجبرتى انه ( لما احتفل الفرنساويون بأحد اعيادهم دعوا اعيان المصريين كان المعلم جرجس بينهم لابسا ملابس الافتخار ، ولما حدثت الثورة ضد الفرنساوية طلب المعلم جرجس وبعض اعيان الاقباط من مقدمي المسلمين الامان لأنهم انحصروا في دورهم وهم في وسطهم وخافوا نهب بيوتهم اذا خرجوا فارين ، فأرسل اليهم الامان ، وقابلوا الباشا والامراء ، واعانوهم بالمال واللوازم ) ولما تولى محمد على باشا الحكم سنه 1805 نال المعلم جرجس الجوهري في عهده المركز الاول ، الا ان الامر انقلب ضده عندما طالبه محمد على بأموال كثيرة ، وكان يستحمله في الوفاء بها ، ولما لم يفى بما طلبه منه قبض عليه ومعه بعض المباشرين الاقباط بحجة انه تأخر عن دفع ما عليه الاموال ، وحجزوا في بيت كتخدا ، وعين بدله المعلم غالى الذي كان كاتبا عند الألفي عدو محمد على باشا .

وظل جرجس مسجونا سبعة ايام وافرج عنه بشرط ان يدفع اربعة آلاف وثمانمائة كيس ، فدفع جزء عظيما منه ووزع الباقي على الكتاب والصيارفة ما عدا المعلم غالى والمعلم فيلوتاؤس ، واخطر جرجس ان يبيع افخر املاكه بجهة الازبكية وقنطرة الدكة وباع لمحمد على كل ما كان يملك ، وقيل انه نفى الى الصعيد بأمر محمد على ، وقبل هروبه الى الصعيد جمع كل حجج املاكه الباقية وسلمها للبطريركية لتنفق من ريعها ، فوضعت البطريركية اليد عليها وظلت في حوزتها ، وظل هو منفيا في الصعيد اربع سنوات عفي عنه بعدها ليعود الى القاهرة المحروسة في سنه 1224 ه ، وقابل الباشا فاكرمه وعاد الى بيته بحارة الونديك وكان المعلم غالى قد جهزه له وظل به الى ان مات سنه 1225 ه ودفن بمصر العتيقة اسفل كنيسة كان قد بناها هو واخوه باسم مارجرجس وله صورة عليها وهو يلعب على الناي الذي كان يجيد الترتيل عليه

المعلم ملطى :

كان كاتبا عند ايوب بك الدفتردار من مماليك محمد بك ابو الذهب ، ولما احتل الفرنسيون مصر كونوا ديوانا للنظر في القضايا العامة ، وكان المعلم ملطى رئيسا لهذا الديوان بموافقة اعضائه مسلمين ومسيحيين ، وذلك لما امتاز به هذا الرجل واستمر المعلم ملطى يدير الديوان مدة حكم الفرنسيين ، وبعد خروجهم قبض عليه وقطعت رآسة عند باب زويلة

المعلم انطون ابو طاقية :

كان من اغنياء الاقباط ، ومن الشخصيات الكبيرة التي زارها نابليون 1799م وكان نابليون وقتها في حاجه الى الاموال ، فنزع المعلم انطون طاقيته من فوق رأسه واخذ يملاها بالمال ويعطيها لنابليون حتى استوفى ولذلك سمى بآبي طاقبه وارتفعت مقدرته عند نابليون فولاه وظائف كبيرة قام بها خير قيام ، الا انه رفع كثيرا من الاموال والضرائب عن الأهالي ، فلم يرضى الفرنسيون بهذا فقبضوا عليه وسجنوه في القلعة حتى يدفع ما تأخر من حساب البلاد ، فدفعة من ماله الخاص في الحال ، لما ترك الفرنساويون مصر قبض عليه محمد باشا ابو مرق مع اثنين من كبار الاقباط هما المعلم ابراهيم زيدان

 

والمعلم عبد الله بركات  وقتلهم سنه 1802م وامر ببيع مالهم في المزاد فوجد عند المعلم انطون كثيرا من ثياب واقمشة هندية نفسيه وامتعة ومصاغ وجواهر ، وآواني من ذهب ومن فضه وكثيرا من العبيد والجواري فاسمر سوق المزاد عدة ايام

وفى سنه 1853 سافر المعلم ابراهيم عوض حفيده الى فرنسا ليطالب بالمال الذي استولى عليه نابليون من جده ، فرد عليه امبراطور فرنسا آنذاك وكان نابليون الثالث : ان هذا المال قد فرض على الاقباط فدفعة عنهم ابو طاقية ، ولكي يطيب خاطره دفع له أجر نفقات رحلتة وقدرها 4500 ليرة فرنسية ،

المعلم(الجنرال) يعقوب

نبغ من المصريين في القرن الثامن هذا الرجل القبطي الذي استحق ان تخصص له صفحات في التاريخ المصري الحديث ، وهو يعقوب يوحنا ، الذي لقب بالمعلم ثم بالجنرال يعقوب

ولد يعقوب في ملوي وكانت تابعة اداريا لاسيوط ، سنه 1745م من ابوين قبطيين هما يوحنا ومريم ابنة توفيق غزال ، وتعلم في الكتاتيب القبطية الملحقة بالكنائس حيث لم يكن موجودا غيرها ، حيث تعلم القراءة والكتابة والحساب ، كما حفظ المزامير والالحان الكنيسة كغيرة من ابناء الاقباط

ولما امتد به العمر واصل تعليمه فيما بعد الكتاب ، فتعلم اللغة العربية واجاد الخط العربي ، والاصول الحسابية على يد الصيارفة القبط ، وجعل يتطلع لجمع المعارف العامة ، ولما اتم يعقوب العقد الثاني من عمره ، الحقه والده كاتبا عند احد اقربائه من المستقلين بجباية اموال احد المماليك الذين كانوا يتقا سمون حكم البلاد في ذلك العصر ، وهنا بدأت مواهبه تظهر ، واكتسب كثيرا من المعلومات الادارية والحسابية

ولما طرد على بك الكبير محمد باشا الحاكم العثماني من القاهرة وتولى حكم البلاد قرب اليه المماليك الآخرين بالانعام عليهم برتبه البكوية ، فالتحق في ذلك الوقت يعقوب بخدمة احد هؤلاء المماليك وهو سليمان اغا الإنكشاري ، وكان غنيا امتلك الكثير ، ولم يمض وقت طويل حتى انسى سليمان بك في يعقوب الامانة والمقدرة ، فأولاه ثقته وعينه مديرا على ملاكه

وكان عمله جباية الضرائب والرسوم الجمركية وجمع ايجارات الأراضي الزراعية

صفات يعقوب :

الى جانب ما تقدم احرز يعقوب صفات عسكرية متميزة من تعامله مع المماليك ، وكان المماليك ذوى بأس وقدرة عسكرية متفوقة خصوصا في الفروسية والشجاعة واستعمال السلاح ، وميلهم للحروب والقتال ، فتعلم يعقوب منهم هذه الصفات كركوب الخيل والتعامل بالسلاح

وكانت كفاءته المالية والادارية سببها في توليه مناصب جمع منها اموالا طائلة ، حتى اصبح غنيا

 

 

له خدم وحشم ومستخدمين واتباع وعبيد فحصل على لقب ( المعلم ) وهو لقب كان يعطى في مصر في تلك الايام للدلالة على الشرف والزعامة والجاه ، كما كان يحمله من كان لديه نصاب كبير من المال والاملاك او يبرز في صناعة معينة

زواجه:

تزوج يعقوب وهو في الخامسة والعشرين من عمره بزوجته الاولى وكانت تسمى ( مختارة الطويل ) وهى ابنة عمه ، وكان تاجرا ثريا من ملوي ، رزق منها طفلا ومات ولحقته هي الاخرى بعد اصابتها بالطاعون , وبعد مضى اثنتي عشرة سنه بعد وفاتها تزوج باخرى سورية من حلب  تدعى           ( مريم نعمة الله البابوتجى ) وقد بارك الاب البطريرك الانبا يؤانس 18 هذا الزواج لانه لم يكن قد كتب به عقد لأن الزواج كان شفويا

المعلم يعقوب والحملة الفرنسية :

لما وصلت الحملة الفرنسية مصر عام1798 واستقر بونابرت في القاهرة ، قدم اليه المعلم جرجس الجوهري ، وكان عميد الاقباط في ذلك الوقت ، وقدم طائفة من شباب الاقباط فعين منهم نابليون رؤساء للمالية في بعض المديريات ، اما يعقوب فأحتفظ به هو لما هو اهم من ذلك ، فلما لجأ المماليك الى الصعيد ذكر بونابرت في القضاء عليهم بحمله قادها الفرنسي ( ديزييه ) ، وكانت هذه الحمله بحاجة الى رجل امين يجمع في شخصه الصفات العسكرية والادارية وله خبرة تامة بالبلاد في الصعيد ، فلم يجد خيرا من المعلم يعقوب فعينه مديرا عاما لهذه الحملة

وبالفعل جهز يعقوب للحملة المؤن والذخائر وأمن لها الطرق  والمواصلات ، ورتب حركاتها ونظم شئونها المالية والادارية ، ونجحت الحملة بمساعدته فكانت ليعقوب كلمته المسموعة في الشئون المالية والادارية في مصر كلها ، وكان ذا سياسة كبيرة في جباية الضرائب

ولما غادر نابليون البلاد الى فرنسا وسلم قيادة الحملة لكليبر اوصى بجعل يعقوب ساعده الايمن وعدم الاستغناء عنه ، واتخذ يعقوب ادارته في بيت البارودى ، وبعد انتصار كليبر في معركة عين شمس على الاتراك في عام 1800 ، واخماده ثورة القاهرة الثانية وفرضة غرامات كبيرة على الثوار المصريين عهد الى يعقوب بتحصيلها ، فاستعمل الحكمة في ذلك ولم يرهق الأهالي في جمعها

الفليق القبطي :

لما رأى يعقوب ان مصر محرومة من جيش وطني يمكن الاعتماد عليه في الاحداث الكبيرة ، فكر في تأليف فرقة قبطية ، ورخص له الفرنسيون بذلك ، فجمعها من شباب الصعيد وبلغ عددهم نحو الفين ودربهم ضباط فرنسيون على الحركات العسكرية

ولما دبرت مكيدة لقتل الاقباط نظير هذه الاعمال والتأليف مع الفرنسيين ، وجه يعقوب اهتمامه للدفاع عن اخوانه اقباط القاهرة ، فبدأ يهدم بعض البيوت التي خربت في الحوادث الاخيرة، وبنى

 

بأنقاضها سورا عاليا منيعا حول الحي الذي جمع الاقباط فيه ، وشيد ابراجا فوقه داخل السور ، وعمل في السور بوابتين ، ورتب جنديين قبطيين يقفان على كل باب بالسلاح على اكتافها لمنع كل من يحاول الدخول ، فاصبح المكان حصينا ، وتمكن يعقوب بذلك من دفع خطر : كان يحلق بالاقباط ولما عين الجنرال مينو بعد كليبر الذي قتله سليمان الحلبي ، وجد ان ايرادات الدولة قد نقصت وان الادارة في حاجة الى أموال ، ففرضت ضرائب جديدة الا انها لم تفى بالمطلوب حيث كانت المشروعات قد استعجلت وحاجة الجيش زادت ، فاضطر مينو ان يعقد قرضا بمليون ونصف من الفرنكات وفاوض المعلم يعقوب في ذلك ، فاتفق يعقوب مع اربعة من زملائه الاقباط هم : المعلم جرجس الجوهري ، والمعلم انطون ابو طاقية وفلتاؤوس وملطى على ان يقدم كل منهم 300 الف فرنك وقدموها فعلا على ان تخصم من الضرائب المطلوبة فيما بعد وتسلموا سندات بقيمتها على الخزانة الفرنسيه

يعقوب في نظر الفرنسيين :

كان يعقوب محل اعتبار لدى الفرنسيين فبعد انتصاره في الصعيد اعطى مكافأة واهداه الفرنسيون سبقا فخريا منقوشا عليه ( معركة عين القوصية ) اعترافا بفضله فيها في 24 ديسمبر 1798 م كما اهداه نابليون عباوة من الفرو

ولما الف الفيلق القبطي رقاه كليبر الى رتبة كولونيل في مايو 1800م ثم الى رتبة جنرال ( لوار ) سنه 1801 م، وبهذا عاش يعقوب عيشة مرفهة ، فركب الخيول وكانت له حراسته الخاصة وكانت له الأراضي والمزارع والعبيد والاماء

نهاية يعقوب :

لما انهزمت القوة الفرنسية امام الجيوش البريطانية في 1801م في معركة ابى قير وانتهى الامر بابرام اتفاقية العريش 1801 م على ان يخلى الفرنسيون مصر ، وخرجوا فعلا ولم يكن يعقوب موطنا نفسه على هذا ، فبعد ان حسب حسبته ووجد انه سيطارد هو واهله ، دعا زملاءه القدماء جرجس الجوهري وابو طاقية وفلتاؤس وملطى وكاشفهم بعزمة على مصاحبة الحملة المنسحبة لانه لا يستطيع العيش بعد ذلك في مصر فوافقوه وسلموه سندات السلفة كي يستردها من فرنسا عندما يصل الى هناك

وقد طلب الوالي العثماني من الفرنسيين ان يتركوة في مصر فرفض ، وابحرت بهم البارجة في 10 اغسطس 1801 م، الا انه بعد يومين من الابحار في البحر المتوسط الى فرنسا اصيب يعقوب بمرض مفاجئ ظل يعانى منه اربعة ايام ومات ، فاحتفظوا بحثته حتى دخلت الباخرة الى فرنسا حيث دفن هناك

يعقوب القبطي الوطني :

كانت امجد صفحات حياة يعقوب هو محاولاته من اجل استقلال مصر ، فكان يتحدث قبل مرضه على ظهر السفينة مع قبطانها جوزيف ادموندس ، وكان حديثه سريا حفره سكرتيره لاسكاريس ، ولما توفى يعقوب تولى لاسكاريس تدوين ما قاله واذا به مشروع الاستقلال ونوع الحكومة الوطنية ، وطلب

 

من القومندان ان يبلغها للحكومة الانجليزية ، كما انه ارسل الى نابليون مذكرة بامضاء ( غر أفندي ) بالنيابة عن الوفد المصري ومذكرة اخرى الى وزير خارجية فرنسا يطلب معاونته في الحصول لمصر على استقلالها من حكم لا هو عثماني ولا هو مملوكي ، وانما هو فزنج من مسؤى الفوضى والعنف والاسراف ولا خير فيه للحكومة

      وقد اعترفت المحافل العلمية والتاريخية في مصر بجهد هذا الرجل في هذا المجال السياسي الفريد قبل ان يفكر فيه مصري اخر مسلم او مسيحي ، وقد نشرت هذه المذكرات نشرا علميا بمعرفة هذه الجهات العلمية

ملاحظات على المعلم ( الجنرال يعقوب )

قيل ان العلاقة بينه وبين الاب البطريرك لم تكن كما يجب ، وذلك بسبب زواجه من امرأة من غير جنسه بطريقة مخالفه لقومة في الزي والعادات ولذلك لم تتمكن من الاشتراك في الميراث بعد موته ، وربما يكون القول مردود لاننا رأينا انه اخذ بركة البابا على زواجه الا انه ربما تكون غير ارثوذكسية مما جعل الكنيسة غير راضية عنها ,  وممن خرجوا مع الفرنسيين معه من الجنود كان يعقوب بقطر واسمه اليأس بقطر صاحب القاموس الفرنسي العربي الشهير ، والبعض يقول انه ابن اخ يعقوب ولد في اسيوط 1784 وعينه نابليون مترجما لجيشه ، وبعد هجرته الى فرنسا نال مركزا علميا ساميا فى فرنسا ، حيث وضع القاموس المشار اليه

وقبل ان الاقباط الذين هاجروا الى فرنسا اضاعوا جنسيتهم هناك ولم يبق لأسماء اسراتهم اثر يذكر ومنهم الكولونيل مكاريوس حنين والكولونيل غبريال سيداروس والكولونيل حنا هرقل والقومندان عبد الله منصور

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثامن

الكنيسة فى القرن التاسع عشر

الاباء البطاركة

البابا بطرس السابع ( الجاولى ) البطريرك الـ 109

ولد في قرية الجاولى التابعة لمركز منفلوط ، ترهب في دير القديس الانبا انطونيوس وكان اسمه العلماني منقريوس ، ورسم قسا في الدير مرقوريوس ثم رقى لدرجة القمصية لما لاحظه فيه رئيس الدير من التقشف والاستقامة ، وقد وصلت سمعته الى مسامع البابا مرقس فاستدعاه اليه وكان في حاجة شديدة الى رجل صالح برسمه مطرانا للحبشة بناء على طلب الملك الحبشي عجوا لاسيون وارسل وفدا اثيوبيا لهذا الفرض وكان يطلب راهبا تتوافر فيه الجمع بين الدين والسياسة ، فأنتخبه البابا لهذا المنصب ، غيران عناية الله اضرت رسامته لكي يفوز بما هو اسمى ، حيث سيم مطرانا عاما على الكنيسة في مصر باسم   ( وكيل الكرازة المرقسية باسم تاوفيلس) ، فأقام مع البابا مرقس في الدار البطريركية وشاطره القيام بجمع مصالح الامة الى ان توفى البابا مرقس فأجمع رأى الكل على اقامة بطريركا ، وقد تمت رسامته في يوم الاحد 16 كيهك 1526 س 1810 م بعد وفاة سلفة بثلاثة ايام ، في عهد الوالي محمد على باشا ، وهو اول من وضعت عليه الأيدي في مركز البطريركية

اتصف هذا البابا بالتقوى والورع والتقشف والزهد ، قليل الكلام مع هيبة ووقار ، يقض يومه منكبا على المطالقه ، أو مواظبا على الصلاة من اجل سلام الكنيسة ، ويروى احد المقربين اليه انه احتاج اليه في امر فدخل عليه حجرته فوجده يصلى والدموع مل عينيه وليس عليه من الملابس الا ما يستره ، ومن هنا امر تلميذه بالا يدخل عليه احد وهو منفرد

لم يكن يهتم بما كل او بشرب ، حتى أنه اشتهى يوما طعاما فاحضروه له ،فأمر بإبقائه حتى انته ، ومن ثم اكله مرغما مشمئز النفس تضيفا لنفسه وتبكيتا لها ، ولم يكن يلبس عليه سوى الخشن من الصوف ولا ينام الا على الارض في الصيف وعلى دكة خشب في الشتاء ، وكان يجدل الخوص اثناء فراغه

كان لا يتعرض الى امر من امور السياسة ، ولا يخرج من دار البطريركية الا اذا دعته الحاجة واذا سار في الطريق لثم على وجهه لثاما اسودا ، واذا تكلم كان صوته منخفضا ولا ينظر الى وجه سامعه ، ولم يكن يرغب في حضور الاكاليل في المنازل ، واذ دعي لذلك دعا العروسين لحضور القداس في الكنيسة ويناولهما

 

 

 

البطريرك الدارس:

كان الانبا بطرس منذ ان كان راهبا محبا للدراسة ومطالعة الكتب  على اختلاف انواعها ، فلما تولى مقاليد الرياسة لم يكن للدار البطريركية مكتبة بالمعنى المعروف نظرا لما تعرضت الكنيسة فى الازمنه السالفة من نهب وتخريب ، فأخذ يجمع المراجع التاريخية والاسفار اللاهوتية والطقسية من جهات متفرقة ، حتى حصل منها على مجموعة ثمنية ، كان من بينها عدد من المخطوطات النادرة التى لا تقدر بمال ، ولما ازداد رصيده من هذه المجلدات النفسية اعد لها مكانا فى المقر البابوى يتناسب مع قيمتها ، واخذ بنفسه يرتبها ويرصدها ، ووضع لها سجلا خاصا

كما كلف عددا من مشاهير النساخ بنسخ الكتب الفريدة التى جاء باصولها من دير القديس الانبا انطونيوس ومن الكنائس الاثرية فى القاهرة ، كما كتب عدة مقالات فى التثليث والتوحيد لتثبيت المؤمنين  اضاف هذا البابا الى صفاته هذه صفة الحلم فى الرئاسة والحكمة فى التصرف وفى الكلام ، فاصبح موضع احترام لدى الكل ، ورضى عنه محمد على وبذلك حصل للاقباط على  الامن والرفاهية ، ونجح الاقباط فى عهده فى الوصول الى المناصب الادارية الرفيعة واقامة شعائرهم الدينية وباشروا عبادتهم فى حرية وكانوا يخرجون موتاهم وامامهم الصليب بدون خوف

وكان فى النوبة 17 ايبارشية ايام ان كان اهلها يدينون بالمسيحية ، فلما خضعت لمصر بعد الفتح العربى ودخلها الاسلام ابدلت بحكومة اسلامية ، ولما فتحها محمد على باشا 1820 م كان لا يزال فيها الاف من الاقباط ، وعاد الذين تظاهروا بانكار الديانه المسيحية الى الاعتراف بها ، وطلبوا ان يرسم لهم اساقفة ، فرشم لهم البابا بطرس اسقفين

حارب السيمونية ورسم كثيرا من الاساقفة والكنهة ، وفى مدته تجددت كثير من الكنائس فى الوجهيين البحرى والقبلى ورسم 25 ومطرانا للحبشة ومن اشهر الاساقفة فى عهدة :

يوساب الاخميمى واثناسيوس الغمراوى وتوماس المليجى وسرابامون المنوفى الشهير بابى طرحة

أهم الاحداث فى عهده :

حدث ان اشتكى اليه اقباط بلدته الجاولى من قسوة بعد العائلات المسلمة معهم فى التعامل ، فلكى يحل هذه المشكلة فى محبة ، استدعى اليه اكابرهم وكلفهم بانتقاء ، مائتى فدان من افضل اراضهم واهدائها لشريف باشا ، وكان يرمى من وراء ذلك ان يعين لها الباشا متى دخلت حوزته مندوبان من قبله ليرعاها ويشرف ايضا على شئون البلدة وبذلك يحسم هذا الحاكم الموقف بين الطرفين مع اعطاء الاقباط حقوقهم ، وكان ان اشار البابا على شريف باشا بتعيين هذا المندوب وهو قبطى اسمه المعلم بشاى من اسيوط ، فوافق شريف باشا على ذلك واعطى المعلم بشاى 36 فدانا ليعيش فيها من هذه الارض مقابل عمله ، وبهذا استطاع الاقباط ان يعيشوا فى سلام وفى عهده اجرى الله على يديه كثيرا من المعجزات بين الناس وبين الحكام ، منها ان قبل فيضان النيل فى سنه 1525 ش وجعل كل المصريين يصلون من مسلمين ويهود واقباط ، الا انه اقام قداسا والقى بمياة غسل الاوانى المقدسة فى النيل فارتفعت مياهه .

 

    الا ان عدو الخير لم يترك البابا فى علاقته الطيبة مع محمد على الى المنتهى ، وانما دفع بعض الاشرار ليشوا به لدى ابراهيم باشا ابن محمد على وكان قائدا فذا فى طريقة لفتح بلاد الشام فقالوا له ان ما يدعية المسيحيون من ظهور النور على قبر السيد المسيح فى القدس هو زور وبهتان يصدق ابراهيم باشا هذه الوشاية ، وزادوه شكا ان هذا النور لا يظهر الا على ايدى بطاركه الروم الارثوذكس ، ولما كانت ثقة ابراهيم باشا وابيه بالبابا بطرس كبيرة ، استدعاه اليه من مصر وكان حيئنذ فى القدس ، فسار البابا اليه ، فاستقبله ابراهيم باشا وحاشية معه ، وافهمه بالامر وطلب منه ان يصلى ليخرج النور على يديه ، فأجاب البابا والدموع فى عينيه ان النور يظهر على يدى بطريرك الروم وليس على يديه وهو يريد بذلك عدم الايقاع بينه وبين بطريرك الروم الارثوذكس وطلب من ابراهيم باشا ان يكون بطريرك الروم هو المصلى ويحضر هو معهما فرافقهما ، وكانت الكنيسة مكتظه بالمصلين فأمر ابراهيم بإخراج جميع الفقراء والزوار الى الخارج

وكان البابا واقفا يصلى وهو مقدر سوء العاقبة ان لم يظهر النور ، وهو امر ليس فى يده ، وكان قد قضى ثلاثة ايام صائما مصليا مع مطران الروم ، وانطلقت اصواتهما بالصلاة كالمعتاد ، وفى الوقت المعتاد انبثق النور فضجوا ( النور النور ) بصوت كل الجماهير فذهل ابراهيم باشا وكاد يسقط على الارض قائلا امان بابا امان ، وزاد تكريمه للبابا

البابا والعلاقات الخارجية :

لما كان محمد على موفقا فى فتوحات شرقا وغربا خشيت الدول الاجنبية من هذا ، ومنها روسيا التى قدرت سوء الموقف لو استمر فى فتوحاته ، ففكرت ان تستعين بالامة القبطية فى الوصول الى اهدافها ضد محمد على باعتبار مسيحيها ، فأرسلت اميرا روسيا يعرض على البطريرك قبول حماية قيصر الروس لشعبه

فذهب هذا المندوب الروس الى الدار البطريركية ظنا منه انه سيرى رئيس اكبر أمة مسيحية فى افريقية بحالة تدل على عظمتة ، وكانت اخبار هذه الزيارة قد وردت الى البابا من قبل ولكنه لم يابه ،ولما وصله المندوب الروس رأى انسانا بسيطا يحمل الكتاب المقدس بين يديه يقراء فيه وهو يرتدى زعبوطا خشنا جالسا على دكة خشبين وحوله مقاعد مبعثرة ، ولم يبال به فسألة فى شك هل انت البطريرك ؟!

فلما عرف منه طلب اليه يجلس بجواره ، فجعل المندوب يتفرس فيه وهو لا يصدق انه يجالس البطريرك وبدأ المندوب يسأله لماذا يعيش بهذه البساطه ولا يهتم بمركزة فى العالم المسيحى فأجابه البابا ( ليس الخادم افضل من سيده ، فأنا عبد يسوع المسيح الذى اتى الى العالم وعاش مع الفقراء ولا جلهم ، وكان يجالس الخطاه ولم يكن له ابن يسند رأسه ، أما أنا فلى مكان اقيم فيه واحتمى فيه من حر الصيف وبرد الشتاء ، لم يكن للمسيح ارض ولو انه ملك السماء والارض ولم يكن له مخزن فيه مؤوتة ، وها انا اكل واتمتع فهل هناك افضل من هذا ؟ فبعد تعجب من المندوب ، بدأ يعرض على البابا حاله الاقباط التعسه وعرض عليه حمايه القيصر للشعب القبطى فاستفهم البابا فى بساطة : وهل ملككم يحيا الى الابد ؟ قال له لا يا سيدى البابا بل هو انسان يموت كما بموت سائر البشر فأجابه " اذن انتم

 

تعيشون تحت ملك بموت واما نحن تحت رعاية ملك لا يموت وهو الله " حينئذ ليسع المندوب الروس الا ان ينطرح تحت قدميه واخذ يقبلها وتركه وهو يشعر بعظمة هذا الرجل البسيط وقال " لم تدهشنى عظمة الاهرام ولا ارتفاع المسلات ، ولم يهزنى كل ما فى هذا القطر من العجائب بقدر ما هزنى ما رأيته فى هذا البطريرك القبطى ، ولما وصل نبأ هذه المقابلة الى مسامع محمد على سر جدا وذهب  اليه ليهئنه على موقفة وما ابداه من الوطنية الحقة فقاله له البابا ( لا تشكر من قام بواجب عليه نحو بلاده ) فقال له محمد على والدموع فى عينية ( لقد رفعت اليوم شانك وبشان بلادك فليكن لك مقام محمد على فى مصر ، ولتكن مركبة معدة لركبك كمركبتى ) .

+ حصل خلاف بين الانبا سلامة مطران الحبشة وبين ملكها بسبب انه لما فتح محمد على السودان سنه 1820 م طلب النجاشئ من البابا بطرس رسم الكهنة على الحدود للحبشة فلبعد المسافات كلف الانبا سلامة باختيار الكهنة فرسم الانبا سلامة من العلمانيين الاقباط العدد المطلوب على الطقس القبطى ، فلم يرضى بهم الكهنة الاحباش الذين معه وينصحهم ليعودا الى معتقدهم الصحيح فرفضوا ، فهددهم بتطبيق شريعة الكنيسة وعقوباتها ، فحاولوا شكايته لدى البابا للارتفاع بينها فشجعه البابا على موقفه

فدار الاحباش من ناحية اخرى ليلعبوا بمسألة دير السلطان بالقدس ، مستغلين شقاقا وقع بين الاحباش والرهبان فى الدير ، حتى وصلت الى الشجار بالايدى ، فأخرج الرهبان الاقباط الاحباش خارج الدير واغلقوا الباب ، فحاول الاحباش الدخول عنوه ، فذهبوا الى القنصل الانجليزى ليشكوا الاقباط ، وكانت بريطانيا تكره محمد على والاقباط والمصريين جميعا فناصرهم القنصل الانجليزى لدرجة انهم ادعوا ملكية الدير وان الذى اسسه هو ملك الحبش ، واوعز القنصل للحبش بأن مرفعوا ظلامتهم الى السلطان العثمانى ، وكان السلطان فى تلك الفترة يكره المصريين فسار منهم مجموعة الى القسطنطينية واراد البابا ان يحتوى الموقف فارسل مندوبا ثمة الى ملك الحبشة ، لأنه اراد ان يذهب هو بنفسه ولكنه كان شيخا لم يستطيع السفر فارسل بدلا عنه القس داود ( كيرلس الرابع فيما بعد ) على اساس انه اذا نجح فى مسعاه يرسمه مطرانا هناك

الا انه ما ان وصل الى هناك حتى مرض البابا بطرس واوشك على الموت ونصح بان داود هو الذى سيخلفه فارسلوا اليه يستحضروه من الحبشة فحضر بعد وفاته باكثر من شهرين وتنيح البابا بطرس الجاولى فى 1852 م

البابا كيرلس الرابع البطريرك ( أبو الإصلاح الـ 110)

ولد فى عام 1532 ش / 1816 م بقرية نجح ابو رزقالى من الصوامعه سفلاق ( الصوامعة الشرقية ) اخميم مديرية جرجا ( محافظة سوهاج الان ) وكان اسمه داود بن توماس بن بشوت بن داود ، وكان ابوه أميا لا يعرف القراءة والكتابة ، الا انه اعتنى كثيرا بتعليم ابنه حتى صار ملما بالقراءة باللغتين العربية والقبطية وشئ من الحساب ، ولما كبر اشتغل داود مع ابيه بالزراعة ، وفى هذه الاثناء اختلط بالعربان المجاورين لقريته ، فتعلم منهم الفروسية وركوب الخيل والهجن ( الجمال )

 

 

ومنذ نشأته لم يعبأ بمهام هذه الحياة كأن العناية كانت تجهيزه لعمل اشرف ولغاية اعظم بل كان عفوفا تقيا ورعا محبا للفقراء ، وكان يميل الى العزلة والتفكر فى سير القديسين

ولما بلغ الثانية والعشرين من عمره احب الرهبنة وعزم على الرحيل من وطنه فمنعة ابواه ، ولكنه اصر على الرحيل وانتهز الفرصة وودع اصحابه وهرب سنه 1554 ش الى دير القديس الانبا انطونيوس فى بوش حيث توجه الى عزبة الدير ، وقابل هناك القمص اثناسيوس القوضى رئيس الدير وعرض عليه نيته ان يكون راهبا ، فظل فترة تحت الاختبار ، ولما نجح فى هذا الاختيار انضم الى الرهبان دير الانبا انطونيوس بجبل العربة بالصحراء الشرقية

وقد اظهر محبة كبيرة للرهبان والذكاء والورع والميل دراسة الكتاب المقدس ، وكان يجمع اخوته الرهبان ويقرأ عليهم الكتاب المقدس ويشرحه لهم ويحبهم فى دراسته ، فسر منه رئيس الدير ، ولما ذاع صيته بين الرهبان ووصل الى اذان البطريرك البابا بطرس السابع ، استدعاه اليه ، ولما مثل بين يدية رأى فيه ما أكد له نبوغة وعبقريته فباركه ودعا له بالتوفيق وكان ذلك فى حضور الانبا صرابامون ابو طرحة اسقف المنوفية ، ورسمه قسا

وبعد ان قضى الراهب داود سنتين فى دير الانبا انطونيوس تنيح القمص اثناسيوس القلوضى رئيس الدير عام 1840 م، وعلى الرغم من حداثة عهد داود بالرهبنة ، الا ان الرهبان اجمعوا على تزكية رئيسا للدير ، ورفعوا الامر الى البابا بطرس فوافق على ذلك ، ومنذ ذلك الحين بدأ يتألق بنور مواهبة ، فوضع نظاما للدير حرم به على الرهبان مغادرته الا لضرورة قاطعة واخذ فى اصلاح احواله الادبية والمادية والروحية ، وفى نفس الوقت وسع من ثقافته هو بالقراءة والدراسة والاطلاع

اهتم القس داود بدراسة اللغة العربية نحوا وحرفا ، فاكتسب منها ما ضبط القافلة ، كما عنى بتعليم الرهبان ، فخصص من العزبة بناحية بوش مديرية بنى سويف ، التى كانت مقرا للدير مكانا جمع فيه كثيرا من الكتب بالاضافة الى ما كان موجودا ، ودبر حلقات للدرس والمناقشة فى الموضوعات الدينية والادبية والتاريخية على السواء ، كما افتتح كتابا فى بوش لتعليم الاولاد اللغتين العربية والقبطية

سفره الاول الى الحبشة :

اختلف الاحباش فى بعض القضايا اللاهوتية والطقسية مع مطرانهم الذى كان البابا بطرس السابع قد رسمه فى 20 اغسطس 1815 م باسم الانبا كيرلس ، واذ لم يستطيع الاسقف تقويم رعاياه حسب المفهوم الكنسى حرم عددا منهم ، واعتدى بالضرب على الاخرون ، فلما سمع البطريرك بذلك كتب اليه يأمره بالاقلاع عن هذا الاسلوب الجاف ، وينصحة باستعمال الرأفة واليونه ولكن الاسقف لم ينجح فى علاج الموقف ، واستمر الوضع فقررا حتى اغتاله رجل اسمه سبغيدس فى مدينة عدوة ، فأرسل اليهم البطريرك سنة 1841 م مطرانا اخر هو الانبا اندراوس وكان قد تعلم اللغة الانجليزية فى مدرسة ليدر الانجليزية بالقاهرة ولما وصل الانبا اندراوس الى اثيوبيا وجد المشاكل التى تركها سلفة متفاقمة ، مكتب للبطريرك بطرس السابع يشرح له اوجه الخلاف ، ويساله المعونه فى تصفية هذه المشاكل ،

 

 

فأرسل اليه القس داود رئيس دير الانبا انطونيوس وحمله رسالتين واحدة للمطران والاخرى للشعب الاثيوبى ( الحبشى ) فسافر القس داود الصوامعى سنه 1851 م واصطحب معه القس برسوم الانطونى الذى صار فيما بعد مطرانا للمنوفية باسم الانبا يؤانس ، وقد حاول القس داود اثناء وجوده فى الحبشة ان يحل المشاكل العقائدية القائمة بين المطران والشعب ، وان يضع حدا حاسما لمشكلة دير السلطان الذى تتنازعه الكنيستان ، الا انه لم يتوصل الى تسوية قاطعه فى كلا الامرين ، وكان للاسف للقنصل الانجليزى يد فى هذا النزاع ، لدرجة أن اثار النقاش عليه فأخر موعد عودته الى مصر وضايقة الى حد ما تم سمح بعد ذلك بالسفر ، فعاد الى القاهرة فى 17 يوليو 1852 بعد ان قضى هناك سنه وبضعة اشهر وفيما بعد نقم الاحباش على الانبا اندراوس فأودعوه السجن حيث ظل فيه الى ان تنيح بسلام 1867 م

ترشيح القس داود للبطريركية :

كان البطريرك بطرس السابع قد وعد القس داود بترقية الى رتبة المطران اذا نجح فى تسوية المشكلة الاثيوبية ، ولكن داود عاد الى القاهرة بعد نياحة البابا باثنين وسبعين يوما ، ووجد الشعب يعمل لترشيح بطريرك جديد ، وقد انقسمت صفوفه الى ثلاث احزاب هى :

الحزب الاول : كان ينادى بترقية الانبا يوساب اسقف جرجا واخميم الى رتبة بطريرك

الحزب الثانى : قال بصلاحية القس داود الصوامعى الى منصب البطريركية على اساس توصيه البابا الراحل بذلك

الحزب الثالث : رأى ان الانبا اثناسيوس اسقف ابو تيج هو رجل المهام الصعبه الذى يليق بالموقف الراهن حينئذ

وقد تزعم انصار اسقف اخميم الارض جاد افندى شيحة واخرون من وجهاء الاقباط الذين عمدوا الى تردية شائعة تقول " ان اصحاب الزايرجات وعلوم المطالع يؤكدون انه لو صار داود بطريركا فسوف يكون قدومه شؤما على الحاكم والمحكومين !!

ولكن هذه الامور وغيرها لم توهن من عزيمة انصار القس داود ، بل اخذوا يزدادون نفوزا وعددا ، حتى اصبحوا يمثلون صوت الشعب القبطى برمته ، وخدمتهم الظروف بانسحاب الانبا اثناسيوس من المعركة

أما اتباع اسقف جرجا فلما رأوا ان فوز مناهضيهم قد أًصبح وشيكا ، ادعى عميدهم أنهم اخذوا امرا شفويا من عباس باشا الاول بتنصيب اسقف اخميم بطريركا وتاهبوا لرسامته يوم الاحد الموافق 10 ابريل 1853 م، ولكن انصار القس داود اصروا على رسامته رغم وقوف عباس الاول فى صف الاخرين خصوصا بعد ان ارجفوه بما قاله الدجالون من ان رسامته مستجلب الخراب على البلاد ،

ولما كاد الشقاق يستعجل استعان انصار القس داود بالمستر ليدر احد مرسلى جمعية التبشير

 

 

الانجليزية وطلبوا منه التوسط لدى قنصل انجلترا فى مصر ليكلم عباس الاول فى قبول القس داود بطريركا ، وفعلا كلمه فوعد ولكنه ماطل فى وعده حتى قدم من الحبشه قس حبشى ومعه كثير من الهدايا وكتاب من النجاش لعباس باشا ، فقابله عباس ومكث الرجل لدية اياما ، فاشيع ايامها ان القس داود سار الى بلادالحبشة ليستعين هو واتباعه بالنجاش على الخروج على طاعه عباس ، فاستدعى القس داود الى دار المحافظة واستجوب فى شأن هذه الاشاعة وما كان بينه وبين نجاش الحبشة ، وكان الباشا قد امر ان يذهب به الى مجلس الاحكام بقلعة الجبل ، فكانوا ياتون امام المجلس كل يوم مرة او مرتين ، ويضيقون عليه الخناق فى التحقيق ، اما هو فكان هادئا ثابتا يتكلم برزانه وتعقل ، فاغتاظ عباس باشا ، واشتد بغضبة على الاقباط ،فأمر بفصل الموظفين منهم من خدمه الحكومة ، ونفى الاعيان منهم الى ستار فى السودان ودارفور ، واذل الباقين فى مصر كلها وعاشت الكنيسة والشعب فى اضطهاد رهيب .

    استدعى بعد ذلك كتخدا باشا ( فى مرتبة رئيس الوزراء الان ) جاد افندى شيحة واعلمه برغبة الباشا فى اختيار بطريرك غير القس داود ،وطلب منه التعجيل فى ذلك خشية تدخل القنصل الانجليزى ،فجمع جاد افندى الاساقفة وعرض الامر : فكثرت ارائهم وجدتهم ، فى الوقت الذى اتفق فيه حزب اسقف اخميم على تنفيذ رغبتهم بالحيلة .وكانت حيلهم أنهم يجتمعون ليلا دير سموه بطريركا ، فاذا اصبح الصباح وجد انصار القس داود ان السهم قد نفذ ، فيرضخون مكرهين امام الواقع ، وكما قبل من قبل ان جاد افندى شيحة قد حصل على امر شفهى من عباس الاول برسامته .

    اجتمع الاساقفة بالدار البطريركية وتبعهم الغوغاء سرا ومعهم اسقف اخميم وجاد افندى وبعض اقاربه ، واغلقوا عليهم الابواب ، ووضعوا عليها حراسا ، وبدأوا يتمدون الرسامة فى الداخل سرا ، ولكن حيلتهم لم تتم .

    بينما هم كذلك اذ ظهر احد العميان العرفان وجعل يطوف فى شوارع المسيحيين والحارات والازقة وينادى ان قوموا من نومكم باقوم ففى هذه اللحظة يتمنون رسامة اسقف اخميم وظل ينادى ويصيح حتى استيقظ الناس وانطلقوا مسرعين الى الدار البطريركية فتصدى لهم الحراس فاقتحموا الابواب ، وكثرا الهياج ، وكان فى البطريركية بعض الاحباش نيام فاستيقظوا وسألوهم الخبر ، فأوعزوا اليهم بإخراج الاساقفة من الكنيسة بالقوة ، فأمسكوا القس وكسروا ابواب الكنيسة ، واخرجوا الاساقفة رغما عنهم ، واختلطت الاصوات وتعالى الصياح ، واستمر الهياج خارج الكنيسة وداخلها وفى الشوارع المؤدية اليها حتى مطلع الفجر .

    ولما خابت جهود المتشيعين للاسقف جعلوا يختلقون الاقاويل على القس داود ، فأشعوا انه فى مدة اقامته بالحبشة تزوج من أمراة حبشية وله منها ولدان ، وكان أصل هذه الاشاعة قسيس حبشى كان مغتاظا منه بسبب ما ذهب الى الحبشة من اجله ، وكان قد اتى ليوشى به بهذا القول الى البطريرك فوجد قد تنيح فاذاعها حينئذ ليعطل رسامته ، ولما استقصى الناس عن حقيقتة هذا الاشاعة اتضح كذب القس الحبشى

   ورأى القنصل الانجليزى ان الفتنة كادت تعم ، فحذر عباس باشا من سوء العاقبة ، وكان

 

 

الخلاف قد ظل قائما عشرة اشهر ، انتهى بتوسيط الحكومة الانبا كيرلس مطران الارمن الارثوذكس بالقاهرة فى الصلح بين الفريقين ، ولم يوفق اولا لكنه اعاد الكرة ونجح اخيرا فى اقناع الطرفين برسامة القس داود مطرانا عاما او مطرانا لبابليون على رأى بعضهم ، فإن ثبتت كفاءته قلدوه البطريركية بعد ذلك ، وان لم تثبت فيظل مطرانا لمصر ، ويتجه الاقباط بعد ذلك الى مرشح اخر ، ثم كتبت له تزكية بذلك ووقع عليها كل من : الانبا صرابامون اسقف المنوفية ، الانبا ابرام اسقف اورشليم والانبا باكوبوي اسقف المنيا والاشمونيين والانبا اثناسيوس اسقف منفلوط ، والانبا مكاريوس اسقف اسيوط ، والانبا يوساب اسقف جرجا واخميم ، والانبا ابرام اسقف قنا وقوص ، والانبا ميخائيل اسقف اسنا ، والانبا اسحق اسقف الفيوم والبهنا والجيزة

ومن رؤساء الاديرة : القمص عبد القدوس رئيس دير السريان ، والقمص حنا رئيس دير البراموس ، والقمص جرجس كاهن دير ابو مقار واذ كان جماعة الاحباش لا يحبون القس داود ولم يرضوا عن رسامته اجتمعوا مع بعض العامة وبايديهم العصى ودخلوا الكنيسة قبل اتمام الرسامة ، وصاحوا فى وجوه المصلين بالسب والشتم ، واشتد الهياج ، فهرب الاساقفة ، وتعقب الاحباش القس داود ليقتلوه فاختفى ، ولكن الكل كانوا قد اتحدتوا على رسامته مطرانا ، فرشم فى اليوم الثانى باسم كيرلس وكان ذلك فى يوم 10 برموده 1569 ش/ 1853 م

وقد لاقى فى ايامه هذه اسؤا معاملة واسوء مقابلة ( فقام خصومه وحالوا بينه وبين انجاز مصالح الطائفة ، واشتدوا عليه شدة بالغة ، حتى كان اذا اراد النوم لا يجد لرأسه وسادة ينام عليها ، ولا لجبينه فراشا ، واذا جاع لا يقدمون طعاما الا ما يسمحون به له ، واذا زاره احد لا يسمحون له بلقائه  ، اما هو فكان ساكن البال ، رائق الحال لا يألوا جهدا فى تاليف القلوب المتفرقة والنفوس المتنافرة ، حتى طرحوا الخلاف جانبا ، ومنذ ذلك الحين اخذ يباشر اعمال الطائفة

أعماله بعد الرسامة :

بعد ان استقر الانبا كيرلس فى منصبه كمطران عام لجميع تخوم الكرازة المرقسية بدأ بهمة لا تعرف الكلل فى تنفيذ مخططه الاصلاحى دون حساب لما يدور حوله ، فوجه اهتمامه الى نشر التعليم بين ابناء شعبه ، وكتب فى ذلك منشورا مطولا ينتقد فيه طرق تعليم النشئ فى الكتاتيب التى يديرها عرفاء فاقدوا البصر ، وجعل بحث الاراخنة والمعلمين وارباب الحرف على المساهمة فى جمع المال لانشاء المدارس النظامية لتهذيب البنين والبنات ونشر المعارف الصحيحة فى كل البلاد ، فاستجاب الشعب لرغبة وانهلت العطايا عليه ، فبلغما جمعه من تبرعات لهذا المشروع 44106 قرشا ، وبالطبع كان لهذا المبلغ قيمته فى تلك الفترة . وكان اوله عمل باشره هو بناء المدرسة الكبرى للاقباط وكانت الى فترة وجيزة موجودة فى فناء البطريركية القديمة بالدرب الواسع ، كما اشترى عدة منازل وهدمها وأقام على انقاضها مدرسة مسيحية ويقال انه انفق فى بنائها 600 الف فرشا ، فكان بناؤها موجبا لاجماع الجميع على اختياره بطريركا ، وطلبوا من قنصل انجلترا معاونتهم على ذلك لدى عباس باشا الاول ، واخذ فعلا موافقته بحضور الاساقفة ما عدا اسقفى اخميم وابو تيج  ورسم بطريركا ولقب بكيرلس الرابع فى 28 بشنس 1570 ش / 1854 م

 

 

  وما هو جدير بالذكر الذين كانوا يستصيفون بالزايرجة واصحاب الطوالع الفلكية من مرشحى الانبا يوساب كما اسلفنا اشاعوا انه لو جاء كيرلس بطريركا فسوف يكون شوما على حاكم البلاد ، وتلعب الصدفة دورها ويقتل عباس الاول فى قصره ببنها فى 14 يوليو 1854 اى بعد رسامته بطريركا باربيعين يوما فقط ، فعمد البعض الى تصديق هؤلاء الدجاليين

وكان من اصلاحته المبكرة ايضا ان اصدر ايام ان كان مطرانا على مصر منشورا فى 23 اغسطس 1853  يوصى فيه بالاتى :

1-     منع الكهنة من عمل عقد املاك عند اجراء الخطوبة حتى تترك فترة للتعارف

2-     تحذير الكهنة من تزويج البنات القاصرات

3-     تحذير تزويج النساء المترملات المتقدمات فى السن من الشباب

4-     تحتيم اخذ رضاء وموافقة الزوجين قبل الاكليل المقدس

ولما تمت رسامته بطريركا باحتفال عظيم قدمت عليه الوفود للتهنئه ، اما هو فسعى لجمع قلوب الناس على المحبة وازالة اسباب النفور حتى تم له ما اراد ، ثم عكف على العمل لما فيه رقى الأمة القبطية ، فنظم ادارة البطريركية والاوقاف ، واتم بناء المدرسة ليجعل التعليم فى متناول الجميع بعد ان قاصرا على مدارس الدولة التى كان قد انشأها محمد على واقتصرت على ابناء الوجهاء ، وبعد جلوسه على الكرسى البابوى وسع مساحتها حتى تستوعب اكبر عدد من التلاميذ وافتتحها رسميا بحضور وجهاء الدولة فى سنة 1855م ، وكان يقدم بكل مطالب التلاميذ من دفع مرتبات المدرسين واختارهم من المهرة فى تعليم اللغات الحية من عربية وتركية وفرنسية وانجليزية وايطالية مع كافة المواد الاخرى التى اقرتها برامج المدارس الحكومية ، وجعل فيها التعليم والكتب والادوات بالمجان

ومن شدة اهتمامه بها كان يزور غرف التدريس دائما كل يوم مرة او مرتين ، ويستمع لالقاء المدرسين للدروس ، ثم انشأ بالمدرسة قاعة يستقبل فيها الزوار لاسيما الاجانب الذين كان يكلفهم بفحص غرف التدريس وابداء ملاحظاتهم عليها وما يؤول لنجاحها

وكان يقوم هو بنفسه بالقاء بعض الدروس التاريخية والادبية على الطلبة مما يناسب ادراكهم وسنهم ، وجعل تعليم اللغة القبطية اجباريا مع الاشراف على ذلك بنفسه ، واذ رأى ان بعض الطلبة من جهات بعيدة يتكبدون مشقة الحضور الى المدرسة انشأ لهم مدرسة بحارة السقايين وكان يزورها كل اسبوعين ، كما انشأ بحارة السقايين مدرسة اخرى للبنات فكانت اول لفته فى مصر لتعليم البنات ، حيث كانت البنات تعانى من قبل من الجهل وعدم العناية بها

مشكلة فى طريق التعليم :

لقد كان رغم ذلك الاقباط على التعليم فى مدرسة الازبكية ( الاقباط الكبرى ) قليلا ، فلم يزيد عدد

 

 

طلابها على مائة وخمسين طالبا ، وكان المشار اليهم فى تعليم الاطفال حينئذ جماعة من العرفان ، فلما احسوا بما اجراه البطريرك سعوا يلقون بالفتنة ضده فى البيوت ، وجعل هؤلاء العرفاء يوهمون اهالى الاولاد بان بين البطريرك والوالى عقدا على ان يجند له من الاولاد الوفا ، وكان اذا وصل الدار البطريركية شئ من الادوات المدرسية بكوا وناحوا ، وقالوا هذه ألات للحرب وإذا رأى البابا كيرلس الرابع هذا الخطر يتزايد من جراء اشاعات هؤلاء العرفاء ، بدأ يسترضيهم بأن اشركهم فى التعليم الاولى فى المدارس التى انشاها ، فلم تمض مدة حتى بدأوا يرتلون بحمده ويستديروا مائة وثمانية درجة !!

ولقد انجبت المدارس ابناء كثيرين تكلموا باللغات المختلفة ، وكانوا من الاقباط المسيحيين منهم عبد الخالق ثروت باشا رئيس الوزراة فى العشرينات من هذا القرن ، وكان يدعو سنويا كبار القوم ليوزع الجوائز الفاخرة على التلاميذ النابغين تشجيعا لهم وتنشيطا لسواهم

وقد كلف احد قسوس الكنيسة الكبرى بالازبكية ( القمص تكلا ) وكان يجيد الالحان بان يختار من بين التلاميذ عددا من زوى الاصوات الحسنة ، وعهد اليه بتعليمهم ، واعد لهم ملابس خاصة ليقوموا بالخدمة فى الكنيسة ، مما دفع الاهالى للاعجاب بمشروعات ودفعوا اولادهم على الالتحاق بمدارسة والانتظام فيها

وبعد قليل تخرج من هذه المدرسة عدد كبير ، واتفق انشاء مصلحة السكك الحديدية بمصر فدخلوها موظفين ، وانتشروا فى محطاتها ، وكانوا يؤدون اعمالهم باللغة الانجليزية ، وعمل بعضهم فى البنوك وعند التجار لمعرفتهم باللغات الاجنبية

كان اهتمامه عظيما باللغة القبطية واحيائها ، فطبع منها عدة كتب بدار الطباعة بلندن فتعلمها ابناء الكنيسة القبطية ، وتكلموا بها ، فكانت فى اخر ايامه من اهم اللغات التى كان يتكلم بها ابناء المدارس لدية ، وقد انشا حوالى 12 مدرسه منها مدرسة للبنات علم فيها التدربير المنزلى من طهى ونسيج وخياطة وتطريز بعض اعمال الخدمة الطبية الى جانب علوم الدين واللغات

اصلاحاته الاخرى :

1- ولما رأى صعوبة تحمل ساكنى حارة السقايين والجهات القريبة منها المشاق لحضور الصلاة فى الكنيسة المرقسية بالازبكية سعى لدى سعيد باشا سنه 1572 ش ليحصل على اذن ببناء كنيسة فى تلك الجهة فصدر له فى 5 ربيع الاول 1272هـ  فكرس مكانا بمنزل رجل شهرته القيصاوى ليكون كنيسة الى حين التمكن من بناء جديد ، واقام اول صلاة شكر فى تلك الكنيسة وبقيت كذلك الى ان بنيت الكنيسة الحالية فى عام 1881 م

2- اما كنيسة البطريركية بالدرب الواسع بالازبكية فقد وجد مبناها الذى كان قد بناه المعلمان ابراهيم وجرجس الجوهرى ضيقا متواضعا ، وان عمارتها ضعفت ومهدده بالانهيار فقام بهدمها من اساسها ووضع تصميما يليق بكاتدرائية كبرى تليق بمركز الرئاسة وترفع من شأن قومه

 

 

امام الجاليات الاجنبية ، واحتفل بوضع اساسها يوم الخميس 6 مايو 1858م بحضور كثيرين من وجهاء مصر وكبار رجال الدولة الا انه مات اثناء بنائها فاكملها خليفته ديمتريوس الثانى

إنشائه للمكتبة :

عقب هذا التقدم والنجاح العلمى والدينى ، وجه نظره نحو انشاء مكتبة تجمع الكتب النفسية فوجد فى الدار البطريركية كثيرا من الكتب المهمله دون عناية ، وبينها كتب نفسية للغاية ، فجعل يصلح نظمها وتنظيمها ووضعها فى مكان خاص بها اخذ يجمع من خزائن الاديرة الكتب الثمينة والسجلات المهمه لوضعها فى المكتبة ، كما امر بتصحيح الكثير من كتب الكنيسة ، حيث كانت تضم كثيرا من الحشور والتخاريف وضبطها

إنشائه المطبعة :

عندما انتظمت مدارس البنين والبنات التى انشأها ، رأى ان رسالتها لا تكتمل الا بوجود مطبعة تتولى طبع الكتب المدرسية ، وما تحتاج اليه الكنيسة من الكتب الدينية على اختلاف انواعها ، وكانت حتى ذلك الحين تعتمد على الكتب المخطوطة التى حرفها النساخ او كتبوها بخطوط رديئة تصعب قراءتها ، فكلف صديقا له يدعى رفلة عبيد الرومى بشراء مطبعة من اوربا وفعلا حقق له رفلة رغبته واشترى له مطبعة من ايطاليا ، وصلت ميناء بولاق وكان يومها فى دير الانبا انطونيوس بالصحراء الشرقية ، فكتب الى وكيل البطريركية بالقاهرة بأن يستقبلها فى زية الكهنوتى ويكون الشمامسة بملابسهم الكهنوتية ، وهم يرددون الحان الفرح والسرور ، ولما عابه البعض على ذلك بعد مجيئة من البرية ، اجابهم لو كنت حاضرا عند وصولها لرقصت امامها كما رقص داود النبى امام تابوت العهد

+  قام بتوسيع بعض الاديرة مثل دير السريان ، وارسل من قبله عمالا قاموا بقطع الاحجار من هضبة مجاورة ، وزودهم بعربة لنقلها ونقل مواد البناء ولكنه مات اثناء العمل

+  نظرا لما كان يعرفه من خطورة دور الكهنة وتاثير المادة عليهم ، بدأ يصلح احوالهم المعيشية وربط مرتبات شهرية لبعضهم حتى لا تقف المادة عائقا لخدماتهم ، ومات فى نهاية تأسيس مدرسة اكليريكية لتعليمهم وتثقيفهم

+  كان راهبا صلبا ، ولكنه بجانب عطفة على الرهبان الذين اختاروه رئيسا لهم فى الدير الا انه كان قاسيا عليهم ليحد من حريتهم ، فكان خشنا سمى ( ابو نبوت ) فلم يسمح بخروج الراهب من ديره الا للضرورة

+  كانت المرأة ليس لها اهميه ، الا فى مجال الأمومة ، فجاء البابا كيرلس الرابع ليعتبرها شريكة الرجل فى كل اطوار حياته ،عمل على تعليمها وتهذيبها فى مدرسة خاصة بها وكانت الاولى فى مصر ، وقد اقتدت الحكومة بها وفتحت بعدها مدارس للبنات ، كما حفظت للمرأة كرامتها فلم يكن يسمح بالطلاق الا لعلة الزنا تطبيقا لمبدأ الانجيل ، كما كان يوصى اولادة المسيحيين بعدم التفريق بين الاثنى والذكر فى الميراث فهم سؤاء لان الله لا يميز بين روح الرجل وروح المرأة

 

+  من الاعمال النافعة التى حققها انه اقنع الحكومة باستعمال التاريخ القبطى ، وقال فى ذلك صاحب كتاب التوقيعات الالهامية ( فى ابتداء 21 شوال سنه 1271 ه استعملت التواريخ القبطية بحسابات مصر ) اى من اول ابيب 1571 شهداء الموافق 7 يوليو 1855 م، وبقى مستعملا الى ان ابدل بالتوقيت الافرنجى من اول ديسمبر 1875 م

+  ومن تاثره كذلك انه نهض باللغة القبطية ، واصلح النطق بحروفها بمساعدة احد مدرسى اللغة اليونانية فى المدرسة العبيدية ، فنبغ فى مصر وقتها كثيرون كان فى مقدمتهم  المعلم عريان جرجس مفتاح والقمص فيلوتاؤس ابراهيم عوض ، وبرسوم ابراهيم الراهب ، وفانوس ميخائيل جرجس ، والدكتور ابراهيم بك حلمى مفتش صحة السويس

+  ولما صدر الفرمان السلطانى فى 18 فبراير سنه 1856 م بمساواة كل المواطنين والتمتع بكافة الحقوق ، قام البابا كيرلس الرابع وتقدم الى الوالى يطلب منه تطبيق نصوص الفرمان على جميع المصريين فوعده الباشا بذلك ، ولكن عندما رأه يماطل فى تنفيذه استاء من تصرفه وتوجه الى دير الانبا انطونيوس ومعه الانبا كلينيكوس بطريرك الروم الارثوذكس الذى كانت تربطه به صداقة قويه ، ومكثا هناك قرابه ستة اشهر ، فانتهز قنصل فرنسا هذا الخلاف وعرض على البطريرك تسوية الامر بينه وبين امير البلاد شريطة ان يسمح للرهبان اليسوعيين بتأسيس مراكز تبشرية فى الحبشة الا ان البابا رفض هذه الوساطة التى لاتتفق مع مصلحة الكنيسة

+ عندما تولى سعيد باشا الحكم واجهة مشاكل متعددة فيها الجيش والتجنيد ، فجعل التجنيد أجباريا على كل المصريين ، وشن نظاما للاقتراع يدعى بموجبه كل المصريين بلا فارق بينهم لحمل السلاح حتى الاقباط ، وقد رحب البابا كيرلس بهذا ليكون القبطى مواطنا لاخيه المسلم ويكون هذا مبررا لرفع الجزية التى كانت تدفع بدعوى الدفاع عن المسيحيين ، وان كان الاقباط قد خافوا ووقعوا ضده فى هذا ، الا انه استمر فى موقفة وشجع سعيد باشا على هذا ، ليكون للمسيحى شرف الجندية وشرف المواطنه كمصرى

سفره الثانى الى الحبشة :

وقع فى ايام البابا كيرلس الرابع خلاف بين الحكومتين المصرية والحبشية بسبب تعيين الحدود بينهما ، وقيل ان السلطان عبد المجيد العثمانى هو الذى اوعز الى سعيد باشا خديوى مصر بان يرسل بطريرك الاقباط الى البلاد الحبشة لعقد اتفاق بينه وبين تيوزور ملك الحبشة الذى كان قد تعدى على بعض نقاط الحدود فى اقليمى هرر وزيلع التابعيين فى ذلك الوقت للحكومة المصرية العثمانية ، فجهزت له باخرة ، وقام البطريرك بهذه المهمه السياسية بدون ان يدرى أحد الا الذين رافقوه فى السفر وبعض خدامه ، والقت النظر هنا ان الكنيسة القبطية لا تعمل بالسياسة اصلا ولا تتدخل فيها الا اذا طلب منها ، وان تنفيذها للسياسة فى حدود ما تكلف به فقط وتعود الى حياتها الدينية كما هو موضوع بها وقد سافر البابا كيرلس الرابع رغم انفه تعلوه الكأبة ويشوبه التشاؤم من هذا السفر ، وكان يرافقة اثنان من الاغوات الترك ، فانتهز فرصة طول السفر وتعلم منهما التركية

 

 

ولما علم النجاشى بقدومة خرج لملاقاته بموكب حافل على مسيرة ثلاثة ايام من عاصمة مملكته ، وطلب منه ان يمسحه ملكا بحضور جميع ملوك الحبشة ، وكان فى الحبشة بعض من المرسلين الانجليز المرسلين من ( جمعية التبشير بالانجيل ) لبث تعاليم مارتن لوثر البروتستانية بين الاحباش ، وقد تقربوا من النجاشى ، وقد تقربوا من النجاش بعمل المدافع وضع الاسلحة لجيشة ، وتعليمهم فنون الحرب والقتال ، حتى مال اليهم واعطاهم الحرية ليجولوا فى كل مكان ، فكانوا يعبثون بطقوس الكنيسة القبطية ، ولم يفلح مطران الحبشة فى مقاومتهم ، فانتهز فرصة وجود البطريرك ورفع امرهم اليه ، فبعد انقضاء الافراح طلب البطريرك من النجاشى ان يرد لبلاد مصر ما اخذه منها ، فاجابه الى طلبه بسرور زائد ، ثم كلمه بشأن المرسلين الانجليز وطلب منه ترحيلهم ، فاعتذر بكونهم يعلمون جنوده فنون الحرب ، فافهمه ان الحال غير داعية للحرب ، فأمر النجاشى بإخراج المرسلين من بلاده ، فحقدوا على البطريرك وعملوا على الانتقام منه وكان البطريرك قد بعث يطلب من سعيد باشا ان يسير اليه بعض الصناع والمعلمين ، فدس اليه قنصل الانجليز بان البابا كيرلس هذا يريد ان يسلم بلادك الى النجاشى ، ومازال سعيد باشا حتى قام الى الخرطوم بجيش عظيم ، وفى الوقت نفسه كان الانجليز يحبكون مكيده اخرى ضد البابا كيرلس لدى النجاشى ، فدسوا عليه انه قدم لطرد الانجليز الذين كانوا يعدون لك الالات الحربية ليمكن والى مصر منه ، وقد حمل اليه من قبل سعيد باشا كساء مسموما اذا ما لبسته قضى عليك ، وكان فعلا من بين الهدايا التى قدمها البابا كيرلس للنجاشى برنسا مزركشا بالجواهر الكريمة فهال النجاشى الامر ، لا سيما لما علم بقدوم سعيد باشا بجيشة الى الخرطوم ، فأمر بسجن البطريرك وضيق عليه الخناق ، وخشية من ان يفلت البطريرك ، ويمسح ملكا اخر للحبشة سواه ، اصطحبة معهفكان يسوقه امامه فى كل مكان يحل به محاطا بالحراس وكان اذا جلس يقف امامه ، ويبكته باغلظ الالفاظ

تمكن البابا من ان يصل الى والدة النجاشى ، وكانت تقية ورعة ، وافهما بحقيقة الامر ، فتوسلت الى ولدها من جهة ، فسمح له ان يدافع عن نفسه ، فتمكن من اقناعه بجليل مقاصده ، ومن ثم طلب ان يلبس الثوب الذى ارتاب فيه فلبسه البطريرك مدة يومين دون ان يصاب بأذى ، ولبسه رجل محكوم عليه بالاعدام مدة ثلاثة ايام فلم يصبه سوء ، وكان النجاشى قد أمر بحرق البطريرك حيا ، فعفى عنه ، وارسل البطريرك يخبر سعيد باشا ان نجاحه متوقف على رجوعه من حيث أتى ، فرجع سعيد باشا الى مصر بقواته من الخرطوم ، وهنا عرف النجاشى حقيقة الموقف ، واعتذر للبطريرك على سوء فعلته وذلك برفع حجر على رأسه كعادة الاحباش وكان قد مر اكثر من سنه منذ خرج الانبا كيرلس من مصر ولم يرد عنه خبر او يسمع عنه شئ ، وكان الناس قد قلقوا عليه كثيرا ، وبعد سنه واربعة اشهر وصل مكتوب منه ينبئ بأنه وصل الى الخرطوم ومعه اثنان من رجال حكومة الحبشة ، أحدهما قسيس الملك والثانى وزيره ، فسر الشعب بعد ان ظنوا انه مات ، ووصل الى القاهرة فى 17 امشير 1574 ش وقد استقبل استقبالا عظيما

نهاية البابا كيرلس :

لم ينسى الانجليز له موقفة هذا فدبروا له مأساة محزنه لقاء ايعازه للنجاشى بطرد مرسليهم من الحبشة ، ولم يمكنهم من اخذك السلطان ، كما اشتد غيظ الانجليز عندما علموا انه ينـــــــــوى توحيد الكنائس الارثوذكسية ،

 

 

فبعد رحيل وزير نجاشى الحبشى شعر البابا كيرلس بتغير محمد سعيد باشا عليه واتفق انه اصطحب معه بطريركى الروم والارمن الى دير القديس انطونيوس كما اسلفنا ترويجا عن انفسهم ، فانتهز القنصل الانجليزى ودس له عند سعيد باشا بأنه يريد توحيد الكنائس تحت حماية روسيا التى كانت مكروهه من السلطان ومن سعيد باشا ، فارسل سعيد باشا الى مدير مديرية بنى سويف بأمره بأن يستدعى البطريرك فورا ، فاستمهله اياما ، فاشتد غيظ سعيد باشا ،

ويروى التاريخ انه كان فى احد الايام ان جاء الى البابا رسول من قبله محافظ مصر يستدعيه الى الديوان لأمر لا يتم الا بحضوره ، فلم يقبل الذهاب ، وصرف هذا الرسول بالحسنى فعاد اليه مرة ثانية وثالثة ، فلم ير البابا بدا من الذهاب ، واصطحبة وغاب ساعة وعاد ووجهه يقطر منه العرق ، وقد نزلت به حمى ، فعرف العلة واشار بالدواء ، فلم ياته حتى اتاه طبيب محمد باشا بأمر منه ، واخذ فى علاجه ، وظل يعالجه اياما ، وقد اشتدت علته وعظم مرضه ، وفقد الرشد وسقط شعر راسه ولحيته على وسادته وانحل جسده .. ومات

ويروى من كانوا حوله ، انه لم يقبل السم فى القهوة لانهم سمعهم يتكلمون بالتركية وكان يفهمها ، ورجع الى قلايته حزينا ، حتى حضر اليه كل من صديقة ربيت الارمن والخواجه حنا مسرة واحضرا له طبيبا قالا عنه انه امين ، ولكنه دس له السم فى الدواء ، ولما شعر به يمزق احشاءه من الالم سلم امره لله وجعل يردد ( لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ، بل خافوا من يقتل النفس )  وكانت وفاته فى ليلة الاربعاء 23 طوبه 1577 س / 1861 م ودفن بقبره الذى كان قد بناه لنفسه بالكنيسة الكبرى ، بعد ان قدم للكنيسة ولمصر كل هذه الاعمال الجليله والاصلاحات الكبيرة ومن ثم دعى ( ابو الاصلاح )

الانبا ديمتريوس الثانى - البطريرك الـ 111 :

وهو ميخائيل وكان رئيسا لدير القديس مقاريوس ببرية وادى النطرون وانتخب للبطريركية وسيم بطريركا فى 1862 م او اخر عهد الخديو محمد سعيد باشا، ولما زاره الخديوى بعد الرسامة قال له الخديوى ( لا تفعل مثل سلفك فكل ما يلزمك قل لى عليه وانا مستعد لتأدية لك ) وفى هذا ما يشير الى ارتكاب جريمة قتل البابا كيرلس ابى الاصلاح  وقد بدا هذا البابا رحلة عمله باستكمال ما قد بدأه ابو الاصلاح ، فاكمل الكنيسة الكبرى بالازبكية ، كما استمر يدير حركة المدارس التى انشئت فى عهد سلفه ، وكان من خطر انه فى ولاية اسماعيل باشا ابو التنوير ان لقى مشروع المدارس هو فى نفسه فانعم عليه بمساحة من الاراضى الزراعية وقفا على البطريركية والمدارس

كما اصدر امرا كريما له باجراء امتحان مدارسه بعد امتحان المدارس الا يريه كالرسوم الجابرية ، وكان الامتحان يبدا باحتفال يحضره كل عام كرام القوم والعلماء والامراء ، مما عزز مركز المشروع وكرم الخرجين الذين سمح لهم اكثر بالتعيين فى وظائف الحكومة

ولما قدم السلطان العثمانى عبد العزيز لزيارة لمصر 1863 بدعوة من اسماعيل باشا ليرضى عنه وعن تصرفاته ، دعا اسماعيل باشا العلماء والوزراء والاباء الروحيين والوجهاء وليحظوا بمقابلة هذا السلطان فى يوم حدد لهذا اللقاء العظيم ، وقد وافق هذا اليوم يوم الجمعه العظيمة للاقباط الارثوذكس ،

 

   كانت العادة ( البروتوكول ) ان من يدع للمثول بين يدى السلطان يقبل طرف ثيابه ، فلما جاء دور البابا ديمتريوس تقدم الى السلطان ، ولثم صدره مما ازعجه وادهشه ، كما اندهش الحاضرون لانهم اعتبروا هذا جسارة من البابا لم يجرؤ عليها احد منهم ، ولما شكل عن معنى هذا التقبل الغريب ، اجاب ( انما انا اقبل يد الله ملك الملوك وسلطان السلاطين لانه ورد فى الكتاب المقدس ان قلب الملك فى يد الرب ( ام 21: 1 ) وكان مع البابا القس سلامة ترجم هذه العبارة بالتركية للسلطان الذى سر جدا منه وابتسم مسرورا وانعم بالف فدان من املاك الحكومة للمدارس القبطية ، ثم زادها الخديوى اسماعيل خمسمائه فدان اخرى فى مديرية الشرقية

وكان هذا البابا يتابع اولاده ويفتقدهم حيث كانت الذئاب الخاطفة من المذاهب غير الارثوذكسية نشطة فى تلك الايام وكان يصحبه فى هذه الزيارات الايغومانس فيلوتاؤس رئيس الكنيسة الكبرى ، وعينت له الحكومة مركبا بخاريا من طرفها زار بها مدن وبلاد وكنائس الوجه القبلى  وتوفى ليله عيد الغطاس سنه 1870 م

البابا كيرلس الخامس - البطريرك الـ 112

ولد يوحنا فى بلده تزمنت مديرية بنى سويف سنه 1824 م، وبعد ميلاده بفتره هاجر به ابواه من تزمنت ليستوطنا كفر سليمان الصعيدى ( كفر فرج ) بمديرية الشرقية ثم توفى والده وهو طفل فتكفل به شقيقة الاكبر المعلم بطرس ، ولما بلغ سن الرشد رسمه الانبا ابرام مطران القدس شماسا ، وكانت تبدو عليه دلائل القوى والميل الى الزهد والانقطاع عن العالم ، ومحبة الكتب والقراءة ، فكان يتجنت اصدقاءه الشبان ويعكف على الروحيات

ولما بلغ العشرين من عمره اى فى سنه 1844 م تردد بين امرين : اما ان ينذر نفسه لله ويعيش بتولا بين الرهبان ، او يتزوج ويصير رب لاسرة ، الا ان الرغبه الاولى تغلب عليه ، فقصد دير السريان ولكن اسرته سعت لارجاعه ورجوه الا يتركهم الا انه مالبت ان هرب ليعيش راهبا فى دير البراموس وكان دير البراموس انذاك يعانى من الفقر ، وكانت ايرادته فى ايدى الغير يستغلونها لانفسهم ، حتى ان رهبانه كانوا يقتاتون على الترمس الذى كان مدخرا فى الاديرة منذ ايام المعلم ابراهيم الجوهرى ، ولذلك كان عدد رهبانه قليل وصلوا الى اربعة رهبان ، اما هو فكان معهم فنما اصول الفضيلة ، ومن ثم اتفقت كلمتهم على ترقية الى درجة الكهنوت ، وكتبت له تزكية ورسم قسا 1845م على يد الانبا صرابامون اسقف المنوفية فى حارة زويلة وبعد قليل طلبه الرهبان ليتولى ادارة شئونهم ، فتسلم تدبير مجمع الرهبان بدير البراموس فنجح لانه احتقر نفسه ليرفع الرهبان ، وكان يوزع عليهم ما يكسبه من حرفة نسخ الكتب ومن هنا سمى يوحنا الناسخ ، وتحسنت احوال الدير فى عهده وزاد عدد رهبانه

ولما فاح عطر سيرته الحسنه رغبت الامة القبطية فى احضاره الى القاهرة وتعيينه فى رتبه اعلى فلم يقبل ، ولم يسمح كبار الرهبان بأن يتركهم ، الى ان استدعاه البابا ديمتويوس عام 1855 ورسمه ايغومانس ليكون مساعدا له فى الكاتدرائية بالازبكية ، الا ان الرهبان فى البراموس شق عليهم هذا فكتبوا يستعطفون البابا فى رجوعه فارجعه .

 

 

القمص يوحنا ودير المحرق :

ثار رهبان دير المحرق على رئيسهم القمص عبد المسيح الهورى سنه 1857 م ووفدوا الى القاهرة برئاسة القمص عبد المسيح جرجس المسعودى طالبين عزل الهورى ، ولما حقق البابا كيرلس الرابع فى شكواهم ووجدها بسيطة لا تستحق كل هذه الثورة ، لطم زعيمهم على وجهه وامره بالتوجه الى دير البراموس ، فسار الى هناك ومعه كل من القمص حنس والقمص ميساك والقمص ميخائيل الاشقاوى وغيرهم  ثم ثار رهبان نفس الدير مرة اخرى فى سنه 1870م  وعزلوا رئيسهم القمص بولس غبريال الدلجاوى الذى هاجر بعدها الى دير البراموس سنه 1871 م ومعه مجموعة من خلصائه القمامصة  واستقبلهم هناك القمص يوحنا الناسخ ، واحبهم ولم يعاملهم كضيوف اتوا ليقميموا بشكل مؤقت بل حسبهم اخوته ، لهم كافة الحقوق كرهبان الدير البراموسيون ، واشركهم معه فى شئون لادير وتنمية مواردة المادية والروحية حتى انه لما جاء بطريركا فيما بعد لم ينسى هؤلاء الرهبان المهاجرين ، بل قدرا تعابهم وافسح لهم مجال الخدمة ، فجعل القمص عبد المسيح المسعودى ابا الرهبان دير البراموس ، ورفع عددا منهم الى رتبة الاسقفية

ترشيح القمص يوحنا للبطريركية :

بعد نياحة البابا ديمتريوس اجتمع الاساقفة مع وجهاء الشعب الارثوذكس ، وقرروا تعيين مطران البحيرة ووكيل الكرازة المرقسية نائبا بطريركيا الى ان يتفقوا على اختيار بطريرك ، جديد ، الا ان هذا المطران لم يقنع بهذا المنصب المؤقت بل طمع فى المنصب بشكل دائم ، فرشح نفسه بطريركا ، ولكى يكسب عطف الشعب ، شكل لهم مجلسا مليا من اربعة وعشرين عضوا واعتمده من الخديوى بقرار حكومى صدر فى 29 يناير 1874 م

وكان هذا المطران يحظى بثقة وهبه بك الجيزاوى كبير كتاب المالية انذاك ، الذى استطاع ان يقنع الخديوى بصلاحيته دون غيره للكرسى البطريركى ، فاخذ اسماعيل باشا براية ، واظهر استعداده له متى اجتمعت كلمه الاقباط عليه . الا ان الاساقفة برئاسة الانبا ايساك اسقف البهنسا والفيوم زاروا وهبه بك هذا فى داره ، وافهموا انهم اتفقوا جميعا على ترشيح القمص حنا الناسخ البراموس بطريركا ، وانهم لن يرضوا غيره بديلا ، كما حملوه بلهجة شديدة مسئولية تأخير الرسامة ، وما يترتب عليها من سوء العواقب تضر بالامة القبطية وبالكنيسة والشعب ، وقالوا له انه قد مات اساقفة فسقام ومنفلوط واسيوط وقنا واسنا والخرطوم وانهم يخشون ان تأخر الرسامة اكثر من ذلك فلا يجدون فيما بعد العدد الكافى من الاساقفة لتنصيب البطريرك ، وصارت مشادة بين وهبه بك والانبا ايساك الغاضب ، وما لبث ان مات وهبه بك من الحزن لما فعل ، كما حزن اسماعيل باشا على وهبه بك فارجا اصدار امر عالى بالرسامة

الا انه فى هذا الوقت كانت الكنيسة الحبشية تعانى من بعض المشاكل التى لا يمكن حلها الا عن طريق البطريرك ، لهذا وسط النجاشى قنصل روسيا لكى يتدخل ويعجل برسامة بطريرك فى مصر عند الباب العالى فى الاستائه ، وبعد ان درس الباب العالى القضية فى الديوان العثمانى بالاستائة ، كتب السلطان يتعجل الخديوى فى سيامة البطريرك ، فلم يجد اسماعيل باشا بدا من التنفيذ بان اعطى الحكومة امرا بهذا .

 

    وعليه التمس الشعب القبطى رسامة القس يوحنا ، طلب من المقام الخديوى عن طريق المجلس الملى احضاره بمساعدة الحكومة لرسمه بطريركا ، فتم ذلك ، وكلفت الحكومة مدير البحيرة باحضاره ، فحضر القمص يوحنا الى القاهرة وانتخبه المطارنة والاساقفة الاعيان بطريركا للكرازة المرقسية فى 23 بابة 1591 ش، 1 نوفمبر 1874 م باحتفال كبير حضره كبار رجال الامه والامراء والرؤساء الروحيون وكان ذلك فى الكنيسة الكبرى فى الازبكية

أعمال البابا كيرلس الخامس الاصلاحية :

كثرت اعماله الاصلاحية ومساعدة طبقات شعبه المحتاجة ، فشيد قصورا فى كل دير من اديرة القاهرة ومصر القديمة وشيد ثلاثة عشر كنيسة بمصر والخرطوم والجيزة منها : كنيسة مارمرقس بالجيزة 1877 ، وكنيسة الملاك غبريال بحارة السقايين 1881 ، وكنيسة العذراء بالفجالة 1884 م، وجددت كنيسة الملاك البحرى 1895 م، وشيدت كنيسة العذراء بحلوان 1897 ووضع اساس كنيسة مارمرقس بالخرطوم فى 27 مارس 1904 م، واساس مدرسة بولاق القبطية الصناعة فى 25 يونية 1904 م، وانتظمت فى عهده كنيسة الرسولية بطرس وبولس بالعباسية سنه 1912 وكنيسة الشهيدة دميانه ببولاق 1912 ، ومار مرقس بمصر الجديدة 1922 م والعذراء بشارع مسرة بشبرا 1924 م وغيرها من الكنائس

كما بدا ايامه باستكمال الكاتدرائية المرقسية الكبرى بالازبكية ، ولم يهمل اديرة الراهبات كدير ابو سيفين بمصر القديمة وديرى العذراء ومارى جرجس بحارة زويلة ، كما كان يعطف على المتبتلات بهذه الاديرة ويجود عليهم من جيبة الخاص وحسن احوالهم

انشا تسع مدارس بالقاهرة والجيزة منها المدرسة الاكليريكية ومدرسة البنات بالازبكية واشترى السراى الكائنه بمهمشه حيث المدرسة الاكليريكية كما اشترى خمسمائة فدان مما زاد معه ايراد البطريركية وارتفع قدر الامة القبطية فى عهده ، فانتشرت الحرية ، واتسع نطاق العمل وعم العلم ، وانشئت مدارس للرهبان

البابا ومشكلة المجلس الـمـلى :

وفى هذا نعتمد على ما ورد فى كتاب يوسف بك منقريوس ( القول اليقين فى مسالة الاقباط الارثوذكسين )  " لما ارتقى غبطة البطريرك كرسى البطريركية ، وضع مع اعضاء المجلس حسب روايتهم لائحة تقضى بوجوب نظر المجلس فى مصالح الكنائس واحوالها وفى المدارس والاوقاف والفقراء والاحوال الشخصية ، ورسامة القسس وغير ذلك ، والتمس البابا البطريرك من الحكومة التصديق على اللائحة فصدقت عليها بتاريخ 14 مايو سنه 1883 م، الا ان هذه اللائحة كانت حبرا على ورق ، لأن اعضاء المجلس لم يهتموا بشئ ولم يوجهوا نظرهم للاهتمام بما يستدعى جهادهم وتعبهم ، ولبث مجلسهم ينحل شيئا فشئيا حتى فارق الحياة

وبعد مدة تحرك بعض ابناء الامة ، فطلبوا من غبطة البطريرك تشكيل المجلس فأبى ان يجيهم بدون تعديل اللائحة وحذف ما فيها مما يخل بسلطتة ، فلم يقبلوا بل رفعوا امرهم الى الخديوى ، وكان

 

وقتئذ توفيق باشا ، وعزموا على عقد اجتماع لاعادة الانتخاب ، فكتب البابا كيرلس يحيط مجلس النظار علما بالمسالة ، وطلب منع ذلك الاجتماع فمنع ثم استدعى البابا كيرلس المطارنه والاساقفة وكبار القسوس من كل الجهات وعقد بهم مجمعا اكليريكيا ، اصدروا فيه قرارا يقضى بضرورة عدم التدخل احد من الشعب فى تدبير امور الكنيسة ومتعلقاتها

وحمل البابا كيرلس ونيافة الانبا يؤانس مطران الاسكندرية هذا القرار الى توفيق باشا ورفعاه اليه فوعد بالمساعدة ، وقضى البابا بالاسكندرية مدة شهرين ما فتئ فيها اعضاء المجلس يسعون ليحققوا اغراضهم ، غير انهم لما قابلوا توفيق باشا ادركوا استحالة عدم اى شئ بدون رضاء البابا كيرلس ، فاكرهوا على ملاطفته ومحاسنة ، ولما رجع من الاسكندرية استقبل استقبالا فخما

وكان المرحوم بطرس غالى باشا باوربا فى اثناء هذه الحوادث ، وحضر بعد ذلك فالقى اليه توفيق باشا مقاليد المسالة وكلفة بحسم هذه المشاكل ، فوبخ ابناء الطائفة ، وارغمهم على كل الصفح من غبطة البابا ، وانتهت المسالة على ما يرام ، واهتم البابا بعد ذلك من تلقاء نفسه بتعليم الرهبان ونشر المعارف وتشييد المدارس فى البلاد حتى اصيب بمرض فانطلق الى دير العريان ترويحا للنفس مدة

وعقب ذلك تاسست جمعية التوفيق ، وحررت نشرة نطلب فيها ضرورة الانفاق من ربيع الاوقاف على ترفية المدارس ، وتسهيل وسائط التربية العالية لابناء الامة ، فتعرض لهذه النشرة بعضهم بنقدها ويكشف اغلاطها ، واعقبت النشرة بنشرة اخرى طلب فيها تعيين مرتب للاكليروس القبطى اسوة بالاكليروس باقى الطوائف ، فأظهر الجميع موافقتهم على هذا الرأى لتاكدهم بانه سر نجاح وتقدم اكليروسنا ، ثم كتب نشرة اخرى بضرورة اعادة تشكيل المجلس الملى قردت عليها الجمعية الارثوذكسية واحتدم الجدال بين الفريقين مدة ما

وفى خلال تلك المناظرات استدعى بطرس باشا غالى نيافة الانبا يؤانس مطران اسكندرية الى القاهرة وكلفة ان يبلغ غبطة البطريرك بان الامة ترغب فى انشاء مجلس ملى ، فرد البابا برضاء عن تشكيل مجلس اذا عدلت اللائحة القديمة ، فأبى بطرس باشا تغير اللائحة واصر البابا على طلبه ، ولما كانت جمعية التوفيق قد تحدث غبطة البابا بكلام لم توفر فيه مركزه الدينى كتب للديوان الخديوى بطلب منعها فلم يرد عليه ، وكان بطرس باشا عازما على السفر الى اوربا وتقابل مع الخديوى ليأخذ منه اذنا بالسفر فذكر أمامه النزاع الطائفى الحاصل ، فأجابه بطرس باشا بانه لا يمكن ان يهدأ ما لم يشكل المجلس فصدر الامر لبطرس باشا بتاخير سفره ليسعى فى تشكيل المجلس وابلغ البابا كيرلس هذا القرار سنه  1892وفى مساء ذلك اليوم استدعى نحو خمسمائة نفس من رجال االطائفة بدعوة موقع عليها من بطرس غالى باشا بصفة نائب مجلس الامة لاجراء انتخاب المجلس

وفى الغد قصد بطرس غالى الدار البطريركية تتبعة عساكر البوليس ومنع الدخول الى البطريركية وصرف التلاميذ وطرد الخدم وضبطت ابواب الدار البطريركية ، فارسل البطريرك يستنجد بالمعية السنية فلم ترد عليه ، والناس حيارى لا يعرفون ماذا يتم ، وبعد الظهر جاءت جنود اخرى ، واقبل محافظ القاهرة وطلب من غبطة البطريرك ان يقبل الرئاسة على الانتخاب فأبى ، فقام المحافظ الى المجلس المعد للانتخاب بالمدرسة الكبرى وافتتح الحفلة باسم الحضرة الفخيمة وبدى بالانتخاب "

 

 

وحدث بعد ظهور نتائج الانتخاب ان اخطر البطريرك الخديوى بان ما حدث كان بغير ارادته ولا يوافق عليه باى حال كان ، وانتهز البابا فرصة عيد الاضحى فذهب مع بعض المطارنة لتهنئه سموه بالعيد واحاطة علما بما جرى ، الا ان الخديوى رفض مقابلتهم واعلمهم فيما بعد عن طريق ديوانه ، ان وقته لا يسمح بمناقشة البطريرك ، وان كان له على احد شئ فليرفع شكواه الى جهات الاختصاص

اجتمع المجلس اعلى بعد ان اعترفت الحكومة بقانونية انتخابه وحاول اكتساب رضاء البطريرك او التفاهم معه فلم يوفق ، فاصدر قرار برفع يد البابا عن المجلس وكافة الشئون الطائفية وعرض هذا القرار على مجلس النظار فوافق عليه فى  يونية 1892 وعبثا حاول البطريرك ان يقنع الحكومة بانه المسئول الاول عن ادارة الكنيسة

راى المجلس بعد اعفاء البطريرك من مهامه ان يقنع احد الاساقفة بقبول رئاسة المجلس وادارة البطريركية ، وفاوض فى ذلك الانبا مكاريوس اسقف الخرطوم والنوبة ، والانبا ابرام اسقف الفيوم والجيزة ، ولكنهما امتنعا ، فاتجهوا الى الانبا اثناسيوس اسقف صنبو وفسقام ، فسافر اليه مقار باشا عبد الشهيد وعرض عليه هذه المسئولية ، فاظهر الاسقف تجاوبا مع المجلس ، وبعد التفاهم على نقاط معينة عاد مقار باشا الى القاهرة ، وازاع المجلس بيانا فى 26 اغسطس 1892 م اعلن فيه نبا قبول اسقف صنبو لمطالب المجلس بالنيابة عن البطريرك فلما علم البطريرك بالخطوات التى اتخذها اسقف صنبو وانه الان فى طريقة الى القاهرة ابرق الى الانبا يوساب اسقف بنى سويف وكلفة ان يقابله عند وقوف القطار فى بنى سويف ويبلغة حرم البطريرك له وكذلك حرم المجمع المقدس ، فنفذ الاسقف امر البطريرك ولكن الانبا اثناسيوس لم يعبا بالحرم وواصل سفره الى القاهرة وعندما وصل الى العاصمة توجه مع مرافقته الى البطريركية ، ولكنه الموالين للبطريرك من الكهنة والخدم او صدوا الابواب فى وجوههم ولم يمكنوهم من الدخول ، فتوجه الاسقف الى منزل عوض بك سعد الله ونزل به ضيفا الى ان تمكن اتباعه من اقتحام البطريركية ، ولكن البابا وقتئذ كان فى الاسكندرية فقد عقد مجمعا من الاساقفة وكبار الكهنة وقرر قطع الانبا اثناسيوس وحرمه

ولما رأى اعضاء المجلس الملى ان وجود البطريرك بالاسكندرية بجانب الانبا يؤانس مطران البحيرة ووكيل الكرازة المرقسية يعطل اجراءاتهم اجتمعوا فى 31 اغسطس 1892 وشكلوا مجلسا زوجيا من القمص بشاى راعى كنيسة العذراء بحارة زويله والقمص جرجس بشاى كنيسة الدمشيرية والقمص بولس جرجس وكيل قضايا البطريركية ، واتفق المجلسان الملى والروحى على ابعاد البطريرك الى دير البراموس والانبا يؤانس الى دير الانبا بولا ، ورفعوا القرار الى مجلس النظار فاقره سريعا وفى صباح الخميس اول سبتمبر 1892 توجه محافظ الاسكندرية الى البطريرك واعلمه بهذا الامر فقبله البابا عن طيب خاطر ووعد بالسفر فى اليوم التالى ، وهكذا كان الامر مع الانبا يؤانس

وفى صباح يوم الجمعه 2 سبتمبر 1892 ، غادر البابا المقر البطريركى بالاسكندرية وتوجه الى قرية المطرانه من اعمال مركز كوم حماده ، كما سافر فى نفس الوقت الانبا يؤانس الى مدينة بوش ومنها الى دير الانبا بولا

وبعد نفى البابا الى دير البرموس قام اعضاء المجلس الملى بمساعدة رجال الشرطة باقتحام الدار

 

 

البطريركية ، ومكنوا الانبا اثناسيوس اسقف صنبو من دخولها عنوة ، وفى يوم الاحد 4 سبتمبر 1892 تجاسر الاسقف ورفع السرائر المقدسة فى الكاتدرائية رغم حرمه من البابا, وقد وقعت اثناء القداس امور غير عادية تشاؤم منها الكثيرون بان اتقلب الصينية فتاثر الشعب

ولما وجد الغيورون من الشعب ان حالة الكنيسة بعد غياب البطريرك يشير من الى رسؤا قدموا عرائض استرجاع الى المقام الخديوى ، واشترك معهم اساقفة الاقاليم ، وبعد مقابلات مع الخديوى ومصطفى باشا فهمى ناظر النظار ، اصدر الخديوى امرا خديويا فى 20 يناير 1893 بعودة البابا والانبا يؤانس

وفى يوم السبت 4 فبراير استقبلت الجماهير البطريرك فى محطة العاصمة بكل الفرح والبهجة وبعد عشرة ايام من وصوله جاء بطرس باشا لزيارته ومعه الانبا اثناسيوس والاساقفة والكهنة الذين ساعدوه واعتذروا للبابا على ما فرط منهم فصفح عنهم ومنحهم الحل والبركة ونصحهم الا يعودوا لمثل ذلك مرة اخرى ،

ولما رات الحكومة ان السلام لا يتم فى الكنيسة القبطية الا بترضية البابا والاعتراف بكافة حقوقه كمسئول اعلى عن رغبته ، عادت واصدرت امرا بارجاع الادارة الدينية والمالية الى غبطة ، على ان يتصرف بالطرق الودية حتى تتوحد الصفوف اكليروسا وشعبا عندما ترضت النفوس نسبيا ، اتفق البابا مع بطرس باشا على تشكيل المجلس الملى للمرة الرابعة فانتخب الشعب مجلسه من اعضاء ونواب ، وصدر مرسوم من الدولة  باعتمادهم رسميا فى اول مارس 1906 م، ولكن الهيئه الجديدة اخذت تضرب على النغمة القديمة ، فلم ينسجم البابا معها وتنحى عن رياسة المجلس الملى وفوض لادارة جلساته القمص بطرس عبد الملك رئيس الكنيسة المرقسية الكبرى

رحلات البابا الرعوية :

بعد ان استقرت الاوضاع تفرغ البابا لافتقاد شعبه ، فقام برحلات طويله فى الوجه القبلى سنه 1904 م ورحل الى اسوان ، ثم زار السودان ووضع الحجر الاساسى لكنيسة مارمرقص بالخرطوم ، وقام برحلة للسودان مرة اخرى سنة 1909 م

المؤتمر القبطى :

دعا اعيان الاقباط فى الوجهيين البحرى والقبلى الى عقد مؤتمر لبحث مشاكلهم الداخلية والاجتماعية ومساواتهم بمواطنهم فى كافة الحقوق الوطنية والادارية ، واستقروا ان يكون فى اسيوط وخشى البطريرك من وقوع فتنه طائفية يديرها الاستعمار ، فكتب للانبا مكاريوس مطران اسيوط يحذره من هذا الامر ، وحصن فى كتابة على استعمال الحكمة والتروى فرد المطران بتعيده بمراقبة الموقف وعدم حدوث شئ

واجتمع المؤتمرون فى مدرسة اخوان ويصا بموافقة وزارة الداخلية ، ولكى يعطوا المؤتمر صدرة وطنية وضعوا فى صدر القائمة صورة الخديوى عباس حلمى الثانى ، وافتتح المؤتمر جلسته الاولى

 

برئاسة بشرى بك حنا يوم الاثنين 6 مارس 1911 ، ثم توالت الجلسات التى تكلم فيها الاستاذ ميخائيل فانوس حيث تكلم عن سلامة الوحدة الوطنية واخنوخ فانوس وتوفيق  بك دوس ومرقس حنا ومرقس فهمى وحبيب دوس الذى طالب بوضع نظام لمجالس المدريات يكفل التعليم للجميع دون التفريق بن اتباع دين اخر

وبعد انتهاء الاجتماعات توجه بشرى بك حنا واعضاء لجنة المؤتمر الى سراى عابدين وقدموا الى الخديوى نسخه من محاضر الجلسات لرفعها الى الخديوى ، وطلبوا ان يتشرفوا بمقابلته شخصيا ليرفعوا اليه مطالبهم ولكن السر تشريفاتى ابلغتهم فى 27 مارس 1911 م ان صاحب العرش لا يرغب فى مقابلتهم لانهم خالفوا اوامر الحكومة

وقد حاول الاستعمار ان يستغل مطالب المؤتمر لمصالحة ، وادعى ان الاقباط يشكون من الاضطهاد ولكن عقلاء الاقباط وعلى راسهم البابا كيرلس الخامس احتاطوا لهذه اللعبة وزودوا المؤتمر بالنصائح الوطنية الخالصة حتى يعود الاستعمار بالخسران  وما لبثت ان جاءت نورة 1919 التى شارك فيها المسيحيون وباركها البابا كيرلس الخامس وكان على اتصال مستمر بسعد باشا زغلول ، وكان سعد يزوده بين الحين والاخر فى البطريركية وشهد له بالوطنية وحب مصر

البابا واثيوبيا :

بعد نياحة الانبا اثناسيوس مطران الحبشة 1876 طلب النجاشى من البابا كيرلس الخامس رسامة مطران اخر مع اعادة النظر فى التقليد الذى كان يسمح بمطران واحد للحبشة فطلب النجاشى رسامة مطران وثلاثة اساقفة ، فرشم لهم البابا اربعة رهبان جعل اولهم مطرانا لا ثيوبيا والثلاثة اساقفة ، فكانت لفتة زادت من حب الاحباش له ولمصر

البابا وزعماء مصر :

كان على علاقة وديه قويه باقطاب السياسة فى مصر وفى مقدمتهم الزعيم الوطنى سعد زغلول فكان يوزارة ويدعو له بالبركة وبالتوفيق فى كل خطواته ، كما كان على صلة به مستمرة خاصة بعد قيام ثورة 1919 ، فجعل من كنائسه منابر للخطباء ، وامر القساوسة ان يتعاونوا مع شيوخ الازهر على توعية المصريين فى طلب الاستقلال ووحدة وادى النيل

وعندما تشكل الوفد المصرى برئاسة سعد زغلول وسفره الى لندن فى 11 ابريل 1919 لمفاوضة الانجليز فى الاستقلال ، كان من بين اعضائة اربعة من وجهاء الاقباط مثل : سنيوت حنا وجورج خياط وويصا واصف ومكرم عبيد

وقد ظل البابا مرتبطا بسعد وبالثورة حتى توفى مع سعد زغلول فى نفس السنه ونفس الشهر ( 7 اغسطس 1927 ) ومات سعد زغلول فى 27 من نفس الشهر ، وكان البابا قد بلغ السادسة والتسعين من عمره ، وزادت عليه الامراض ، وتم تجنيزة ودفنه فى مقبرة البطاركة  كنيسه القديس استفانوس المجاورة للكنيسة المرقسية الكبرى  

 

الفصل التاسع

اشهر الشخصيات القبطية

فى القرن التاسع عشر والعشرين

1-  الانبا سرابامون اسقف المنوفية :

نشأ هذا الاب المبارك فى مديرية الشرقية باسم صليب ، ولما ادرك رشده عاش فى القاهرة واحترف تجارة الزيت ويطوف الشوارع ، وكان من جراء ذلك ان ادعت عليه احدى الشريرات التى كانت قد ولدت طفلا من زنا ووضعته تحت اقدام حماره مدعية انه قتله ، ولكن الله نجاه بمعجزة ، فترك الحمار وما عليه وهرب الى البرية هربا من الفخر العالمى الذى كان فى عيون الناس الذين شهدوا المعجزة ، وظل فى الدير الى ان انتخب اسقفا للمنوفية ايام البابا بطرس الجولى

اشتهربالنسك والتقشف ، وكان الله يجرى على يدية معجزات ، وكان ينام متوسدا مركوبه ، وياكل الدشيشة فى اناء من خشب ، وقد يحسن فى الخفاء ، وله فى هذا احداث كثيرة اما عن معجزاته فكثيرة ايضا فى شفاء الامراض واخراج الشياطين ، وكان عندما يخرج شيطانا يقرا المزمور الرابع والثلاثين ويرش الماء فى وجه المريض باسم ( المسيح يسوع ) فحدث ان سأل الشيطان مرة قبل ان يخرج ما اسمك فقال له : الاسقف صرابامون فقال : دى يابوى هى الشياطين فيها اساقفة

ومن اشهر من اخرج منهم شياطين ( عن كتاب نوابغ الاقباط ) زهرى باشا ابنه محمد على باشا زوجه احمد بك الدفتردار ، ولذلك كانت هذه المعجزة سببا فى زيادة قدر البابا بطرس فى عين محمد على وكذلك الانبا صرابامون ، سيما وانه اعتذر عن قبول الاموال التى اعطاها له محمد على قائلا " ليس من شئون وظيفتى ان اربح بمواهب الرب مالا يحوجنى اليه فلباس كما ترى فرجية صوف احمر ، وطعامى الخبز وطبيخ العدس ، فعوض ذلك اسال دولتكم ان تميلوا بتعطفاتكم نحو ابناء الطائفة القبطية ، وتخدموا بنيها المرفوتين ، فأجابه الى ذلك ، والح عليه ان يقبل تلك العطية ، فأخذ منها شيئا قليلا ، وفرقة اثناء مروره على العساكر,  وفى ولاية عباس باشا الاول امر باعدام جميع السحره والمنجمين ، فوشى بالقديس انه منهم ، وانه شفى زهرى باشا بالسحر ، فطلبه الخديوى ليقتله ، واذا به ينطلق الخبر ، وكان يوم الجمعه العظيمة – وقابله الخديوى باحتقار ولكنه قال له : انا رجل مسكين ، فقال له عباس – انت شفيت زهرى باشا ، فصرخ القديس بقوة فى وجهه قائلا ( هذه قوة الله ) فارتعب عباس وقال امان يابابا امان .

وكانت له احداث مباركة كثيرة - ليس مكانها هنا . وقد طالت ايام هذا القديس حتى ادرك عهد البابا كيرلس الرابع ، كما انه هو الذى شارك فى رسامة يوحنا الناسخ قسا بدير البراموس كما اسلفنا وتنيح الانبا صرابامون ودفن مع بطريركه البابا بطرس ال 109 والبابا مرقس 108 فى الكاتدرائية الكبرى

 

2- الانبا باسيلوس مطران القدس

وله سنه 1534 ش فى قرية الدابه يقنا مركز فرنشوط ، وكان والداه تقيان وكان ابوه يصطحبه معه الى الكنيسة ، ويصلى فى البيت مع ابوية ، واعتنى به ابوه فعلمه القراءة والكتابة والحساب ، وبرع فى مطالعة الكتاب المقدس ، وقد اصيب برمد فى عينية من كثرة القراءة

اعجب كثيرا بسيرة الاباء الرهبان وخصوصا القديس الانبا انطونيوس ولذلك ذهب الى احد الاديرة ليترهب ، ودام على الصوم والصلاة ، وفى سنه 1568 ش رسم ايغومانسا وسلم ادارة الدير ( وكان قد رسم قسا سنه 1565 ) فعمل على ترقية هذا الدير وكان يعامل الرهبان برفق ومحبة فأحبوه كثيرا

وكانت سيرة القديس قد عبق اريجها المتوفين فاختير مطرانا للقدس 1572 ش على يد البابا كيرلس الرابع ، ورغم انه حاول ان يتخلص من هذا الحمل وتلك المسئولية ولكن البطريرك واعيان الامة اجبروه على القبول ، فقبل وسار الى الارض المقدسة ، وحزن كثيرا عندما وجد ان حقوق الامة القبطية هناك مهمله " فعمل على تجديد العقارات وشراء ما قيمة 150لاف جنية ، فاشترى اماكن يسكن فيها زوار القدس من الاقباط ، وكانت مساحتها حوالى عشرين فدانا سنه 1581 ش وبنى فيها كنيسة ودار فاخرة للمطرانية ، كما عمر دير القديس انطونيوس الملاحق لكنيسة القيامة ، حتى اضحى يشمل على كنيسة عظيمة ودارا للمطرانية جميلة واكثر من اربعين غرفة بعد ان كانت خرابا ، كما عمر كذلك دير وكنيسة مارجرجس , كما دخل مع الاحباش فى صراع  من اجل مشكله دير السلطان الذى حاول الاحباش اغتصابه وحاولوا خطف مفاتيحه بمساعدة قناصل انجلترا وفرنسا ، ووقف لهم الانبا باسيلوس فاستصدر امرا من الدولة العليا بعمل مفاتيح جديدة للدير وتسليمها له ، ولكن الاحباش عادوا وطالبوا بملكية لادير ولجا الانبا باسيلوس الى الدولة العلية مرة اخرى وساعدة فى ذلك اعيان الاقباط الذين كانوا يعملون فى املاك الخديوى اسماعيل ، فصدر الامر العثمانى الى متصرفيه القدس سنه 1309 ه مؤيدا وثبتا حق الاقباط فى هذا الدير

وفى النهاية اشتد المرض عليه ، وانتهت بالم شديد فى جنبه الايسر حيث اسلم الروح فى 15 برمهات 1615 س وهو يلهج يارب خلص يارب انقذ"

3  - الانبا ابرام اسقف الفيوم :

ولد عام 1829 بقرية دلجا مركز ملوى مديرية اسيوط انذاك ، من ابوين فاضلين ، وفد له الانبا يوساب اسقف صنبو الذى رسمه شماسا ، ولما بلغ التاسعة عشره انطلق الى دير العذراء بالمحرق ثم سيم راهبا باسم بولس غبريال المحرقى ، ايام رئاسة القمص عبد الملك الهدرى ، الذى احبه لاخلاقه السامية ونسكه الشديد ولما سمع اسقف المنيا الانبا ياكوبوس بتقواه استدعاه اليه وسلمه ادارة الاسقفية وكلفة بملاحظة الغرباء والمساكين الذين كانوا يلجأون الى القلاية ، ثم رسم قسا وبعد فتره تاقت نفسه الى عيشه الدير فرجع وكان الرهبان يحبونه ، فطلبوا عزل رئيسهم لانه لم يدخر للدير شيأ فأتفق على ان يكون القس بولس رئيسهم، فتقدم الدير فى مدة رئاسته ، فغرس كرما ، ورمم ماتهدم ، واشترى له اطيانا حتى اقبل الكثيرون على الرهبنه فيه ، لدرجة انه رسم اربعين راهبا دفعة واحدة ،

 

 

وظل فى خدمة الدير خمس سنوات ، وكان يصرف كثيرا على الفقراء والمحتاجين ، محذره الرهبان من خراب الدير اذا ظل هكذا ، الا انه استمر فى نهجه ، حتى زاد عدد هؤلاء الفقراء عن عدد رهبان الدير فطالب الرهبان بعزله ، فوافقهم الانبا مرقس مطران البحيرة الذى كان يقوم باعمال البطريرك على عزله ، فخرج من الدير وقد بكاه هؤلاء المعوزين ، ورافقة الى البطريركية بعض تلاميذه المخلصين منهم الانبا متاؤس مطران الحبشة ، وارسل بعد ذلك الى دير الانبا بيشوى  هو ورهبانه  ثم نقل الى دير البراموس ايام ان كان رئيس هذا الدير يوحنا الناسخ فيما بعد فقبله ورحب به فى قلايته ، وكانا يدرسان معا الكتاب المقدس حتى حفظ اغلب نصوصه اذ كان يطالعه مرة كل اربعين يوما             وفى سنه 1888 م / 1597 ش اختيرا اسقفا للفيوم باسم الانبا ابرام ، حيث فاحت قداسته ، فكان اهم من حوله هم الفقراء والمعوزين ، بل جعل معظم دار المطرانية مأوى لهم وكان يجالسهم ويصرف عليهم كل ما لديه ، وكان لا ياكل الا معهم ، وعين لخدمتهم راهبه كانت تسمى بسيمه ، لاذت به هاربه من وجه البابا كيرلس الخامس بعد عودته من نفية ، اذ كانت ضمن من وقعوا على عزله ، ولكنها اهملت الطبخ فعزلها واصيبت بالشلل بعد ذلك

وكانت له مواقف كثيرة فى مساعدات الفقراء والمعجزات التى كان يجربها الله على يديه وظل الانبا ابرام يقوم باعباء ايبارشية حتى لحقه المرض فى بشنس 1630 ش ، وكان يشتد عليه وهو صابر متالم ، وقد اشتهت نفسه اكل الحمام المحشو ، فاعتبرها تجربة اخيره له ، فأوصى بعمله وتركه حتى انتن ، ووضعه امامه وجعل يخاطب نفسه " ها قد اجبت لك سؤالك يا نفسى فكلى مما ستصيرين انتن منه " ثم رماه بعد ذلك وانتقل الانبا ابرام فى شهر بؤونه 1630 / 10 يونيو 1914 م ودفن فى مدفنه بكنيسة ابى سيفين

4- الايغومانوس فيلوتاؤس ابراهيم :

ولد بطنطا  سنه 1837 وبعد ان درس العلوم فى المدارس واتقن اللغات العربية والقبطية والايطالية عين قسا لطنطا 1862 م، فانكب على دراسة كتب اللاهوت ، وبرع فى الوعظ ، ويزاع صيته فى كل الجهات ، وبعد ما رفع الى رتبة قمص 1865 طلبه البابا ديمتريوس الثانى ليرفقة فى رحلة فى الوجه القبلى 1867 ، فأظهر مقدرة فى الخطابة حتى رد كثيرين الى الكنيسة ممن ذهبوا الى المذاهب الاخرى

وفى اكتوبر 1874 انتخبه المجلس الملى راعيا وواعظا للكنيسة الكبرى ورئيسا لمدرسة انشئت خصيصا للرهبان ، فابدى فى ذلك اقتدارا ، مما رفعه فى عيون الامة القبطية

وظل يخدم حتى توفى فى 10 مارس 1904 وله مؤلفات بليغه واقع فى بعضها دفاعا محيدا عن عقائد كنيسة مثل :

1- نفح العبير فى الرد على البشير         2- الحجة الارثوذكسية ضد اللهجه الرومانية

3-تنوير المبتدئين فى تعليم الدين           4- كتاب خطب ومواعظ

5-الخلاصة القانونية فى الاحوال الشخصية

 

البـــدع والهــــــرطـــــقــات

الارساليات الكاثوليكية

كانت الكنيسة الكاثوليكية فى روما تحاول على مدى قرون ان تضم كنيسة الاسكندرية اليها وفشلت كما راينا ، وكانت محاولاتها فى مصر وفى الحبشة ولما احتل الفرنسيون مصر                        1798 - 1801 م دخل بدخولهم كثير من الافرنج ، وظلوا فى مصر حتى بعد خروج الفرنسيين منها ، ولما تولى محمد على مصر 1805 م استخدم هؤلاء فى مصالح عديدة ، فتابعت فى اثرهم الارسليات اللاتنية من فرنسيسكان وغيرهم

وفى ايام محمد على نشطت سعايتهم لان محمد على وجد نفسه مغمورا بخدماتهم خصوصا الفرنسيين الذين كان يثق بهم كثيرا ، فأراد ان يرد لهم الجميل ، فطلبوا منه ضم كنيسة مصر الى روما فاستدعى المعلم غالى الذى كان كبيرا لكتابه وامره ان يتبع ذلك ، فارتبك وخاف من وقوع الفتنه بين الطائفتين فاجاب الباشا بقوله ( ان استحالة الطائفة جميعها الى مذهب كنيسة روما دفعة واحدة لا تنتهى بدون قلاقل وسفك دماء كثيرين فنرى الاحسن ان يكون ذلك بسياسة وتدريب ، فنعتنق نحن اولا المذهب البابوى .